LOGINقطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ
كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى
اهتز قلب ليلى بعنف داخل ضلوعها، وشعرت بحرارةٍ لاهبة تملأ وجهها وعنقها. مد يده الكبيرة الواثقة وأمسك كفها الصغيرة برفقٍ، ثم تغلغلت أصابعه بين أصابعها في تشابكٍ حميمي وثيق، كأنها قطعة من بلورٍ ثمين ونادر يخشى عليها من الكسر. - ليلى… أنا عارف وبيشهد ربنا إنك تعبتي كتير في حياتك اللي فاتت، وشوفتي أيام صعبة تكسر الظهر… وعارف إن جواكي خوف ووجع لسه ما ماتش وجواكى جروح لسه بتنزف صمت لحظة، واقترب أكثر حتى التفت أنفاسه الساخنة بأنفاسها، ثم شد على كفها بحنانٍ جارف وضغط بجسده نحوها برقة - بس أوعدك وعهدي عليا الليلة دي.. هتعرفي معايا وتدوقي إن الجواز ممكن يبقى رحمة متواصلة، مش حرب واستعراض قوة. وسند حقيقي تترمي عليه.. مش حمل تقيل يهد حيلك. وأمان مطلق تنامي فيه في حضني.. مش خوف . لم تشعر ليلى في تلك اللحظة إلا بدموعٍ دافئة، ممتنة، تتجمع في مآقي عينيها لتغسل كل آثار قسوة والدته وسمر. همست بصوت مرتعش، يكاد يخرج من شفتيها الكرزيتين كالتنهيدة - وأنا… خوفي ده كله وضياعي القديم هيروح فين؟ هيضيع منك؟ اقترب أمجد أكثر، ألغى كل المسافات المتبقية بينهما حتى صار صوته يتردد عند حدود شفتيها، وشعرت بحرا
كان الزفاف أشبه بليلةٍ فريدة قررت فيها الحياة أن تخلع ثوب الجفاء، وتقدم لهما اعتذارًا مهيبًا وعابرًا للمواجع عمّا مضى من سنين العذاب. الأضواء تتلألأ في كل زاوية من قاعة الحفل كنجومٍ هبطت لترسم مسار الغد، والموسيقى الدافئة تنساب ناعمة، حانية، كأنها تمهّد الطريق السالك لفرحٍ طال انتظاره على عتبات الصبر، والوجوه تتناثر في الأرجاء بين ابتساماتٍ صادقة نابعة من قلوب أحبتهما، وأخرى متكلّفة يخنقها الزيف، بينما امتلأ المدى بضحكاتٍ وحركةٍ صاخبة لا تهدأ. وفي قلب هذا المشهد الأسطوري المشتعل بالبهجة… وقفت هي. العروس… بفستانها الأبيض الناصع، شامخة، فاتنة، كأنها خرجت لتوّها من معركة تاريخية طويلة وضارية، فخرجت منها منتصرة بكبرياء أنثى لا ينكسر. كانت ليلى تقف بثبات امرأةٍ دفعت ثمن كل خطوة وكل نبضة وصلت بها إلى هذه المنصة، وعيناها العسليتان تلمعان ببريقٍ آسر لا تصنعه مستحضرات الزينة… بل تصنعه الطمأنينة البكر الساكنة في عروقها الآن. قلبها كان يسابق إيقاع الموسيقى في خفقانه المتسارع، وأنفاسها تختلط برهبة الموقف العظيم وفرح الطفلة التي عاد لها عيدها، وكلما التقت نظراتها بعيني عريسها ورجلها، شعرت أن ال
كَمْ هُوَ مُوحِشٌ أَنْ تَعُودَ إِلَى دِيَارِكَ حَامِلًا مَا تَبَقَّى مِنْ حُطَامِ يَوْمِك، لِتَجِدَ أَنَّ البَيْتَ الَّذِي رَجَوْتَ فِيهِ المَلْجَأَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى مَحْكَمَةٍ قُضَاتُهَا هُمْ أَهْلُ دَمِك. تَمْشِي وَتَجُرُّ خَلْفَكَ خُيُوطَ النَّهَارِ الآفِلَة، كَأَنَّ السَّمَاءَ تَسْكُبُ رَمَادَهَا فِي رُوحِكَ المُنْطَفِئَة، فَلَا التَّعَبُ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ الـمَنَاوَبَات، وَلَا الكَتِفَانِ المَهْدُودَانِ يَعْرِفَانِ كَيْفَ يَنْفُضَانِ غُبَارَ الهَزِيمَةِ العَالِقِ بِالمَفَاصِل. فِي تِلْكَ الصَّالَةِ المَشْحُونَةِ بِأَنْفَاسِ مَا قَبْلَ العَاصِفَة، حَيْثُ تَقْبَعُ الأُمُومَةُ كَسُدَّةٍ صَارِمَةٍ مِنَ العِنَاد، وَيَجْلِسُ الأَخُ يُمَسِّدُ وَجْهَ الصَّمْتِ بِكَلِمَاتٍ دَافِئَةٍ مَشُوبَةٍ بِالحَذَر... هُنَاكَ تَهَيَّأَ القَلْبُ لِطَعْنَةٍ أُخْرَى، فَقَدْ أَلِفَ الطَّعَنَاتِ حَتَّى صَارَ يَتَوَقَّعُ الخَدِيعَةَ فِي كُلِّ عِنَاق، وَيَرَى فِي كُلِّ جَمْعٍ عائِلِيٍّ مَكِيدَةً مُؤَجَّلَة. "مَا أَقْسَى أَنْ تَأْتِيَكَ البُشْرَى الَّتِي بَكَيْتَ لِأَجْلِهَا شُهُورًا، لَا كَقُرْ
دلف أمجد إلى داخل الشقة كإعصارٍ أسود كاسر، جارف، لا يبقي ولا يذر. فتح الباب الخارجي بدفعةٍ مرعبة من كفّه القوية، حتى ارتجّت جدران الصالة الخرسانية وتراقصت لها الإطارات المعلقة، ودخل بخطواتٍ متلاحقة، عنيفة، يفوح منها بريق الغضب الساطع الذي سبقه صوته الهادر قبل حتى أن تستقر قدماه في الممر. لم يلقِ تحية سلام، ولم ينظر إلى أيّ وجهٍ من الوجوه الواجفة أمامه. كان وجهه الرجولي محتقنًا بالدماء لدرجةِ السواد، وعيناه العسليتان تقدحان شررًا مستعرًا ولهيبًا، كأن بركانًا مكبوتًا من القهر والاحتمال طوال الشهور الماضية قد وجد أخيرًا فوهته لينفجر بكل حِممه. اهتزت أركان البيت الساكن حين هتف بصوتٍ جهوري زلزل الأثاث والمواجع: * يا سمــــر! إنتِ يا زفتة يا اللي هناااا! كان النداء كالصاعقة موجهًا مباشرةً إلى زوجة أخيه الأكبر. خرجت سمر من ردهة المطبخ على مهل، تسحب خُطاها وتتمنع، مدعية الثبات والبرود الكاذب، بينما تجمعت الأم المذعورة ومنار التي انتفضت من غرفتها على وقع الصراخ المزلزل. وقف أمجد أمام سمر كالجبل الثائر، صدره العريض يعلو ويهبط بأنفاسٍ لاهثة وعنيفة، وقال بنبرةٍ مبحوحة، مشحونة بقهر رجلٍ سُرقت م
أحيانًا… وبعد كل هذا الضجيج من الخسارات والخذلان، يتسلل إلى القلب شعورٌ هادئ لا نعرف كيف جاء. لا يطرق الأبواب بقوة، ولا يعلن حضوره بالكلمات، بل يأتي خفيفًا… كنسمة تمرّ على روحٍ أنهكها الصراع. نحاول أن نقاومه، أن نقنع أنفسنا أن القلب لم يعد مكانًا آمنًا لأحد، لكن الحقيقة التي نخشى الاعتراف ب
عادت حياة ليلى إلى شيءٍ يشبه الاستقرار… ليس ذلك الاستقرار الكامل الذي يمنح المرء رفاهية الطمأنينة المطلقة، بل ذلك الهدوء الرزين الذي يعقب عاصفة هوجاء طويلة؛ حين تظل الأرض مبتلة بطين المعارك، لكن السماء تتوقف أخيرًا عن الصراخ، وتسمح لخيام الراحلين بأن تستقر. كانت تعيش الآن في كنف والديها. البيت الذ
جلس أيمن على الأريكة المتهالكة غارقًا في لُجّةٍ من الشك والشرود، ظهره منحني قليلًا كمن يقف في مهب ريح عاتية، وكأن همَّ الدنيا بأسرها قد استقر كصخرة جلمود فوق كتفيه المهدودتين.كانت عيناه الغائرتان معلّقتين بصغيره يزن، الذي كان يجلس على البلاط العاري يلعب بمكعباته البلاستيكية في براءة طفولية ناصعة،
وصلت ليلى إلى مكتب المحامي بعد دقائق بدت لروحها المجهدة أطول وأكثر تمطيطًا مما ينبغي. وقفت لثوانٍ معدودات أمام الباب الخشبي المصقول، التقطت ما تبقى في رئتيها من أنفاس حائرة، ثم طرقت السطح بخفة ووقار قبل أن يأتياها الإذن الرخيم بالدخول. ما إن خطت عتبة المكتب إلى الداخل حتى لقطت عيناها الحادتان أنه







