Masukعاد أيمن من عمله المتعب في موعدٍ اعتاد فيه تاريخيًا أن تسبقه والدته فاطمة إلى ممرات البناية؛ لا بخطواتها الثقيلة فحسب، بل بجلبة صوتها الأجش وقذائف كلماتها الجارحة السامة التي بات يحفظها في دهاليز عقله عن ظهر قلب. لكن في هذا المساء الكالح، لم يكن هناك أي شيء مألوف. لا صياح يمزق السكون، لا تأفف يملأ الفضاء، ولا شكوى كيدية تنتظره متعطشة عند عتبة الباب الخارجي. سكونٌ غريب، مريب وثقيل، تمدّد في أركان المكان كأنه ضباب أسود؛ سكونٌ بدا لقلبه أثقل وأخطر من أي شجار عاصف اعتاده في حياته معها.
توقّف أيمن لثوانٍ واجمة، وحدّق في خشونة الباب المغلق كأنه ينتظر معجزة أن يفتح وحده بصرير، ثم حرّك رأسه يمنة ويسرة محاولاً طرد الهواجس، ومطمئنًا نفسه بفكرةٍ سريعة قذفها عقله لا بد أنها عند سمر في الطابق السفلي، تساعدها في تنظيف وتوضيب الشقة كعادتها استعداداً لخطوات خالد. صعد الدرج على مهل، يجر في مفاصل جسده المنهك إرهاق يومٍ طويل من العمل الشاق، حتى استوقفته بقعة داكنة، لزجة، رابضة بقسوة على إحدى الدرجات الإسمنتية. انحنى بجسده قليلًا، وضاقت حدقتاه وهو يدقّق النظر، ثم عقد حاجبيه في ذعر صامت..... دم! ارتدّ بجسده إلى الخلف بخفة مباغتة، وانفلتت منه ضحكة عصبية قصيرة، جوفاء، خرجت بلا وعي من حنجرته؛ كأنها محاولة يائسة وفاشلة من عقله الباطن لطرد طيوف القلق والترقب التي بدأت تنهش صدره. تمتم بصوت خافت وهو يواصل الصعود بخطوات متثاقلة - أكيد أمي دبحت حاجة فوق في الشقة، وبالعند في ليلى غرّقت السلم دم... حركات جرّ شكل ونكد وخلاص عشان تضايق فيها حاول مستميتًا أن يقنع نفسه بهذه الرواية الهشة، لكن قلبه لم يطاوعه أبداً؛ إذ بدأت بقع الدم القانية تتكرر بتتابع مرعب؛ نقطة دافئة هنا، وأثر مسحٍ عشوائي هناك، وكل درجة سلم يطأها بعدها كانت تبدو لروحه أثقل وأكثر شؤماً من سابقتها. وصل أخيراً أمام باب شقته، ومدّ يده الباردة إلى المقبض المعدني بتردّد وخوف لم يعرفهما طوال دنيته. فتح الباب ببطء، فتوقّف الزمن عن الدوران للحظة خاطفة؛ كانت بقع الدم تغزو عقر دار الداخل أيضًا، متناثرة على الأرضية بغير نظام، ومرشوشة قرب الحائط البارد كأنها آثار حركةٍ مضطربة وعراك عنيف دار في العتمة. رائحة معدنية، زفرة وخانقة ملأت خياشيمه في ثانية؛ رائحة الموت والدم التي لا تخطئها الحواس ولا تفلح في تخفيف حدتها كل الأعذار والترقيعات النفسية. اندفع أيمن إلى عمق الشقة كالذبيح، ينادي اسمها بصوتٍ مبحوح، هائج: "ليلى! ليلى!"، واسمه يخرج من فمه متكسّرًا، مشوهًا لا يشبه صوته الحقيقي، وراح يدور في أرجاء المكان كالمجنون؛ يفتح أبواب الغرف واحدة تلو الأخرى بعنف، فلا يجد في مواجهته سوى الفراغ الموحش والصمت الخانق. عند عتبة غرفة النوم، تسمر في مكانه فجأة، وكأن قدميه قد سُمِّرتا بمسامير حديدية في الأرض. كانت ملابس ليلى ملقاة بإهمال صارخ قرب حافة السرير؛ منامتها الحريرية الرقيقة التي رآها تتثنى بها دلالاً صباحاً وتثير رغبته، لكنها الآن كانت غارقة، ملطخة بالدماء القانية، لونها الزاهي تحول إلى قتامة منفرة، وملمسها الرطب صار شاهدًا صامتًا وفادحاً على جريمة أو مصيبة وقعت هنا. لم يجرؤ على مد يده للمس الحرير؛ اكتفى بالنظر بجنون، وعيناه تتسعان بذهول مرعوب، ونَفَسه يضيق في صدره، بينما هبط قلبه دفعة واحدة إلى قاع سحيق. جلس على حافة الفراش ببطء ووهن كأنه عوزة، رأسه يدور في حلقة مفرغة، وصوت أفكاره يتلاشى ليحل محله الأزيز. في تلك اللحظة القاتلة فقط، أدرك أيمن أن ما حدث لم يكن مجرد شجار عابر بين سلف وضرة، ولا استفزازًا نسائيًا معتاداً من والدته وأخته، بل هو شيءٌ أكبر بكثير، شيءٌ وحشي كسر هذا البيت من جذوره، وتركه واقفًا مذهولاً وحده أمام فراغٍ مرعب لا يعرف كيف أو من أين يبدأ في مواجهته وتفكيك طلاسمه. مرّت الساعات التالية ثقيلة، متثاقلة، كأن عقارب الساعة تتعمّد أن تعذّب الأجساد الواقفة في الصالة. لم يكن أيمن وحده من ينهشه القلق المبرح، بل امتدّ الفزع ليعصف بكيان الحاج محمد وسعاد بعد أن جرى استدعاؤهما على عجل، فتحوّل البيت إلى ما يشبه خلية بحثٍ يائسة، مرعوبة عن ليلى والصغير يزن؛ اختفاءٌ غامض ومرعب يزداد قتامة ورعبًا كلما تذكّروا تلك القطرات الساخنة من الدم التي صبغت ملابس الحرير والسلم، ولم يجدوا لها أي تفسير منطقي. كانت سعاد تدور في صالة الشقة كروحٍ ضائعة هائمة في ملكوت حزنها، ترفع يديها المرتعشتين إلى السماء بالدعاء، وتعود فتهوي بهما بلطمات موجعة على صدرها، تبكي بلا صوت تارة، وبنشيجٍ مكتوم وممزق تارة أخرى، فيما كان محمد يحاول بكل ما أوتي من هيبة شائبة أن يبدو ثابتًا ومتماسكًا أمام صهره، لكن بريق عينيه الزائغتين كان يفضح خوف أبٍ مطحون يشعر في أعماقه بأن شيئاً فادحاً وغالياً قد سُرق من شغاف قلبه. والشيء الغريب والمريب الذي ساد وسط هذا الجنون المطبق، أن أيمن، في غمرة بحثه المحموم وهلعه، لم يخطر بباله لمرة واحدة أن يسأل عن مكان والدته فاطمة أو شقيقته سمر. لم يبحث عن أثر للعجوز، لم يسأل أين هي أو ماذا فعلت، وكأن عقله الباطن أو قلبه المكلوم بالحب قد قرر إقصاءها تمامًا من المشهد، حماية لنفسه من حقيقة سوداء قد تدمر ما بقي من عقله. الحقيقة الأوضح والمرة، أنه لم يرها أصلًا منذ أن وطئت قدماه عتبة الدار ووجد الدم والصمت المطمور؛ غابت فاطمة وغابت سمر عن الصورة تماماً كما غابت ليلى، لكن الغياب الأول لم يكن يوجعه أو يعني له شيئاً بقدر ما كان ينهش روحه الغياب الثاني لملهمته وحاملة جنينه. كان كل ما يدور في جمجمته سؤال واحد عنيد يتكرر بإلحاح مسعور ومؤلم - ليلى فين؟ ويزن فين؟ بعد ساعاتٍ طوال من البحث العقيم في المستشفيات القريبة وأقسام الشرطة، ومن بكاء سعاد المرير الذي أنهك قواها تماماً حتى بدت في عيونهم أصغر من عمرها الحقيقي بعقود، رنّ هاتف أيمن فجأة بنغمة حادة اخترقت الصمت. تجمّد جسده في مكانه كأن صاعقة ضربته حين رأى الاسم المكتوب على الشاشة المضيئة. إنه رقم ليلى! للحظة خاطفة شكّ في سلامة عينيه، ثم خطف الهاتف بضربة واحدة من يده المرتعشة، وضغط زر الإجابة كغريق يتمسّك بأطراف طوق نجاة أخير - أيوه يا ليلى... إنتي فين؟... ردّي عليا يا حبيبتي لو سمعاني صوته خرج من حنجرته مبحوحًا، مشدودًا، ومتلهفاً كأن كل عضلة وعرق في جسده قد شُدوا بحبال متينة بانتظار نبرة صوتها. في تلك اللحظة الفارقة، انتبه الحاج محمد وسعاد إلى التغيّر المفاجئ في ملامحه وانعقاد حاجبيه، فاقتربا منه بسرعة لاهثة، ولهفتهما تسبق خطواتهما، وعيناهما معلّقتان بوجهه المخطوف كأنهما تحاولان قراءة تفاصيل الخبر المرير قبل أن ينطق به لسانه. صمت أيمن للحظات طالت كهروب العمر، استمع جيدا للطرف الآخر، فتغيّرت قسمات وجهه فجأة من اللهفة إلى الجمود والوجل، ثم قال بنبرة مختلفة تماماً؛ حذرة، متخوفة ومتحفّظة - إنتي مين؟... طب فين ليلى؟ ليلى جرالها إيه؟ توقّف قليلًا يبتلع ريقه مستمعاً للرد السريع، ثم أضاف بهستيرية وعجلة - ماشي... أنا جاي حالًا... مسافة السكة وأكون عندك... حاضر... خلي بس التليفون معاكي ومتقفليهوش عشان أكلمك لما أوصل تحت المستشفى أغلق الهاتف بعجلة بالغة، ولم يمنح نفسه ولا لعمّه محمد أو حماته فرصة لطرح أي سؤال أو استفسار. التفت إلى الحاج محمد وهو يلتقط مفاتيح سيارته بنفضة قوية ويركض نحو الباب الخارجي كالمقذوف، وصوته يخرج حاسمًا، قاطعاً لا يحتمل أي نقاش أو مراجعة - خليك هنا يا عم محمد مع خالتي سعاد ومتتحركوش... أنا هروح أجيبهم وآجي على طول لم ينتظر سماع ردّ منهما. اندفع خارج عتبة البيت يلتهم درجات السلم نزولاً، وقلبه المذعور يسبق قدميه في الهرب، يحمل في أعماقه تائهًا خليطًا مرعبًا ومدمراً من الأمل الهش والخوف العنيف. أملٌ ضعيف ومحتضر لأن الهاتف المغلق رنّ أخيرًا وتلقى إشارة حياة، وخوفٌ أعنف وأشرس ينهش أحشاءه لأن الصوت الأنثوي الذي أجابه لم يكن صوت ليلى الناعم قط، ولأن كل الشواهد والمقدمات وبقع الدم التي سبقت هذه اللحظة، كانت تنذر بيقين أسود بأن القادم لن يكون سهلاً بأي حال، وأن الحقيقة العارية التي تنتظره في الخارج وفي ممرات المستشفى... قد تكون أثقل بكثير من أن تُحتمل أو ينجو من تبعاتها رجلكان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف
يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق
كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق







