LOGINاستيقظت في اليوم التالي على شعور غريب… مزيج بين التعب والراحة. نظرت حولي للحظة وأنا أتذكر أن هذه شقتي الجديدة، وهذه حياتي الجديدة التي بدأت تتشكل بصمت.
قمت بسرعة، أخذت حمّام قصير، وبدّلت ملابسي على عجل. كان عندي عمل مهم اليوم، لكن ليس أي يوم عادي… اليوم استعداد لعرض الأزياء الخاص بخريف 2026. خرجت من الشقة وأنا أحاول أرتب أفكاري. الطريق للعمل كان هادئ، لكن داخلي كان مليان حركة. كل شيء في الشركة اليوم مختلف… توتر، تجهيزات، أصوات من كل مكان. وصلت إلى مقر العمل، وهناك بدأت أجواء العرض تظهر بوضوح: أقمشة معلّقة، فساتين نصف جاهزة، مصممين يركضون بين الطاولات، ونقاشات لا تتوقف. مديري أعطاني التعليمات بسرعة: “اليوم لازم نجهز كل التفاصيل لعرض خريف 2026… ما في أخطاء.” هززت رأسي وبدأت أشتغل فورًا. مررت على التصاميم واحد واحد… أقمشة ثقيلة للخريف، ألوان دافئة، ولمسات أنيقة توحي بالفخامة. كان واضح أن هذا العرض ليس عادي، بل حدث كبير ينتظره الجميع. وأثناء عملي، كنت أحاول أفصل بين ضغط العمل وكل اللي يدور في حياتي الشخصية… لين، الجدة قمر، وسامر… كلهم كانوا في زاوية بعيدة من تفكيري، لكن بطريقة ما، ما كانوا يختفون تمامًا. رفعت رأسي للحظة وأنا أراقب الصالة المليئة بالتحضيرات، وقلت لنفسي: “هذا ليس مجرد عرض أزياء… هذا بداية فصل جديد بالكامل. وأثناء انشغالي في ترتيب الأقمشة ومراجعة التفاصيل، عمّ المكان هدوء مفاجئ… كأن كل الأصوات خفّت لحظة واحدة. رفعت رأسي، وفجأة دخل سامر إلى قاعة التجهيز. كان حضوره مختلف هذه المرة، رسمي أكثر، ونظرته تمسح المكان بدقة وهدوء. ما كان مجرد وجود عابر… واضح إنه يدخل هنا كصاحب قرار أو شخص له علاقة مباشرة بكل ما يجري. الموظفون وقفوا بسرعة، وكل واحد بدأ يرتب نفسه. أحدهم قال باحترام: “سيدي سامر…” هنا فهمت الصورة أكثر… هذا المكان يبدو أنه يعود له أو تحت إشرافه المباشر. سامر مرّ بعينيه على كل شيء: الأقمشة، التصاميم، المنصات، وحتى طريقة التنظيم. كان يتحقق من التفاصيل بدون كلام كثير، فقط نظرات دقيقة وحاسمة، حسّيت بشيء غريب داخلي… نفس الشخص الهادئ في المطعم، لكنه الآن مختلف تمامًا هنا. كأنه في هذا المكان يتحول لشيء آخر: صاحب سلطة، حضور، وقرارات. اقترب من إحدى الطاولات وتوقف عند تصميم معين، ثم سأل بصوت هادئ لكن واضح: “هذا ضمن مجموعة خريف 2026؟” أجاب أحد المصممين بسرعة: “نعم، سيدي.” هز رأسه فقط بدون تعليق، ثم أكمل سيره داخل القاعة، وكل من حوله يتابعه باهتمام. أما أنا، فكنت واقفة في مكاني، أحاول أوازن بين عملي وبين هذا المشهد المفاجئ… وأفكر: كيف يمكن لشخص واحد أن يظهر بهذه الهدوء في أماكن مختلفة، لكن يعطي كل مرة انطباع مختلف تمامًا؟!. كنت منغمسة تمامًا في عملي، أراجع الفساتين وأرتّب القطع التي ستدخل عرض خريف 2026، وأتأكد من كل تفصيلة قبل عرضها على العارضات. المكان كان مليان حركة وصوت، وأنا وسطه أحاول أركز قدر الإمكان. فجأة، حسّيت بخطوات قريبة… رفعت رأسي، وكان سامر قد وصل لنفس المكان اللي أشتغل فيه. وقف للحظة ونظر حوله بهدوء، ثم اقترب أكثر. عينيه مرّت على الفساتين، على ترتيبها، وعلى العارضات اللي يستعدّون. كان واضح إنه يقيّم كل شيء بدقة وبدون استعجال. توقفت عن العمل للحظة، وأنا أراقبه وهو يسأل بصوت هادئ: “هذل هذاه الفساتين ضمن العرض؟” أجاب أحد المصممين بسرعة: “نعم، كلها ضمن مجموعة خريف 2026.” هز رأسه بخفة، ثم نظر مرة أخرى على المكان وكأنه يتأكد من كل تفصيلة بنفسه. لم يعلّق كثير، فقط اكتفى بنظرة طويلة ودقيقة، وكأنه يضع ملاحظاته بصمت. ثم، بدون أي كلمة إضافية، أكمل طريقه بهدوء داخل القاعة، يراقب ويفحص المكان وكأنه جزء من طبيعته اليومية. وقفت أتابعه للحظة، ثم رجعت لعملي، لكن إحساس غريب بقي معي… وجوده كان بسيط، لكن تأثيره في المكان كان واضح، كأنه يدخل أي مساحة ويجعلها تخضع لاهتمامه بدون ما يتكلم كثير.؟! انشغل المكان أكثر مع اقتراب موعد العرض، وكل شيء صار يتحرك بسرعة محسوبة. الأضواء، الموسيقى، العارضات… وكل تفصيلة كنت أعرفها، لأنني عشتها خطوة بخطوة. وقفت خلف المسرح، أراقب أول عارضة وهي تمشي على المنصة. قلبي كان ينبض بسرعة،ليس من الخوف… بل من شعور مختلف، شعور أني أخيرًا أشوف نتيجة تعبي قدامي. كل قطعة مرت قدامي كانت تحمل جزء مني، من اختياري للأقمشة، للألوان، للتفاصيل الصغيرة اللي يمكن ما ينتبه لها أحد… لكن أنا أعرفها. العرض كان يمشي بسلاسة، تصفيق الحضور بدأ يرتفع تدريجيًا، وأنا واقفة خلف الستار أراقب بصمت، أحاول أستوعب إن هذا كله صار واقع. وبعد ما انتهى العرض، جاء الوقت اللي ما كنت أفكر فيه كثير… “هتون، دورك.” أخذت نفس عميق، وعدّلت من وقوفي، ثم خرجت مع العارضات إلى المنصة، بصفتي مصممة الأزياء الأساسية ومديرة مشروع خريف 2026. الأضواء كانت قوية، لكن نظري كان ثابت. مشيت بثقة، رغم كل التعب اللي مرّ، ورغم كل اللي تغير في حياتي خلال أيام قليلة. التصفيق كان أوضح الآن… أقرب… موجه لي. وقفت في منتصف المنصة، نظرت للحضور، للحظة قصيرة، ثم انحنيت بخفة تقديرًا لهم. في تلك اللحظة، حسّيت بشيء داخلي يتأكد… أن كل خطوة أخذتها، حتى أصعبها، كانت توصلني لهنا، كم تمنيت ان يكون ابي وامي حضرين . بعد انتهاء العرض، ومع انشغال الجميع بالتهاني والحركة، كنت واقفة أراجع بعض التفاصيل الأخيرة بهدوء. فجأة، سمعت صوته من خلفي: “آنسة هتون.” التفتّ، وكان سامر واقف بنفس هدوئه المعتاد، ملامحه ثابتة ونظرته خالية من أي انفعال واضح. وقفت باستقامة وقلت: “نعم، سيدي.” نظر لي لثواني قصيرة، ثم قال بنبرة باردة ومباشرة: “عمل متقن.” توقفت لحظة، وكلمته كانت كافية توصل بدون أي زيادة. ردّيت بهدوء: “شكرًا.” ثم أضاف، بنفس النبرة الهادئة: “أليست أنتِ الموظفة التي تم توظيفها منذ ستة أشهر فقط؟” كان سؤاله مباشر، بدون مجاملة أو تمهيد. أجبته: “نعم.” هزّ رأسه بخفة، وكأنه يسجل المعلومة لا أكثر، ثم قال: “جيد.” لا ابتسامة، لا تعليق إضافي. مجرد تقييم مختصر… ثم استدار وغادر بنفس البرود اللي حضر فيه. بقيت واقفة مكاني لثواني، مو لأن كلامه كثير… بل لأنه قليل بشكل غريب، لكن فيه وزن واضح. ورجعت لنفسي أقول: “واضح… سامر مو من الناس اللي يمدحون بسهولة. وبعد لحظات من مغادرة سامر، وأنا ما زلت واقفة أحاول أستوعب الموقف، سمعت صوت هاجر من بعيد: “هتووون!” التفت، وإذا بهاجر جاية بسرعة ومعها مازن، ملامحهم كلها فرح وفخر. هاجر وصلت عندي تقريبًا تركض، وقالت بحماس: “شو كان هذااا؟! العرض كان خرافي! ضحكت بخفة من حماسها، ومازن وقف بهدوء لكن ابتسامته كانت واضحة: “شغل مرتب جدًا… كنتِ قد المسؤولية.” قبل ما أرد، هاجر قرّبت أكثر وقالت بصوت أخفض لكن مليان حماس: “وشفنا سامر وهو يكلمك!”تنهدت بخفة وقلت:“ما قال شيء… بس شكرني على العمل.”هاجر فتحت عيونها بصدمة خفيفة: “بس؟! هتون هذا يعتبر مدح كبير منه!” رفعت حاجبي وقلت بنبرة هادئة:“ما حسّيته مدح…”مازن تدخل بهدوء: “هو من النوع اللي ما يعطي كلام كثير… فإذا قال ‘عمل متقن’، فهذا شيء كبير.” سكت لحظة وأنا أفكر بكلامهم، يمكن فعلًا طريقته مختلفة… أو يمكن أنا ما تعودت عليها.هاجر ابتسمت وقالت:“المهم… إحنا فخورين فيك.” نظرت لهم وابتسمت بهدوء، هذه المرة الشعور كان أوضح… يمكن كلام سامر كان بارد، لكن وجود هاجر ومازن كان دافئ كفاية يوازن كل شيء. غدرت الحفل الذي حصل بعد العرض و انا الان في المصعد متجه لشقني واخيرا بعد يوم طويل ،دخل سامر قبل ما يُغلق باب المصعد مباشرة، ووقفت للحظة وأنا أحاول أخفي ارتباكي. نظرت له بسرعة ثم التفتّ للأمام وقلت بهدوء فيه توتر خفيف:احدث نفسي “يا للمصادفة السيئة… الوضع صار محرج وغريب، أنا وسيد سامر في نفس المصعد مرة ثانية.” الصمت كان ثقيل للحظة، وأنا أحاول أتصرف بشكل طبيعي رغم إحساسي الغريب. بصراحة ما قدرت أمنع نفسي من التفكير، فنظرت له بطرف عيني ونظرتُ له بسرعة، وفجأة التقت عيني بعينه… في تلك اللحظة ارتبكت، وكأن التوازن داخلي اختل لثانية. شعرت بتوتر غريب يمرّ عليّ بدون سبب واضح، فقط من ثبات نظرته. سرعان ما أبعدت نظري عنه ووقفت بشكل مستقيم أحاول أستعيد هدوئي، وكأن شيئًا لم يحدث. سامر بقي كما هو… هادئ، ثابت، لا يظهر أي رد فعل، وكأنه لم يلاحظ حتى ارتباكي، لكن اقسم انني رايت ابتسامة طفيفه على شفتيه. الصمت عاد يملأ المصعد من جديد، لكن هذه المرة كان مختلفًا… أثقل قليلًا، وأقرب من مجرد صدفة عابرة.مع انتهاء الحفل وهدوء المكان تدريجيًا، بدأ الضيوف بالمغادرة، وبقيت هتون للحظات قليلة قبل أن تستأذن هي الأخرى. وقفت قرب الجدة مرة أخيرة، وأمسكت يدها بلطف: “أرجو أن تكوني بخير دائمًا.” ابتسمت الجدة وربتت على يدها: “وأنتِ أيضًا… لا تغيبي طويلًا.” وودعت هاجر ومازن وبركت لهم . اكتفت هتون بابتسامة صغيرة، ثم التفتت نحو الحضور بإيماءة وداع عامة، دون أن تستثني أحدًا، وكأنها تغلق هذا اليوم بكل تفاصيله بهدوء. مرّت قرب سامر مرة أخيرة. توقف الزمن في تلك اللحظة لثوانٍ، لا حديث، لا نظرات طويلة، فقط لقاء عابر بين مسافتين. اكتفت هتون بإيماءة خفيفة جدًا، أقرب إلى التحية الرسمية، ثم واصلت طريقها دون أن تلتفت. هذه المرة لم يكن هناك ثقل… ولا انتظار… ولا محاولة لفهم ما لم يُقال. في الخارج، كان الهواء ليليًا هادئًا، والمدينة تمضي كعادتها بلا توقف. سارت هتون بخطوات ثابتة، تحمل في داخلها سكونًا مختلفًا عن بدايتها؛ ليس هروبًا، ولا ألمًا، بل فهمًا بسيطًا أن بعض الفصول لا تُعاد، بل تُغلق كما يجب. كانت قد عرفت طريقها، حتى لو لم يكن كله واضحًا بعد. وفي آخر مشهد… اختفت خطواتها تدريجي
بعد لحظات من الفوضى اللطيفة والضحك الذي لم تستطع كبحه، هدأت هتون قليلًا، لكنها ما لبثت أن انفجرت ضاحكة من جديد بكل صدق، كأنها تفرّغ عنها كل ما كان يثقل صدرها منذ أسابيع.جلست على مقعد خشبي قرب الحظيرة، تمسح دموع الضحك من عينيها، بينما العمة منيرة تنظر إليها بابتسامة دافئة، وقد بدا عليها السرور لرؤيتها بهذه الحالة.قالت هتون وهي تلتقط أنفاسها:“لم أكن أظن أنني سأضحك هكذا هنا… كدت أهرب من بقرة ودجاج في يوم واحد!”ضحكت العمة منيرة أيضًا، وربتت على كتفها:“هذه بداية جيدة، إذن أنتِ أصبحتِ واحدة منّا الآن.”مرّ الوقت سريعًا في ذلك اليوم بين حديث وضحك ومساعدة بسيطة لم تعد فيها هتون متوترة كما في البداية.وفي المساء، عندما اجتمع أهل القرية في مساحة صغيرة قرب الكوخ، جلست هتون بينهم بهدوء، تستمع أكثر مما تتكلم، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها.وقبل رحيل العمة منيرة، التفتت إليها هتون وقالت بصدق:“أريد أن أقول شيئًا… سأعود إلى المدينة بعد أيام قليلة، لكنني لن أعتبر هذه الزيارة الأخيرة.”توقفت قليلًا ثم أضافت:“لقد أحببت هذا المكان… الناس، البساطة، وحتى الفوضى التي فيه.”ابتسمت العمة منيرة وقالت:“ا
هتون كانت تحاول أن تبدو عادية، ترد على كلام الجدة بجمل قصيرة، وتجاري لين ب حديثها و طقتها وهي تتحدث عن كل م حدث معها بالمدرسه وتكتفي بالاستماع أكثر من المشاركة. لكنها كانت تشعر بثقل النظرات حولها، خصوصًا نظرة سامر التي كانت تأتيها ثم تنسحب وكأنها تبحث عن إجابة لا يريد طرحه.ساد صمت قصير بعد لحظات العشاء المتوترة، ثم تحركت هتون بهدوء، ورفعت نظرها إلى الجميع دفعة واحدة، دون أن تفرّق بين أحد وآخر.قالت بصوت هادئ وواضح:“أعتذر منكم جميعًا… طرأ أمرٌ ما ويجب أن أغادر الآن.”تبادل الحاضرون النظرات في صمت، بينما بقيت الجدة تراقبها بملامح تجمع بين الاستغراب وعدم الرضا عن استعجالها.اقتربت هتون أولًا من الجدة، وانحنت قليلًا احترامًا، ثم قالت بلطف:“أعتذر منكِ.”فأجابت الجدة بصوت خافت:“كنتِ ستبقين قليلًا على الأقل…”لكن هتون اكتفت بابتسامة مهذبة دون نقاش إضافي.ثم التفتت إلى البقية دفعة واحدة، واكتفت بإيماءة احترام عامة، دون الدخول في توديع مطوّل أو كلمات كثيرة.اقتربت من هاجر وودّعتها باختصار، وكذلك من ومازن، وكل منهما ردّ التحية بهدوء.ثم تحركت مباشرة نحو الباب.وعند مرورها قرب سامر، لم تتوقف
كانت الأيام تمضي، لكن الجوّ في الشركة لم يهدأ كما ينبغي. كلمات الأصدقاء لم تتوقف، ولم تعد مجرد تلميحات عابرة، بل صارت تُقال كلما سنحت الفرصة، وكأنها محاولة متعمّدة لدفع هتون إلى ردّة فعل. وهتون… كانت تصمت. لكن الصمت هذه المرة لم يكن كافيًا ليحميها من الداخل. في أحد الأيام، خرجت هتون من قاعة الاجتماعات بعد انتهاء يومٍ طويل. كانت تحمل بعض الملفات، وخطواتها أبطأ من المعتاد، وملامحها أقل تماسكًا. مرّت قرب مجموعة الأصدقاء.” ضحك مروان بخفة: “أحيانًا الإنسان يقترب من مكان ليس مكانه.” لم ترد هتون. لكن تلك الجملة الأخيرة كانت كفيلة بأن تُسقط ما تبقى من توازنها الداخلي. توقفت للحظة، قبضت على الملفات بقوة، ثم تابعت طريقها دون أن تنظر إليهم. خرجت إلى الممر الخارجي، ثم إلى الساحة الجانبية للمبنى. الهواء البارد اصطدم بوجهها، لكنها لم تشعر به. كانت الكلمات تدور في رأسها بلا توقف… “ليس مكانها…” خفضت نظرها، وشعرت أن صدرها يضيق أكثر من اللازم. حاولت أن تسيطر على نفسها، لكن شيئًا ما كان ينهار بصمت. في تلك اللحظة، كان سامر يخرج من جهة أخرى، وعيناه وقعتا عليها فورًا. لاحظ تغيّرها… خطواتها
امتدّت أجواءُ الفرح في أرجاءِ المكان، وازدادت دفئًا مع توافد العائلة والمقرّبين. كان كمال حاضرًا برفقة زوجته بسمة، وقد بدت على وجهها ابتسامةٌ هادئة تعبّر عن سعادتها، بينما كانت طفلتهما الصغيرة—هتون—تتشبّث بيده بين الحين والآخر، وعيناها تدوران في المكان بفضولٍ بريء. أمّا طفلهما الأصغر، فكان في أحضان والدته، يراقب الأضواء والحركة بدهشةٍ صامتة. اقترب كمال من هتون (الكبيرة)، وقال بودٍّ صادق: “أخيرًا نلتقي في مناسبةٍ سعيدة كهذه.” ابتسمت له، وانحنت قليلًا نحو الصغيرة: مرحبا هتون الصغيرة. اختبأت الطفلة خلف والدها بخجل، فضحك كمال بخفة: “ستعتاد عليكِ سريعًا…” في زاويةٍ أخرى، كانت الجدة قمر تجلس بهدوء، تُراقب المشهد بعينين تحملان حكمة السنين ورضًا عميقًا. إلى جانبها جلست لين، أكثر هدوءًا من المعتاد، لكنها بدت مطمئنة وسط هذا الجمع. قالت الجدة قمر بصوتٍ حانٍ: “الفرح حين يكون صادقًا… ينعكس على الجميع.” أومأت لين برأسها، وعيناها تتبعان تفاصيل الحفل، وكأنها تستوعب تلك اللحظات بطريقتها الخاصة. ولم تكن ريم بعيدة عن المشهد، إذ كانت تتنقّل بخفةٍ بين الحضور، تُساعد هنا وتُمازح هنا
في أحد المساءات، اقترح مازن أن يجتمع الفريق خارج العمل لتناول العشاء معًا، بعيدًا عن ضغط الشركة وأجوائها. كان المكان هادئًا ودافئًا، طاولة مستديرة جمعت هتون وسامر، ومازن وهاجر، وانضم إليهم لاحقًا كمال وزوجته بسمة. الأجواء في البداية كانت رسمية قليلًا، لكن مع الوقت بدأت الضحكات الخفيفة وكسر الجليد بين الجميع. قال كمال بابتسامة وهو ينظر حول الطاولة: “أخيرًا أراكم جميعًا في مكان واحد بعيدًا عن الملفات والاجتماعات.” ضحكت بسمة: “وهذه أول مرة أرى فيها سامر يبتسم خارج العمل.” نظر سامر بخفة: “ربما لأنني لست في اجتماع.” ابتسمت هتون بهدوء دون تعليق، لكنها كانت أكثر ارتياحًا من السابق. بعد قليل، تبادل مازن وهاجر نظرة قصيرة، ثم ساد صمت خفيف قبل أن يتكلم مازن لأول مرة بنبرة مختلفة قليلًا عن المعتاد. “بما أننا جميعًا مجتمعون… هناك خبر أردنا مشاركته.” نظرت إليه هاجر بابتسامة خفيفة، ثم قالت: “يبدو أنك ستسبقني بالكلام هذه المرة.” رفع مازن نظره للجميع وقال بهدوء واضح: “أنا وهاجر… مخطوبان، وسنتزوج قريبًا.” ساد صمت قصير في الطاولة، قبل أن تنفجر الابتسامات والتهاني. ابتسمت هتون بصدق: “م
. نظرت هتون لسامر بسرعة، لكن ملامحه لم تتغير. أكمل المسؤول: “إذا لم يتم التعديل خلال فترة قصيرة، سيتم تجميد المشروع.” همس خفيف بدأ بين الحضور، والتوتر ارتفع. هتون رفعت يدها وقالت: “تجميد المشروع؟ لكن التعديلات الأساسية جاهزة والعرض ناجح بالفعل.” لكن المسؤول رد: “القرار ليس داخلي فقط.” في ت
وقفت هتون للحظة، تنفّسها صار أثقل، وكأن كل اللي سمعته انضغط فجأة داخلها. رفعت عيونها على سامر وقالت بصوت واضح لكنه مليان توتر مكبوت: “أنالا أقبل هذا.” سكتت ثانية، ثم كملت بسرعة: “ولا أقبل إن حياتي المهنية تكون قرار منك، ولا إن مستقبلي ينرسم بدون علمي.” اقتربت خطوة، هذه المرة بثبات أكبر:
توقفت للحظة في الممر، وكأني انتبهت متأخرة لكلمتي.بسبب توتري، طلعت مني تلقائيًا:“مساء الخير…”ثم سكتّ بسرعة، وارتبكت أكثر لما أدركت إن المفروض أقول “تمسي على خير”.سامر كان قد خرج من المصعد، والتفت ناحيتي نظرة قصيرة جدًا، هادئة كعادته، بدون أي تعليق أو تغيير واضح في ملامحه.لحظة صمت مرّت، ثم اكتفى
حاولت ما أعطي الموضوع أكثر من حجمه، وقلت لنفسي إنه مجرد موقف عابر في يوم مزدحم. كملت أكلي بهدوء، وبعد ما خلصت، قمت من الطاولة وطلعت من المطعم. وقفت لحظة عند المدخل، أتنفّس وأحاول أرتّب أفكاري، لكن سرعان ما رجّعت تركيزي لحياتي الحقيقية: الثلاجة الفاضية والشقة الجديدة اللي تحتاج تتجهز. قررت أروح أش







