Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثانى والثلاثون

Share

البارت الثانى والثلاثون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-31 09:18:46

تبتسم ليلى وهي تُغلق سحاب حقيبتها الجلدية ببطءٍ مقصود، وئيد، يُحدث رنينًا معدنيًا هادئًا في أركان الغرفة. كانت تلك الابتسامة الواثقة تطفو فوق شفتيها بنعومة، ابهةٌ لا تُشبه الفرح بقدر ما تُشبه الطمأنينة الباردة والمطلقة لمن يعرف تفاصيل طريقه ومآلاته جيدًا. رفعت رأسها ببطء نحو صديقتها سلمى، وشخصت نحوها بنظرة كحيلة لا تحتمل الشك أو التراجع، وقالت بلهجة ملساء حاسمة

- طبعًا يا بنتي… أمال إنتِ فاكرة إيه؟ فاكراني بلعب ولا هضيع خطتي عشان قال ايه خايفه

كانت سلمى تجلس قبالتها على المقعد، أصابع يديها متشابكة بضغطٍ شديد، وعيناها الزائغتان لا تكفان عن الطواف في أرجاء المكان تعبيرًا عن توتر جارف. بدا عليها الانزعاج واضحًا كوشمٍ على ملامحها، كأن صدرها بات أضيق من أن يحتمل كل تلك الأسرار الخفية التي تعرفها، ولا تملك في نفس الوقت القوة لمنع عواقبها الوخيمة. تنحنحت سلمى وقالت بصوتٍ مخنوق غلفه الخوف

- أنا خايفة عليكي يا ليلى، والله خايفة... الناس دول طبعهم غريب وشكلهم مش ساهلين أبدًا.. وحماتك بالذات، الست فاطمة دي مش هتعدّي اللي حصل مع ابنها والبوابة الحديد على خير، دي غول وجواها غل يكفي بلد.... حما اصيلة من بتاعت زمان

انطلقت من بين شفتي ليلى ضحكة قصيرة، خفيفة وساخرة، كأنها تُزيح بضربة من أصبعها ذبابة مزعجة حطت فوق ثوبها. لم يكن في تلك الضحكة أي استهزاء بمشاعر سلمى الصادقة، بل كانت نابعة من ثقة جارحة، ثقة فولاذية تميز امرأة جربت اللعبة في فصولها الأولى ونجحت في هزيمة خصمها بامتياز. مالت ليلى برأسها قليلًا وقالت ببرود يقشعر له البدن

- وأنا معاها للآخر، ومش ههدا إلا لما أكسر مناخيرها دي خالص... بالعكس يا سلمى، الست دي غبية، وكل ما تعمل مشاكل وحوارات بتساعدني أكتر وتسرّع الخطة.. هي بتفكر بغشمها إنها بتحاصرني وبتضيق عليا، وهي مش واخدة بالها إنها مع كل خناقة بتفتحلي سكة جديدة وبتقرّبني من اللي أنا عاوزاه.

نهضت ليلى من مجلسها بخفة ورشاقة تامة، التقطت مفاتيح شقتها وهاتفها من فوق الطاولة، ومررت يدها بنعومة على خصلات شعرها الفاحم المنسدل في حركة لا إرادية تنم عن غرور أنثوي مفرط، ثم بدأت تجمع أشياءها المبعثرة وكأنها تُنهي فصلًا كاملًا من حياتها لا نية لها للعودة إليه أبدًا. كان كل تفصيل يحيط بحركاتها الثابتة يشهد أنها تدرس خطواتها بميزان ذهب، وأنها امرأة داهية لا تترك ثغرة واحدة للمصادفة أو الحظ.

تابعت ليلى وهي تعدل وضع حزام حقيبتها

- أنا هنزل بقى دلوقتى، هروح أجيب الواد يزن من عند ماما وأطلع على الشقة.. متنسيش بقى الموضوع اللي اتفقنا عليه، التحاليل والأشعة الطبية لازم تكون جاهزة متنسيش

هزّت سلمى رأسها ببطء شديد، وعجز واحتياط واضح يرتسم في عينيها المستسلمتين لقدر صديقتها، وقالت بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع من فرط القلق

- لسه مصمّمة يا ليلى؟ لسه برده اللى فى دماغك

توقفت ليلى عن الحركة فجأة، وتصلب جسدها لثانية واحدة قبل أن تلتفت نحو صديقتها ببطء شديد، ونظرتها هذه المرة كانت مختلفة تمامًا عن الدلال السابق؛ كانت نظرة حادة، ثاقبة، ومثبتة كالنصل، نظرة امرأة لم تعد تبذل جهدًا لإقناع أحد، لأنها ببساطة تجاوزت مرحلة الحاجة إلى الإقناع أو طلب المشورة. قالت وعيناها تلمعان ببريق خطير

- آه طبعًا مصممة.. ومفيش خطوة لورا.. ومتنسيش أنتِ بس اللي قولتلك عليه.

ثم ارتدت حقيبتها على كتفها بحزم، واقتربت من الباب الخشبي بخطوات سريعة، وقبل أن تفتح المقبض وتغادر، التفتت بنصف وجه وأضافت بنبرة خفيفة، ناعمة، لكنها تخفي خلفها استعجالًا محسوبًا بدقة لدعم مسرحيتها اليومية

- يلا سلام يا حبيبتي.. ألحق أروح وأكون في البيت وأجهز نفسي قبل ما أيموني يرجع من الشغل ويلاقيني برا.

أُغلق الباب خلفها بصرير هادئ، وبقيت سلمى وحدها في فراغ المكان، تتنفس الصعداء وتشعر بقلبها ينبض بالخوف؛ فقد أدركت أن ليلى لا تمضي فقط إلى بيتها وزوجها، بل تمضي بخطى واثقة وعميقة في دهاليز لعبة جهنمية معقدة، لعبة باتت معالمها مخيفة للغاية، ولا أحد يعرف إن كانت نهايتها ستؤول إلى نجاة وانتصار... أم إلى احتراق ورماد يتطاير فوق رؤوس الجميع.

✨✨✨✨✨✨✨✨

كانت هذه العاصفة التي تضرب بيت أيمن تدور في فلكٍ مغلق، لكن شظاياها غير المرئية كانت تمتد لتصيب قلوبًا أخرى في مكانٍ آخر... قلوبًا ظنت أن القصة انتهت، بينما جرحها لا يزال ينزف في صمت.

في بيت عائلة أمجد، كان السكون يخيم على الأرجاء، سكون ثقيل لا يشبه الراحة في شيء، بل يشبه ركود الموت. خلف الباب المغلق لغرفته، كان أمجد يعيش غيابًا كاملاً عن العالم منذ اليوم الذي زُفت فيه ليلى لغيره.

وقفت منار، شقيقته، في الممر الضيق المؤدي إلى غرفته، تحمل في يدها كوبًا من الشاي الساخن الذي تعودت أن تفرغه كل ليلة دون أن يلمسه. أسندت رأسها إلى جدار الممر البارد، وتنهدت بحزنٍ ممتد نهش أطراف روحها. كان قلبها يعتصر ألمًا وهي تراقب الانطفاء التدريجي لأخيها، بطلها، والسند الذي كان يملأ البيت ضحكًا وحياة.

مررت يدها على وجهها لتجفف دمعةً عنيدة هربت من عينيها، وهمست بنبرة مخنوقة

- حرام عليك نفسك يا أمجد... كل ده عشانها؟ وهي عايشة حياتها ولا فارق معاها

طرقت الباب بخفة، لم تنتظر ردًا، ولن تجده. فتحت الباب ببطء، فانساب ضوء الممر الضئيل ليشق عتمة الغرفة الكثيفة. كان أمجد مستلقيًا على سريره، بذات الثياب التي يرتديها منذ يومين، عيناه مثبتتان على السقف الخرساني بنظرة فارغة، شاردة، كأنه جسد بلا روح. لم يلتفت إليها، ولم يرمش حتى، وكأن حركة الكون حوله قد توقفت تمامًا عند لحظة زواج ليلى.

أقفلت الغرفة عليه نوافذها، وامتصت رائحة الانعزال السجائر التي يشعلها الواحدة تلو الأخرى، لينفث دخانها كأنه يخرج زفرات قلبه المحترق. تحول من ذلك الشاب الطموح، قوي البنية، هائل الحضور، إلى خيال رجل، شبح يتغذى على ذكريات امرأة مضت في طريقها ولم تلتفت وراءها.

اقتربت منار بخطى واجفة، وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة المجاورة له، ثم جلست على حافة الفراش. مدت يدها المرتجفة ولمست كتفه برفق، في محاولة بائسة لانتشاله من غياهب هذا الجب المظلم. انحنت عليه وقالت بصوتٍ تقطع من فرط الشجن

- عشان خاطري يا أمجد.. كلمني. زعق، اصرخ، اكسر أي حاجة... بس متعملش في نفسك وفيا كده. البيت من غير صوتك ضلمة، وأمي هيموتها القهر عليك.

تحركت ملامح أمجد قليلًا، والتفت نحوها ببطء كأن رأسه يزن جبلًا. نظر إلى عيني شقيقته الدامعتين، ولم يرى فيهما سوى انعكاس لعجزه. ابتلع ريقه المرير، وخرج صوته مبحوحًا، جافًا، ومحطمًا من عمق جرحه

- مش بإيدي يا منار... مش بإيدي. الدنيا برة ملهاش طعم، حاسس انى مخنوق مش قادر أتنفس..... ليلى مخدتش دنيتي وبس... دي خدت روحي معاها.

عادت عيناه لتشرد في الفراغ، بينما انقبض قلب منار بقسوة. كانت تعرف دائمًا أن حب أخاها لليلى لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان أشبه بالعقيدة التي يقتات عليها قلبه. والآن، بعد أن أغلقت ليلى الباب خلفها لتفتح لأيمن جنتها الخاصة، بقي أمجد هنا، عالقًا في الجحيم، يدفع ضريبة حبٍّ من طرف واحد، بينما شقيقته تتجرع معه مرارة العجز والحزن، متسائلة إن كان هذا الانطفاء سيجد له يوماً نهاية، أم أنه الاحتراق الكامل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثانى والخمسون

    يا بنتي هو السحر ده بالساهل؟ دا أنا عشان أوصل للقمة دي وأخليه يمضي على بياض، خدت علقة موت من أخته لسه معلمة ومزرّقة جسمي كله.. بس كله بثمنه، والشقة بقت تمليك وبإسمي لمحت سلمى خيال والدتها يقترب، فمالت نحو ليلى بسرعة ودحرجت عينيها حذرًا - اخرسي بقى واقطعي السيرة.. أمّك هتاخد بالها في تلك اللحظة عادت والدة سلمى وهي تحمل مفاتيح المعاينة، فاستقامت ليلى في وقفتها متمثلة الأدب والوجع، ورافقت السيدة في صمت مطبق باتجاه الطابق العلوي. كانت ليلى تخطو فوق درجات السلم بثباتٍ طاغٍ، وكأن كل خطوة يطأها حذاؤها تقربها أكثر فأكثر من غايتها في سحق عائلة فاطمة. ✨✨✨✨✨✨✨ في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الشقة الكالحة، تفتح فاطمة وسمر الباب بعد عودتهما من جولة مضنية عند مكاتب المحامين. سبق دخولهما صرير حاد، موحش للباب الخشبي، كأنه نذير يعلن عن ثِقلٍ جديد وهمّ جاثم دخل البيت. ما إن أغلقته فاطمة ودفعت الترباس بعنف خلفها، حتى ألقت سمر بجسدها المنهك فوق الأريكة بتثاقل؛ كانت أنفاسها المتلاحقة تتناثر في الفراغ كالمحترقة، ومدت قدميها المتورمتين بلا وعي، كمن خاضت للتو معركة حاسمة وخرجت منها مجرورة بأذي

  • ظل بارد    البارت الحادى والخمسون

    بعد فصول تلك الليلة المخملية، وفي غمرة لحظتهما الرومانسية التي جاهدت ليلى بكل ما تملك من دلالٍ وأنوثة طاغية أن تجعلها مُرضية لأيمن ومُذيبة لآخر حصون عقله، استكانت بين أحضانه كقطة وادعة. استرسلت بأنفاسٍ هادئة، منتظمة، دافئة فوق صدره العاري، قبل أن ترفع وجهها الكحيل وتهمس برقة تقطر عسلًا مسمومًا - بقولك إيه يا حبيبي… يا نور عيني… طبع أيمن قبلة رضا وشغف طويل على جبينها، وخرج صوته دافئاً، مأخوذاً بسحرها – إيه يا قلب وروح أيمن من جوة؟ تمنى وأنا أنفذ. ابتسمت ليلى ابتسامة ساحرة، ومالت لتطبع قبلة خفيفة، مموهة على وجنته، ثم قالت بنعومةٍ مقصودة، مغلفة بالحذر والخوف المصطنع – اشترِي الشقة التمليك الجديدة دي بإسمي أنا… أنا خايفة من أمك بصراحة يا أيمن، وقلبي مش مطمن. إنت طيب ونيتك صافية، وشايف بنفسك الحية بنتها ممكن يأثروا عليك في أي وقت بكلمتين ودموع تماسيح ويخلوك تبيعها، عشان يعني يقولوا لك الفلوس دي ورثنا ولينا حق فيها هي وسمر… تضعف إنت قدامهم بحنيتك دى، ونرجع إحنا تاني لدوامة الهم والنكد شرد أيمن قليلًا في عتمة الغرفة، وكأن الفكرة الثقيلة قد وقعت على رأسه بغتة لتكشف عن وهد سحيق، قبل أن

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status