ログインفي صباح اليوم التالي، وصلت نور وكريم إلى القهوة الشعبية التي دلّهما عليها معارف كريم القدامى، مكان بسيط في زقاق ضيق تفوح منه رائحة الشيشة والشاي الثقيل، وطاولاته الخشبية القديمة تحمل آثار سنوات طويلة من اللعب بالطاولة والدومينو. جلسا في ركن هادئ يطل على الباب، وانتظرا في صمت مترقب، بينما كانت عينا نور لا تفارقان كل رجل مسن يدخل من الباب، وقلبها يخفق بسرعة كلما ظنت أنها تعرفت على ملامح تشبه ما وصفه لها كريم.
بعد نحو نصف ساعة من الانتظار المتوتر، دخل رجل في السبعينيات من عمره، طويل القامة رغم انحناءة خفيفة في ظهره، يرتدي جلبابًا رماديًا بسيطًا، وملامح وجهه تحمل صرامة من تعوّد على إصدار الأوامر لسنوات طويلة. جلس في مكانه المعتاد قرب النافذة، وطلب الشاي دون أن ينظر إلى النادل، وكأن الروتين نفسه جزء من كيانه، بينما راقبه كريم بعينين متفحصتين قبل أن يهمس لنور: "هذا هو، أنا متأكد."
اقترب كريم منه بأدب شديد، وقدّم نفسه بصفته صحفيًا يعمل على تحقيق قديم، بينما قدّمت نور نفسها كحفيدة لامرأة تُدعى زينب الزهراني. عند سماع الاسم، توقفت يد العقيد يحيى سرور في منتصف الطريق وهي تحمل كوب الشاي، ونظر إليها نظرة طويلة فاحصة، وكأنه يقارن وجهها بوجه يتذكره من الماضي البعيد، ثم أومأ برأسه ببطء إشارة منه للجلوس.
"زينب الزهراني،" كرر الاسم بصوت خفيض وهو يهز رأسه ببطء. "لم أتوقع أن أسمع هذا الاسم مرة أخرى في حياتي، بعد كل هذه السنوات الطويلة."
جلسا معه، وبدأت نور بحذر شديد تشرح له سبب زيارتهما، دون أن تكشف كل التفاصيل دفعة واحدة، لكنها أخرجت صورة سارة ووضعتها أمامه بهدوء. تغيرت ملامح الرجل المسن فجأة، وأصبحت يداه ترتجفان بوضوح وهو يمسك الصورة، وعيناه تغرورقان بشيء أقرب إلى الدموع المكبوتة منذ سنوات طويلة، وكأن الزمن عاد به فجأة إلى تلك الأيام البعيدة التي حاول نسيانها طويلًا دون جدوى.
"سارة،" همس بصوت متهدج، وهو يمرر إصبعه برفق فوق الصورة القديمة. "ظننت أن هذا الاسم دُفن معي منذ زمن بعيد، وأنني سأموت دون أن أسمعه مرة أخرى من أحد."
سألته نور بلطف عمّا يعرفه عن تلك القضية، فتنهد العقيد المتقاعد تنهيدة طويلة، وألقى نظرة حذرة حوله في المقهى قبل أن يبدأ الحديث بصوت أخفض من ذي قبل. "كنت أنا المسؤول عن التحقيق في اختفاء تلك الطفلة عام 1994. عملنا على القضية بجدية بالغة في الأسبوعين الأولين، جمعنا شهادات الجيران واحدًا تلو الآخر، وحققنا مع كل من كان قريبًا من العائلة، وكنا قريبين جدًا، جدًا، من الوصول إلى خيط حقيقي يقودنا إلى الفاعل الحقيقي."
"ماذا حدث بعد ذلك؟" سأل كريم وهو يخرج دفتر ملاحظاته بحذر شديد كي لا يقاطع تدفق الحديث، وقلمه معلق في الهواء ينتظر كل كلمة.
صمت العقيد للحظة طويلة، يحدّق في فنجان الشاي أمامه دون أن يلمسه، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا: "في أسبوع واحد فقط، جاءني أمر مباشر من مسؤول أعلى مني بإغلاق القضية وتصنيفها كحالة انتقال عائلي دون مزيد من التحقيق. لم يكن هذا أمرًا معتادًا أبدًا في قضية اختفاء طفل، وحين اعترضت بشدة وطالبت بتفسير، جاءني تحذير غير مباشر، لكنه واضح تمامًا، بأن مستقبلي المهني بأكمله على المحك إن استمررت في الإصرار."
شعرت نور بقلبها يخفق بشدة. "من أصدر هذا الأمر؟ هل تتذكر اسمه؟"
نظر إليها يحيى سرور بعينين مثقلتين بالندم القديم الذي عاش معه طوال هذه العقود. "لم يكن اسمًا واضحًا مكتوبًا في الأوراق الرسمية، الأوامر من هذا النوع لا تُكتب أبدًا، بل تأتي همسًا في أذن رئيسك المباشر. لكن الجميع في المركز كان يعرف وقتها أن رجل الأعمال الحاج عادل نصّار كان صديقًا مقربًا جدًا لكبار المسؤولين في المنطقة، وأنه كان يزور مركز الشرطة شخصيًا في تلك الفترة بحجة "الاطمئنان على سير التحقيق"، وهو أمر غير معتاد أبدًا لرجل في مكانته أن يكلف نفسه عناء زيارة مركز شرطة صغير بنفسه أكثر من مرة."
تبادلت نور وكريم نظرة سريعة مليئة بالدهشة والترقب. سألت نور بصوت متردد: "وماذا عن جدتي زينب؟ هل كانت متورطة بأي شكل في اختفاء الطفلة؟"
هز يحيى رأسه بحزن واضح ونفى بيده بحركة سريعة. "زينب لم تكن متورطة في الجريمة أبدًا، بل بالعكس تمامًا، كانت من أشد المدافعين عن ضرورة استمرار التحقيق مهما كلف الأمر. أتذكر جيدًا أنها جاءت إلى المركز مرات عديدة، وحيدة، تطالب بعدم إغلاق الملف، وكانت تقول لي دائمًا بإصرار غريب إن هناك حقيقة يجب أن تُعرف مهما كان الثمن. لكنها اختفت هي الأخرى عن المشهد فجأة بعد فترة قصيرة جدًا من إغلاق الملف، ولم أرها أو أسمع عنها مرة أخرى منذ ذلك الحين وحتى اليوم."
توقف قليلًا، متأملًا وجه نور بعناية، ثم أضاف وهو ينظر مباشرة في عينيها: "الغريب أنني تذكرتها الآن وأنا أراكِ أمامي، فملامحك تشبهها بشكل كبير جدًا حين كانت في مثل عمرك، لكنها تشبه أيضًا، وهذا ما يحيرني أكثر، تلك الطفلة في الصورة، بشكل يصعب تفسيره بمجرد المصادفة العابرة."
جلست نور صامتة، تشعر بالأرض تهتز تحت قدميها فعليًا. سألته أخيرًا بصوت يكاد لا يُسمع: "هل تعتقد أن سارة... ما زالت على قيد الحياة حتى اليوم؟"
نظر إليها العقيد المتقاعد طويلًا، بنظرة فيها حكمة السنين وثقلها معًا، ثم قال بصوت حازم رغم ارتجافه: "أعتقد يا ابنتي أنك تجلسين أمامي الآن، بعد كل هذه السنوات، وتسألينني هذا السؤال بالذات لسبب وجيه جدًا جدًا. لكن كوني حذرة للغاية فيما تبحثين عنه. عادل نصّار ما زال رجلًا نافذًا جدًا حتى اليوم، وإن كان قد أخفى شيئًا بهذا الحجم منذ ثلاثين عامًا كاملة، فلن يتردد لحظة واحدة في إخفائه مرة أخرى إن شعر أن الحقيقة توشك على الخروج إلى النور من جديد."
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة