مشاركة

الفصل 4

مؤلف: Elira Moon
last update تاريخ النشر: 2026-04-10 04:13:00

لم تنم الطبيبة إيلينا سوى ساعات قليلة؛ فصورة الخيانة التي لاحقتها من الماضي، وبرودة القصر الذي يفتقر لأي دفء إنساني، جعلا من سريرها الوثير مكاناً للقلق لا للراحة. استيقظت في تمام الخامسة والنصف، وقررت أن تستعد لهذه "المواجهة" التي أطلق عليها أدريان اسماً مهنياً "جلسة علاجية". اختارت ملابسها بعناية؛ قميصاً حريرياً أبيضاً منساباً بياقة عالية، وبنطالاً أسوداً رسمياً، وشعرت بأن هندامها هو درعها الوحيد أمام هذا الرجل الذي يراقب حتى حركة الهواء في قصره.

في تمام الساعة السادسة إلا دقيقة واحدة، كانت تقف أمام باب مكتبه الضخم. نظرت إلى ساعتها، انتظرت حتى تحرك عقرب الثواني ليعلن تمام السادسة، ثم طرقت الباب ثلاث طرقات قوية ومنتظمة.

"ادخلي،" جاء صوته عميقاً ورخيماً، يحمل بحّة الصباح التي تزيد من جاذبيته القاتلة.

فتحت الباب لتجده في وضع لم تتوقعه. لم يكن جالساً خلف مكتبه، بل كان يمارس رياضة الضغط في منتصف الغرفة، مرتدياً ثياباً رياضية سوداء تلتصق بجسده الرياضي المتفوق، وتبرز عضلات ظهره التي كانت تتحرك بتناغم مخيف. كانت قطرات العرق تتساقط من جبينه، لكنه لم يبدُ متعباً؛ كان يعدّ بصوت خافت: "مائة وتسعة وتسعون.. مائتان."

نهض بخفة نمر، وتناول منشفة بيضاء كانت مطوية بدقة هندسية على طاولة جانبية. لم ينظر إليها مباشرة، بل توجه نحو جهاز تعقيم صغير، وضع يده تحته، ثم بدأ بمسح وجهه ورقبته.

"دقيقة واحدة للتأخير كانت ستكلفكِ الكثير،" قالها وهو يرمي المنشفة في سلة مخصصة، ثم التفت إليها. كانت عيناه في ضوء الفجر الخافت تبدوان أكثر حدة، وكأنها تطلق شرارات من الفولاذ.

ردت إيلينا ببرود وهي تفتح دفترها: "أنا لا أتأخر يا سيد فولتير، لكنني أيضاً لا أسمح لمريضي بأن يفرض عليّ طقوسه الخاصة خارج وقت الجلسة. والآن، بما أننا بدأنا، أريدك أن تجلس. أريد أن نتحدث عن "الرقم مائتين".. لماذا توقفت عنده بالضبط؟"

تجاهل سؤالها تماماً، واقترب منها ببطء، حتى شعرت بحرارة جسده المنبعثة من المجهود البدني. "قبل أن تتحدثي عن أرقامي، أخبريني.. هل غسلتِ يديكِ قبل دخولكِ لمكتبي؟ لقد لمستِ مقبض الباب، والمقبض لم يتم تعقيمه منذ ساعة."

ضحكت إيلينا بمرارة غير متوقعة: "هل تعتقد حقاً أن المشكلة في مقبض الباب؟ المشكلة يا أدريان هي في القبو الذي تبنيه داخل عقلك. أنت لا تخشى الجراثيم، أنت تخشى البشر.. تخشى أن يلمس أحدٌ حقيقتك فيلوثها بضعفه. والآن، لنعد لموضوعنا، أخبرني عن الحادث الذي قتل والديك."

تغيرت ملامحه في لحظة. اختفت الوسامة الباردة ليحل محلها قناع من القسوة المحضة. تحرك نحو مكتبه وجذب ملفاً جلدياً رفيعاً، ثم ألقاه أمامها على الطاولة بعنف جعل الأوراق تتناثر قليلاً.

"قبل أن تسألي عن ماضيّ، ألقِ نظرة على حاضركِ الذي ظننتِ أنه مدفون،" قالها بنبرة ساخرة.

فتحت إيلينا الملف لتشحب ملامحها تماماً. كانت هناك صور لها وهي تبكي أمام باب شقة "ليون"، تقارير بنكية عن حسابها الشخصي، وحتى رسائل نصية كانت قد حذفتها من هاتفها. كانت هناك تفاصيل عن "ليلى" وتحركاتها الأخيرة.

"كيف.. كيف حصلت على هذا؟ هذا انتهاك صارخ للخصوصية!" صرخت إيلينا، ويداها ترتجفان.

ابتسم أدريان ابتسامة باردة لم تصل لعينيه: "الخصوصية كلمة لا وجود لها في عالمي يا طبيبة. بمجرد أن وطئت قدماكِ زيورخ، اشترى فريقي الفنيّ الوصول إلى خوادم هاتفكِ، واشتريتُ ذمة حارس العقار الذي كنتِ تسكنين فيه. أنا لا أسمح لغريبة بدخول "عريني" دون أن أعرف حتى عدد المرات التي يرمش فيها جفنها. أعرف أن "ليون" كان يفضل نوعاً معيناً من العطر لا تضعينه، وأعرف أن صديقتكِ المقربة كانت تخونكِ منذ عام ونصف خلف ظهركِ بينما كنتِ أنتِ منشغلة بمداواة المرضى."

شعرت إيلينا بطعنة في كرامتها جعلتها تشعر بالدوار. "أنت وحش.. أنت تستخدم مرضك لتبرر قذارتك في التجسس على الناس."

في حركة مفاجئة وسريعة كالصاعقة، أمسك أدريان بمعصمها وضغط عليه بقوة جعلتها تتأوه. كانت أنفاسه لاهثة، وعيناه تشتعلان بنار غير مفهومة. "أنا لا أتجسس، أنا أحمي نظامي. أنتِ الآن هنا لأنني أعرف أنكِ "نقية" من حيث العلاقات السابقة؛ فـ "ليون" كان الأول، ومنذ لحظة خيانته لم يلمسكِ بشر. وهذا هو سبب وجودكِ هنا.. وسواسي يمنعني من إدخال أي كائن "ملوث" بذكريات رجل آخر إلى مساحتي الخاصة."

قرب معصمها من فمه، وهمس بصوت تقشعر له الأبدان: "أنتِ الآن في مملكتي. وهنا، أنا الرجل الأول، والأخير. سأجعلكِ تنسين اسمه، ليس لأنني أحبكِ، بل لأنني لا أقبل أن تحمل امرأة تسكن قصري ذرة تفكير في حثالة مثله. هذا هو وسواسي الحقيقي يا إيلينا.. التملك المطلق وتطهير ممتلكاتي من آثار الآخرين."

دفع يدها بعيداً عنه بقسوة، ثم عاد ليرتدي قميصه الأسود المنضبط وكأن شيئاً لم يكن. "انتهت جلسة اليوم. اذهبي وتناولِ إفطاركِ. السكرتير سيصحبكِ في جولة في الحديقة الخلفية.. هناك ستجدين سراً قد يعجبكِ، أو ربما سيزيدكِ رعباً مني."

خرجت إيلينا من المكتب وهي ترتجف، ليس خوفاً، بل من شدة الغضب والمهانة. لقد جردها من كل شيء في دقائق؛ ماضيها، كرامتها، وسرها الذي هربت به. توجهت نحو الحديقة، وكانت تتساءل: أي سر يخبئه هذا الطاغية خلف تلك الأشجار المشذبة بدقة هندسية؟ وهل ستستطيع الصمود في وجه رجل يرى البشر كملفات بيانات قابلة للاختراق؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 104

    في قلب المرتفعات الأندلسية، حيث تعانق الجدران الحجرية العتيقة لقصر "كاستيلو دي لا لوز" سحب المساء الضبابية، بدأ الصمت ينسج خيوطه فوق ساحة القصر التي شهدت تحولات كبرى. لم يعد "أدريان فولتير" ذلك "القيصر" الذي يرى العالم من خلال عدسات المراقبة الباردة، بل صار رجلاً يدرك أن الحصون الحقيقية لا تُبنى من الفولاذ أو البرمجيات المعقدة، بل من نبضات القلوب التي اختارت الولاء له في أصعب الظروف. وبينما كان "إلياس" غارقاً في تحديث شيفرات عملية "الشبح الرقمي" لتأمين وجودهم في إسبانيا بعيداً عن أعين المنظومة الدولية، كانت هناك عواصف من نوع آخر تختمر في الأفق؛ عواصف لا تحمل نذر الدمار، بل بذور مستقبل لم يجرؤ أحد منهم على الحلم به وسط أزيز الرصاص في القطب الشمالي.في إحدى الزوايا الهادئة من شرفة القصر المطلة على غابات البلوط الشاسعة، كانت "جانا" تقف متأملة الأفق، وقد بدت ملامحها الحادة التي صقلتها سنوات القنص أكثر ليونة تحت ضوء القمر الفضي. اقترب منها "ماركوس" بخطواته الثقيلة المعتادة، وهو يمسح العرق عن جبينه بعد جولة تفقدية للمحيط الأمني، ليجدها في حالة من السكون غير المعتاد. وضع يده على كتفها، وشعر

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 103

    بعد مرور عدة أسابيع على تلك الليلة، لم يعد "حصن الصقيع" مجرد قاعدة عسكرية، بل تحول إلى نقطة انطلاق لعملية "الشبح الرقمي" التي خطط لها "أدريان فولتير". ومع اشتداد الضغوط الدولية وتزايد محاولات الاختراق، اتخذ "أدريان" قراره النهائي بنقل مركز الثقل إلى مكان لا يتوقعه أحد، بعيداً عن برودة القطب الشمالي وجفاء الأنظمة التكنولوجية البحتة. اختار إسبانيا، وتحديداً المرتفعات الوعرة في أندلوسيا، حيث تمتزج الحداثة بالتاريخ في قصور حجرية قديمة صمدت لقرون.دخل "أدريان فولتير" إلى مكتبه الجديد في القصر الإسباني "كاستيلو دي لا لوز". كانت الجدران الحجرية العتيقة توفر عزلاً طبيعياً ومثالياً للأجهزة الحساسة التي زرعها "إلياس" في الطوابق السفلية. جلس "أدريان" يراقب الخريطة الرقمية لإسبانيا، مدركاً أن التحرك في المجتمع المخملي في مدريد يتطلب نوعاً مختلفاً من الأسلحة؛ هنا لا تُطلق الرصاصات، بل تُهمس الكلمات في الحفلات التنكرية وتُعقد الصفقات خلف أبواب مغلقة.طرق "إلياس" الباب، وكان يبدو أكثر حيوية مما كان عليه في القطب الشمالي. "أدريان، لقد انتهيت من إعداد الهويات المزيفة بالكامل. سنتحرك في إسبانيا كمجموعة

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 102

    بعد هدوء العاصفة وتوقف أزيز الرصاص، وقف "أدريان فولتير" أمام النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على الأفق الجليدي، حيث كانت بقايا الآلات المحطمة ترسم لوحة من الدمار السريالي فوق بياض القطب الشمالي. لم تكن ملامحه تحمل نشوة النصر بقدر ما كانت تحمل ثقل المسؤولية؛ فاليوم لم ينجُ الحصن بفضل تكنولوجيا المراقبة التي يفتخر بها، بل بفضل دماء رفاقه التي كادت أن تراق."لم يسبق لي أن رأيتك بهذا الهدوء بعد معركة، يا أدريان،" قال "ماركوس" وهو يدخل القاعة، ملقياً بمعطفه العسكري الثقيل فوق أحد المقاعد الجلدية، بينما كانت "إيلينا" تتبعه بلفافات شاش نظيفة.التفت "أدريان فولتير" نحو صديق طفولته، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة حملت الكثير من التقدير. "لقد أعدت صياغة مفهوم القوة في ذهني اليوم يا ماركوس. كنت أظن أن 'حصن الصقيع' هو ذروة إنجازاتي، لكنني اكتشفت أن وجودكم فيه هو الإنجاز الوحيد الذي يستحق الحماية".في الزاوية الأخرى من القاعة، كان "إلياس" لا يزال يصارع خيبته من خيانة "نور"، لكنه بدأ يشعر بنوع من الرضا وهو يرى الأنظمة تعود للعمل تحت سيطرته الكاملة. "أدريان، لقد حللت شفرة الهجوم الأخيرة. لم تكن مجر

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 101

    أجاب "إلياس" وهو يضبط ترددات معقدة: "أحاول يا سيدي، لكنهم يستخدمون تشفيراً لم أره من قبل.. إنه تشفير حيوي، وكأن الأوامر تصدر من عقل بشري متصل مباشرة بالشبكة. 'نور' لم تكن مجرد مبرمجة، لقد كانت جزءاً من مشروع أكبر بكثير."​فجأة، اهتز الحصن بضربة لم تكن من قذيفة، بل كانت نبضة صوتية مروعة جعلت الجميع يضعون أيديهم على آذانهم. "أدريان" تماسك وهو ينظر إلى "ماركوس": "لقد وصلوا. ماركوس، خذ 'جانا' واستخدم الأنفاق السفلية لتلتف خلفهم. لا أريد مواجهة جبهوية في هذا الطقس."​"جانا" تحركت بسرعة البرق وهي تعيد تلقيم قناصتها. "سأكون عينيك في العاصفة يا ماركوس. اذهب أنت للمواجهة المباشرة، وسأحصد رؤوس قادتهم قبل أن يدركوا من أين تأتيهم الرصاصات."​خرج "ماركوس" و "جانا" إلى جحيم البرد والبارود، بينما ظل "أدريان" واقفاً وسط غرفة العمليات، يشعر بأن هذه المعركة هي الاختبار الأخير لولاء هذه "العائلة" التي بناها من حطام عالمه القديم.​"أدريان،" همست "إيلينا" وهي تقف بجانبه، "أنت لا تقاتل وحدك اليوم. انظر إليهم.. إنهم لا يقاتلون من أجل أدريان فولتير، بل يقاتلون من أجل أخيهم."​ابتسم "أدريان" لأول مرة وسط الفو

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 100

    بينما كان "أدريان" يحاول استيعاب دفء اللحظة الإنسانية التي جمعته برفاقه، اخترق صوت إنذار "المستوى الأحمر" صمت الحصن. الشاشات التي كانت تعرض شروق الشمس، تحولت فجأة إلى اللون القرمزي، كاشفة عن أسطول من الطائرات المسيرة (Drones) التي مجهولة الهوية التي بدأت باختراق الغلاف الجوي فوق "حصن الصقيع". أدريان: تحولت عيناه إلى برود الجليد المحيط به، وصرخ بلهجة آمرة: "إلياس! ارفع الحواجز الكهرومغناطيسية فوراً. لا أريد جسماً غريباً واحداً يقترب من محيطنا الحيوي". إلياس: قفز إلى مقعده، وأصابعه تتحرك بسرعة البرق على لوحة المفاتيح التي تعهد "أدريان" سابقاً بتعقيمها بماء الذهب. "أدريان، الهجوم ليس عسكرياً فقط، إنه هجوم سيبراني معقد.. 'نور' تركت ثغرة خلفية لم نكتشفها، إنهم يحاولون تجميد أنظمة التدفئة المركزية لقتلنا برداً!".في مهبط الطائرات السفلي، كان "ماركوس" يرتدي درعه القتالي الأسود، بينما كانت "جانا" تتفقد سلاح القنص الليزري الخاص بها. لم تكن هناك حاجة لتبادل الكلمات؛ فنظرة واحدة بينهما كانت كافية لنقل مشاعر ليلتهما الماضية وتحويلها إلى طاقة قتالية مدمرة. ماركوس: "جانا، خذي المركز الشمالي، لا

  • طبيبة المريض النفسى   الفصل 99

    استمر السكون في "حصن الصقيع"، لكنه لم يكن سكوناً ثقيلاً كالمعتاد، بل كان أشبه بهدوء الطبيعة بعد عاصفة هوجاء تركت الأرض نقية. في غرفة العمليات، ظل "أدريان" جالساً بجوار "إلياس"، الذي بدأت أنفاسه تهدأ تدريجياً بعد تلك اللحظة الإنسانية الفارقة. كان "أدريان" يتأمل صديقه، ويدرك لأول مرة أن القوة التي بناها لا قيمة لها إذا تحول من حوله إلى مجرد آلات محطمة."تعلم يا إلياس،" بدأ أدريان بصوت هادئ ومنخفض، "لطالما ظننت أن عدوي الأكبر هو الميكروبات والقذارة التي قد تلمس جلدي. لكنني اكتشفت أن القذارة الحقيقية هي التي تلمس الروح وتتركها مشوهة. 'نور' لم تكن مجرد خديعة، كانت درساً قاسياً في أن القلوب لا تُبرمج."رفع "إلياس" نظره، وكان المسح لآثار الدموع قد ترك عينيه بلمعة انكسار بدأت تتحول إلى امتنان. "شكراً يا أدريان.. لم أكن أتوقع أنك.." توقف عن الكلام وكأن الكلمات تعجز عن وصف دهشته من احتضان "أدريان" له.ابتسم "أدريان" برقة لم يعهدها أحد فيه إلا "إيلينا". "لا تشكرني. نحن هنا لأننا نثق ببعضنا. لقد أثبتّ الليلة أنك السند الحقيقي، ليس كسكرتير ينفذ الأوامر، بل كأخ يحمي ظهر أخيه. ماركوس وأنا لن نسمح له

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status