Share

٢١

last update publish date: 2026-07-08 15:04:28

الفصل الحادي والعشرون — الوجه الذي لم نشك فيه

"الخيانة لا تؤلم لأن العدو فعلها... بل لأنها جاءت من شخص منحناه ثقتنا."

بقيت ماريا واقفة عند الباب.

الصينية ترتجف قليلًا بين يديها.

كانت الابتسامة التي رسمتها على وجهها هادئة كما اعتادت دائمًا، لكن عينيها لم تستطيعا إخفاء الارتباك الذي لمحته إيلي للحظة.

أما إيثان...

فلم يرفع عينيه عنها.

ظل يراقبها بصمت.

صمت أربكها أكثر من أي سؤال.

قالت وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:

"الطبيب قال إنك تحتاج إلى الطعام حتى تستعيد قوتك."

لم يجب.

وضعت الصينية فوق الطاولة.

ثم التفتت لتغادر.

لكن صوته أوقفها.

"ماريا."

توقفت.

استدارت ببطء.

"نعم يا سيدي؟"

نهض إيثان رغم اعتراض جرحه.

شحب وجهه من الألم، لكنه تقدم حتى أصبح يقف أمامها مباشرة.

"أين كنتِ ليلة وصولي إلى القصر؟"

ارتبكت للحظة.

لكنها أجابت بسرعة.

"في المطبخ."

ظل ينظر إليها.

"ومن أخبرك أنني عدت؟"

ترددت ثانية.

"سمعت الخدم يتحدثون."

أومأ بهدوء.

ثم سأل سؤالًا آخر.

"ومن أخبر رجال بلاكوود أن الصندوق كان في مكتب فيليب؟"

تغير لون وجهها.

اتسعت عينا إيلي.

"إيثان..."

لكنه رفع يده برفق.

كان يريد أن يسمع الإجابة.

قالت ماريا بصوت مرتجف:

"لا أفهم ما تقصده."

ابتسم ابتسامة هادئة.

لكنها لم تصل إلى عينيه.

"إذن سأشرح."

بدأ يسير ببطء داخل الغرفة.

"في كل مرة حدث فيها شيء..."

"...كنتِ أول من يعرف."

"...وأول من يختفي."

"...وأول من يظهر بعد انتهاء كل شيء."

ساد الصمت.

كانت ماريا تتنفس بسرعة.

أما إيلي فلم تكن تصدق ما تسمعه.

هذه المرأة هي التي ربتها منذ طفولتها.

هي التي كانت تمشط شعرها.

وتغطيها عندما تنام.

وتحكي لها القصص في الليالي الباردة.

قالت إيلي بصوت مخنوق:

"هذا مستحيل."

نظر إليها إيثان.

وقال بهدوء:

"أتمنى ذلك."

ثم عاد ينظر إلى ماريا.

"قولي الحقيقة."

انهمرت دموع ماريا فجأة.

لكنها لم تتكلم.

اقتربت إيلي منها.

أمسكت يديها.

"ماريا..."

"أنتِ تعرفينني منذ كنت طفلة."

"أرجوك..."

"قولي إنه مخطئ."

رفعت ماريا عينيها إليها.

وانكسرت.

جلست على الأرض تبكي.

قالت بصوت متقطع:

"أنا... لم أرد هذا."

تجمدت إيلي.

"ماذا تقصدين؟"

شهقت ماريا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

"كانوا سيقتلون ابني."

ساد الصمت.

نظرت إليها إيلي بعدم فهم.

"ابنك؟"

أومأت وهي تبكي.

"اختطفوه منذ ثماني سنوات."

"قالوا إنني إذا لم أخبرهم بكل ما يحدث داخل القصر..."

"فلن أراه حيًا مرة أخرى."

وضعت يديها على وجهها.

"كنت أرسل لهم الأخبار فقط."

"أقسم أنني لم أكن أعرف أنهم سيحاولون قتل السيد فيليب."

شعرت إيلي بالاختناق.

كانت تريد أن تغضب.

لكنها رأت أمامها أمًا مكسورة.

قال إيثان بهدوء:

"ومن الرجل الذي يقودهم؟"

رفعت ماريا رأسها.

ترددت.

ثم قالت اسمًا واحدًا.

"إدوارد."

ضاقت عينا إيثان.

"كنت أعلم."

نظرت إليه إيلي.

"عمك؟"

هز رأسه.

"ليس وحده."

قطب حاجبيه.

كأنه يربط قطعًا كانت ناقصة.

ثم سأل ماريا:

"هل رأيتِ شخصًا آخر معه؟"

ترددت طويلًا.

ثم همست:

"امرأة."

نظر إليها.

"من هي؟"

أغمضت عينيها.

"لا أعرف اسمها."

"لكنها كانت تقول دائمًا..."

توقفت.

ارتجف صوتها.

"...إن الوريثة يجب أن تعود إلى مكانها."

اتسعت عينا إيلي.

كانت الجملة نفسها التي قالها الرجل في الكوخ.

نظر إيثان إليها.

ثم قال لماريا:

"هل سمعتِ اسمًا؟"

أومأت.

"مرة واحدة فقط."

"كانوا ينادونها..."

ابتلعت ريقها.

"...إيزابيلا."

ساد صمت ثقيل.

أما إيثان...

فشحب وجهه بصورة لم ترها إيلي من قبل.

همست وهي تقترب منه:

"أنت تعرفها."

لم يجب.

لكنه أغلق عينيه.

ثم قال بصوت منخفض:

"للأسف."

"أعرفها جيدًا."

اقتربت منه أكثر.

"من هي؟"

فتح عينيه ببطء.

وكان الألم فيهما أشد من ألم الرصاصة.

قال:

"إيزابيلا..."

"...هي أختي."

تراجعت إيلي خطوة إلى الخلف.

كأن الأرض اختفت من تحت قدميها.

"ماذا؟"

أومأ ببطء.

"أختي غير الشقيقة."

"اختفت بعد مقتل والدي."

"وظننت أنها ماتت."

تنهد بمرارة.

"لكن يبدو..."

نظر نحو الرسالة فوق الطاولة.

"...أنها كانت تعمل مع بلاكوود طوال هذه السنوات."

وفي اللحظة نفسها...

دوى انفجار هائل في الجهة الشرقية من القصر.

اهتزت الجدران بعنف.

وتبع الانفجار صوت جرس الإنذار القديم، الذي لم يُقرع منذ أكثر من عشرين عامًا.

اندفع أحد الحراس إلى الغرفة وهو يلهث، ووجهه شاحب كالموت.

صرخ بصوت مرتفع:

"سيدي... لقد فتح أحدهم القبو القديم!"

تبادل إيثان وإيلي النظرات.

وكانا يعلمان أن القبو...

هو المكان الذي أخفت فيه والدة إيلي الوثائق الحقيقية قبل سنوات.

ولم يكن أمامهما سوى سباق واحد...

من يصل إليها أولًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status