FAZER LOGINبعد وصول الرسالة الثانية المرعبة، قرر كريم ونور أن يكونا أكثر حذرًا بكثير في كل تحركاتهما القادمة، وبدآ يتساءلان بجدية شديدة عن كيفية معرفة الطرف الآخر بكل خطوة يقومان بها بهذه الدقة المذهلة والسرعة المخيفة. لم يكن الأمر مجرد مراقبة عادية من بعيد كما ظنا في البداية، بل بدا وكأن أحدًا مقربًا جدًا منهما يسرّب المعلومات بشكل مباشر ومستمر دون توقف.
جلسا معًا في مكتب كريم يراجعان بعناية فائقة كل من كان على علم بتفاصيل تحقيقهما الدقيقة، وكتبا الأسماء على ورقة بيضاء واحدة اسمًا تحت اسم: العقيد يحيى سرور بالطبع، لكنه كان الأب المتألم الذي يريد العدالة أكثر من أي شخص آخر على وجه الأرض. زوجة سامي التي كانت حاضرة في بعض المحادثات العابرة بينهما. سكرتيرة نور في مكتب المحاماة التي قد تكون سمعت مكالمات هاتفية عرضية دون قصد. وأخيرًا، صديق كريم في مجال الأدلة الجنائية الذي طلبا منه فحص كاميرات المراقبة سابقًا. وحين وصلت نور إلى اسم عمها سامي، توقف قلمها لحظة، ثم كتبته بيد ثقيلة كأنها تكتب اسمًا لا تعرفه.
قررت نور أن تجري اختبارًا بسيطًا وذكيًا لكشف مصدر هذا التسريب الخطير بدقة. أخبرت عمها سامي بمعلومة كاذبة تمامًا عن نيتها زيارة مكان معين في اليوم التالي، بينما أخبرت كريم بمعلومة مختلفة كليًا عن خطة أخرى بديلة، واحتفظت لنفسها فقط بخطتها الحقيقية دون أن تخبر أحدًا آخر بها على الإطلاق مهما كان مقربًا منها.
في اليوم التالي، لاحظت نور بقلق سيارة مشبوهة تتبعها بحذر في الطريق المؤدي إلى المكان الذي أخبرت به عمها تحديدًا لا غير، بينما لم يلاحظ كريم أي شيء غريب على الإطلاق في طريقه المختلف تمامًا الذي أخبرته به سابقًا. راقبت السيارة السوداء في مرآتها ثلاث مرات متتالية، وكانت تبطئ كلما أبطأت وتسرع كلما أسرعت، حتى تأكدت تمامًا أن الأمر ليس صدفة. شعرت نور بصدمة مؤلمة جدًا حين أدركت النتيجة القاسية أمامها: كان عمها سامي هو من يسرّب المعلومات بالفعل، سواء عن قصد مباشر أو دون قصد حقيقي منه.
اتصلت أولاً بكريم وسألته إن كان قد لاحظ شيئًا في طريقه، فأكد لها أن الطريق كان هادئًا تمامًا وأن أحدًا لم يتبعه. لم يعد أمامها مجال للشك أو للتبرير، وشعرت أن جزءًا عزيزًا من ماضيها قد انهار فجأة تحت قدميها.
ثم اتصلت بعمها فورًا دون تأخير، غاضبة ومرتبكة في آن واحد معًا، وواجهته مباشرة وبصراحة تامة بما اكتشفته للتو. صمت سامي طويلاً جدًا على الهاتف دون أن ينبس بكلمة واحدة، ثم اعترف أخيرًا بصوت مليء بالخجل الشديد والندم العميق: "عادل نصّار اتصل بي بنفسه منذ أسابيع عديدة مضت، وهددني بشكل مباشر وصريح تمامًا. قال إنه يعرف كل شيء بالتفصيل عن ديوني المالية المتراكمة منذ سنوات، وعرض علي مبلغًا كبيرًا جدًا مقابل إبقائه على اطلاع دائم بتحركاتك، مع تهديد ضمني واضح بأنه سيؤذيك شخصيًا إن لم أتعاون معه فورًا."
شعرت نور بخليط معقد من الغضب الشديد والشفقة العميقة تجاه عمها في آن واحد معًا. "كان يجب أن تخبرني بصراحة تامة يا عمو سامي، بدلاً من أن تخوننا جميعًا بهذا الشكل المؤلم."
"أعرف تمامًا، وأنا آسف جدًا جدًا على ما فعلته،" قال سامي بصوت متهدج تمامًا يكاد ينكسر. "لكنني كنت خائفًا جدًا عليك أنتِ وعلى عائلتي الصغيرة في آن واحد معًا، ولم أعرف حقًا ماذا أفعل في تلك اللحظة الصعبة. لم أعطه أبدًا معلومات خطيرة حقيقية بصدق، حاولت دائمًا قدر استطاعتي أن أعطيه تفاصيل غير مهمة قدر الإمكان لأحميك بطريقتي الخاصة."
لم تجب نور فورًا. كانت تسمع أنفاس عمها الثقيلة عبر الهاتف، وتتذكر كيف كان يحملها على كتفيه وهي طفلة صغيرة في أعياد الحي القديم، وكيف كان أول من هرع إليها يوم وفاة جدتها. أدركت أن الخوف قد يكسر أشجع الرجال، وأن الضعف ليس دائمًا خيانة متعمدة.
قررت نور بعد تفكير عميق أن تستغل هذا الاكتشاف المفاجئ لمصلحتها الشخصية بدلاً من مجرد الغضب المستمر منه بلا فائدة. اقترحت على عمها أن يستمر في التواصل مع عادل نصّار كالمعتاد تمامًا دون تغيير، لكن هذه المرة بمعلومات مضللة بعناية توجه من قبلها هي وكريم معًا، لتضع بذلك فخًا محكمًا جدًا لرجل الأعمال النافذ الذي ظن نفسه فوق كل حساب. وافق سامي على الفكرة فورًا دون تردد، راغبًا بشدة في تكفير عن خطئه الفادح بأي طريقة ممكنة متاحة له.
حين أخبرت نور كريم بالأمر في اليوم نفسه، تردد قليلاً وقال إن المخاطرة كبيرة، وإن سامي قد يتراجع في أي لحظة أو ينكشف أمره أمام عادل. لكنها ذكّرته بأن الطريقة الوحيدة لقلب اللعبة هي أن يظل الخصم مطمئنًا إلى أنه يرى كل شيء، فأومأ موافقًا على مضض.
اجتمعت نور وكريم في تلك الليلة المتأخرة لوضع خطة دقيقة ومحكمة بعناية فائقة، خطة ستقودهما أخيرًا بعد كل هذا العناء إلى مواجهة مباشرة وحاسمة مع عادل نصّار، مواجهة يأملان بكل قلبيهما أن تنتهي بكشف الحقيقة كاملة أمام القانون والعدالة، بعد كل هذه السنوات الطويلة جدًا من الصمت المطبق والخوف الدائم والإنكار المستمر.
وضعا على الطاولة خريطة صغيرة للمدينة وأوراقًا متناثرة، وراحا يوزعان الأدوار واحدًا واحدًا: ما الذي سيقوله سامي في مكالمته القادمة، وما الذي ينبغي أن يبقى سرًّا بينهما وحدهما، ومتى يتحرك كل منهما. لم يكن ينقصهما سوى ما يكفي من الشجاعة والصبر، وكان كل منهما يعلم أن الخطأ الواحد قد يكلفهما أكثر مما يحتملان.
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







