FAZER LOGINوصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.
بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."
أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."
رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق، بينما كان أشرف يرتب أدواته كأن شيئًا لم يكن.
حين أنهى أشرف عمله وانصرف، أغلق كريم الباب بالمفتاح ووضع مقعدًا ثقيلاً خلفه، وأطفأ أنوار الصالة كلها إلا مصباحًا ضعيفًا في المطبخ. تحركا بعد ذلك بحركات بطيئة وخفيفة كأنهما لصان في بيت غريب، وكانت نور تكتب على ورقة كلمات قصيرة ثم تريها لكريم، حتى لا يسمع الجهاز اللاصق في الجدار همسة واحدة تفضحهما. وكان الصمت في الشقة ثقيلاً.
ثم سارت نور بخطوات خفيفة إلى الساعة المعطلة. كانت تذكر كيف كانت جدتها تمنع أي إنسان من لمسها، وكيف تغضب غضبًا مخيفًا لو حاول أحد أن يضبط عقاربها. أنزلت الساعة عن الحائط بحذر، وقلبتها بين يديها، فوجدت في ظهرها الخشبي قطعة صغيرة يمكن رفعها بظفر الإصبع.
تحت الغطاء كان يرقد صندوق معدني رقيق ملفوف بقطعة قماش قديمة. وضعت نور الصندوق على طاولة المطبخ البعيدة عن جهاز التنصت وفتحته بيدين مرتجفتين. وجدت بداخله ثلاثة أشياء: سوارًا بلاستيكيًا صغيرًا للمواليد كُتب عليه بخط باهت "المولودة رقم 41"، ودفترًا جلديًا نحيلاً متآكل الأطراف، ورسالة مطوية عليها بخط مرتعش اسم واحد: "سارة".
فتحت الرسالة وقرأتها همسًا لكريم، وصوتها يتكسر مع كل سطر:
"إلى ابنتي سارة. إن كنتِ تقرئين هذا فقد رحلت أنا وبقيتِ أنتِ، وهذا ما أردته دائمًا. لست أدري بأي اسم تعرفين نفسك الآن، لكنك كنتِ سارة حين وضعوكِ بين يدي. أمك هدى ألقتك في حضني ليلة ولادتك وهي تنزف وتبكي وقالت: خذيها بعيدًا يا خالة زينب قبل أن يبيعوها. لم أفهم حينها ما تعنيه، ثم فهمت.
كان الدكتور ماهر الشناوي يدير في مستشفى النور تجارة لا تخطر على قلب بشر. كان يسجل ولادات سرية لفتيات فقيرات مجبرات أو مخدوعات، ثم يبيع مواليدهن لأسر ثرية تريد أطفالاً بلا أسئلة، ويقتسم الثمن مع من يحميه. هذا الدفتر فيه كل شيء: الأسماء والتواريخ والمبالغ. وقد أخذته من مكتبه في الليلة نفسها التي أخذتك فيها.
حاولت العودة لأنقذ هدى فلم أجدها. قالوا إنها ماتت، ولم أصدق قط. خبأت الدفتر هنا لأن أحدًا لن يفكر في ساعة ميتة. سامحيني لأنني لم أتكلم، فقد كنت أخاف عليك أكثر من خوفي على الحق. زينب."
انتهت نور من القراءة ولم تتمالك دموعها. ضمّت الرسالة إلى صدرها لحظة. أدركت أخيرًا لماذا كانت جدتها تراقب الباب كلما دق جرس، ولماذا كانت تنتفض حين يذكر أحد اسم المستشفى أمامها. كل تلك الأسرار الصغيرة التي حيّرتها طفلةً وصارت اليوم مفهومة، وكل قبلة قبلتها على جبينها كانت حماية مغلّفة بحب. ثم فتحت الدفتر بحرص. كانت صفحاته مقسمة إلى أعمدة رفيعة بخط أنيق: تاريخ، رقم مولود، اسم الأم، اسم المشتري، ومبلغ مكتوب بالأرقام. مرّرت إصبعها على الأسماء تباعًا، وكان كريم يقرأ معها بصمت وهو يشعر بالغثيان.
كانت هناك أسماء لرجال أعمال وأطباء وضباط سابقين، وأسماء أخرى كبيرة تذكرها من الصحف.
التقط كريم بهاتفه صورًا للصفحات صفحة صفحة، لكن نور أوقفته: "لا صور على الهاتف الآن، فقد يكون مخترقًا أيضًا. سنحتفظ بالدفتر نفسه وننسخه بطريقة أخرى." وافق مرتبكًا، وأعاد الهاتف إلى جيبه. وفي الصفحة الأخيرة وجدت نور السطر الخاص بها: "41. الأم: هدى ع. المشتري: لم يُسلَّم، اختفت المولودة. الأم تُنقل إلى دار السكينة." توقف نفسها عند اسم الدار، فقد كانت هذه هي الجملة التي أثبتت لها أن عادل لم يكذب، وأن المرأة التي في الصورة هي أمها فعلاً. وقبل ذلك بسطر واحد، عند المولودة رقم أربعين، توقف إصبعها فجأة وتجمدت الدماء في عروقها.
كان مكتوبًا بخط واضح: "أنثى، أم: نجلاء، المشتري: هشام الجارحي، وكيل نيابة".
رفعت نور رأسها إلى كريم ببطء، ونطقت بصوت بالكاد سمعه: "وكيل النيابة الذي طلب مني ألا أغادر القاهرة."
لم يجب كريم فورًا. بدا كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، فالتسجيل الوحيد الذي يدين ماهر الشناوي صار الآن في يد رجل قد يكون شريكًا في الجريمة نفسها، والرجل نفسه هو من يملك قرار التحقيق. أمسك بحافة الطاولة وقال بصوت مبحوح: "إذن لن يتحرك أحد، وسيتأخر كل شيء حتى تنتهي مهلتهم."
نظرت نور إلى السوار الصغير في كفها، ثم إلى الدفتر، وقررت الآن أن تلعب لعبتهم بقواعدها هي وحدها.
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







