登入استيقظت ليلى في الصباح الباكر على شعور غريب بالبرودة
يلف أرجاء الغرفة، شعور لم يكن نابعاً من الطقس بقدر ما كان منبعثاً من ذلك الفراغ الذي تركه ياسر في المنزل منذ ليلة أمس، تقلبت في فراشها لعدة دقائق، تحاول طرد الأفكار السوداء التي عششت في رأسها طوال الليل، لكن دون جدوى، فالأسئلة كانت تتصارع في عقلها بعنف، والبرود غير المبرر الذي عوملت به جعل كبرياءها ينزف بصمت، نهضت أخيرًا وعقدت عزمها على مواجهته، فما عادت تطيق هذا البعد الذي بني في ساعات معدودة، تحركت بخطوات وئيدة نحو غرفته، دقت الباب بخفة مستأذنة، لكن لم يأتها أي رد، فدفعت الباب ببطء لتكتشف أن سريره مرتب تمامًا، وأن مراد—أو بالأحرى ياسر—ليس في غرفته، ولم ينم فيها من الأساس. وقفت عند عتبة الغرفة لثوانٍ، تضاربت في ذهنها الظنون، واعتقدت للوهلة الأولى أنه ربما غادر المنزل مبكرًا وتوجه إلى موقع العمل لينغمس في الرسوم الهندسية ويهرب من مواجهتها، لكن حين التفتت نحو الممر المؤدي إلى المكتب الصغير، لمحت شعاعًا ضئيلًا من الضوء يتسلل من أسفل الباب، تحركت نحو المكتب بدافع فضول ممزوج بالقلق، ودفعت الباب بهدوء شديد كأنها تخشى أن تكسر سكون المكان، لتقع عيناها عليه، كان ياسر نائمًا على الأريكة الجلدية الضيقة، واضعًا ذراعه فوق عينيه ليحجب الضوء، بينما بدت ملامحه، حتى وهو في استغراقه بالنوم، متشنجة ومحملة بآثار معركة داخلية طاحنة لم تهدأ طوال الليل. تسللت ليلى إلى داخل الغرفة بخطوات أشبه بالهمس، وتقدمت منه حتى أصبحت على مسافة خطوة واحدة، نظرت إليه بتمعن، فرأت في ذبول وجهه وتعب عينين غائرتين شيئاً فطر قلبها، تناست في تلك اللحظة كبرياءها وجرحها، وغلبها حنانها الجارف نحو هذا الرجل الذي أصبح محور عالمها، جلست على طرف الأريكة بجانبه بحذر شديد، وحبست أنفاسها وهي تتأمل تفاصيل وجهه الوجِع، مدّت يدها المترددة ببطء، وراحت تلمس خصلات شعره الأسود المتناثر على جبهته بنعومة فائقة، ممسدة عليه بحنو وكأنها تحاول بلمساتها تلك أن تمسح عن كاهله الهموم الثقيلة التي أثقلت روحه في الساعات الأخيرة، وتمنت لو أن هذا الصمت يطول لتعيد بناء ما تهدم. لكن السكون لم يدم طويلًا، فما هي إلا لحظات حتى انتفض ياسر فجأة، وكأن لمستها الحانية كانت جمرة مستعرة أيقظت وحش الغيرة الرابض في صدره، فتح عينيه بحِدة بالغة، وعيناه اللتان كانت تشعان دفئاً بالأمس، امتلأتا الآن بنظرات قاسية، جافة، ومليئة بالنفور، وقبل أن تنطق ليلى بكلمة واحدة، مدّ يده وبحركة عنيفة وقاسية أبعد يدها عنه، مستقيمًا في جلسته ثم وقف مندفعًا إلى الأعلى وهو يبتعد عنها مسافة مترين كاملين، كأنه يرفض أن يجمع بينهما حيز واحد، وراح يعدل قميصه المجعد بأنفاس متلاحقة وثائرة. عند تلك اللحظة تحديداً، تلاشت غشاوة الحنان عن عيني ليلى، وسقطت الحيرة ليحل محلها يقين حارق، أدركت بكبرياء الأنثى الجريحة أن الأمر لا علاقة له بتعب الشغل، ولا بإرهاق السفر أو شراء المعدات، بل إن هناك شيئًا أسود وعميقًا يخفيه عنها، شيئاً غير نظرته تجاهها بالكامل، وقفت هي الأخرى مستقيمة، ورفعت رأسها بشموخ وعيناها تشتعلان ببريق الغضب والكرامة المهدورة، وصرخت فيه بنبرة هزت أركان المكتب قائلة "أنا لغاية هنا واستحملت كتير، البرود ده وراه إيه؟ إنت مش تعبان من الشغل يا ياسر، إنت في حاجة مخبيها عليا، اخلص وقولي في إيه بدل ما تعاملني كأني حشرة في البيت!" التفت إليها ياسر، وكان صدره يعلو ويهبط بعنف، وقد بلغت به الغيرة مبلغاً لم يعد قادراً على كبته، فكبرياؤه كرجل شعر بأن هناك غريباً اقتحم حماه في غيابه كان يمزقه، ولم يعد يرى أمامه سوى كلمات مروى المسمومة وصورة مراد في حديقته، فصرخ في وجهها هو الآخر بنبرة حملت كل غيظه المكتوم قائلًا "أنا مابخبيش حاجة، وإنتي آخر واحدة تتكلمي عن السداجة والوضوح، البيت ده ليه حرمة، والظاهر إنك نسيتي الحرمة دي أول ما أنا غبت عن البيت وسافرت!" صدمتها الكلمات، وشعرت بطعنة في شرفها وكبريائها، فتقدمت نحوه بخطوات سريعة وصوتها يرتفع أكثر وهي تكاد تبكي من فرط القهر والغضب قائلة "قصدك إيه بالكلام ده؟ انطق! متتكلمش بالألغاز، قسماً بالله لو ما نطقت وقلت في إيه، لأكون سايبة البيت ده دلوقتي ومش هتشوف وشي تاني، أنا ليلى اللي عشت طول عمري مرفوعة الراس، مش هتيجي إنت في يوم وليلة تشكك فيا وفي وجودي هنا!" ضحك ياسر ضحكة ساخرة مريرة، ضحكة خرجت من وسط ألمه ونار غيرته التي تحرقه، واقتربت منها حتى صارت تفصل بينهما إنشات قليلة، ونظر في عينيها بتحدٍّ وصوت جهوري قائلًا "عايزة تعرفي في إيه؟ ماشي يا ليلى هقولك، الباشمهندس مراد كان بيعمل إيه هنا وإنا مش موجود؟ قعدتكم في الجنينة والكلام اللي كان بينكم والضحك والنظرات دي تسميها إيه؟ جايبة حبيب القديم لغاية بيتي وفي غيابي وعايزاني أرجع أضحك في وشك وأقولك الفيلم جاهز؟" اتسعت عينا ليلى بذهول مطلق، وتجمدت الدماء في عروقها لثوانٍ، ليس خوفاً بل من صدمة اتهامه، ومن فكرة أنه كان يعلم وجاء ليحاكمها بصمت دون أن يمنحها حق الدفاع، وشعرت برغبة عارمة في البكاء لكن كبرياءها منعها، فرفعت إصبعها في وجهه وصرخت بأعلى صوتها والدموع تنحدر على وجنتيها قائلة "إنت مجنون؟ إنت إزاي تفكر فيا كده؟ مراد جه هنا فجأة وأنا مكنتش أعرف، ومأعدتوش جوه البيت احتراما ليك ولنفسي، ووقفت صمته وحجمته وقلتله إني مرأتك وبحبك والماضي مات، إنت إزاي تسمح لنفسك تشك فيا؟ ومين اللي قلك أصلا؟ مين اللي بيبخ السم ده في ودنك عشان تصدقه عليا بالسرعة دي؟" بدأت كلمات ليلى الصادقة والثائرة تخترق جدار الشك الذي بنته مروى في عقله، ورأى في عينيها دموع القهر الصادقة، فتحولت ملامحه من الغضب الأعمى إلى ملامح رجل بدأ يدرك أنه ربما تسرع وظلم، لكن كبرياءه كان لا يزال يقاوم التراجع، فخفتت نبرة صوته قليلًا لكنها ظلت مشحونة بالتوتر قائلًا "مش مهم مين اللي قالي، المهم إن الكلام حصل، والمهم إنك متوقعتيش إن يوصلي، أنا راجل يا ليلى، ومقبلش إن اسم مراتي يتربط باسم واحد تاني في غيابي، حتى لو كان مجرد كلام في الجنينة!" مسحت ليلى دموعها بعنف بطرف كمها، ونظرت إليه بنظرة انكسار وخيبة أمل عميقة، نظرة جعلت ياسر يشعر بدم يرتد إلى قلبه ندماً، فالكلام الذي قيل جرح شيئاً أساسياً بينهما، فقالت بنبرة متهدجة لكنها حاسمة: "اللي قلك قاصد يخرب، وإنت غباوتك وغرورك خلوك تصدقه وتلغي عقلك، أنا مأجرمتش، ولا عملت حاجة غلط، أنا دافعت عن بيتك وعن اسمك قدام واحد من الماضي، وإنت جيت كافئتني بالبرود والإهانة، أنا مش هقعد في مكان فيه واحد فيه بيشوفني بالرخص ده، أنا ماشية يا ياسر" التفتت ليلى بكل كبرياء الأنثى لتغادر الغرفة، متجهة نحو غرفتها لتجمع حقائبها، بينما وقف ياسر في منتصف المكتب متسمراً في مكانه، والندم يأكله حيًا بعد أن رأى صدقها وعزة نفسها، وأدرك أن غضبه الأعمى قد يدمر أجمل شيء بدأ ينبض في حياته.ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا
مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته
بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر
نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا
استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير
صوت التلفاز ما زال خافتًا، يتردد في أرجاء الغرفة كهمس بعيد، لا يُزعج ولا يُلفت، مجرد حضور ضعيف يملأ الفراغ. الضوء الأزرق المنعكس منه كان يرسم ظلالًا هادئة على الجدران، وعلى ملامحهم… دون أن يقصد. — تحرّك ياسر قليلًا. استيقظ. — لم يكن استيقاظًا كاملًا، بل ذلك الشعور الغامض الذي يجعلك تفتح
“ليه عمل كده…؟” سؤال مرّ في عقلها. لكنها لم تسأله، لا تعلم اهو خجل أم فقط لأنها… خافت من الإجابة. أما هو… فلم يكن يفكر فيها. كان يفكر في شيء آخر تمامًا. يد أحمد، قربه منها، ركوعه أسفل رجلاها الان ومحاولته لاهداء وجعها “إزاي يلمسها…؟” سؤال اشتعل داخله. بحدة فكر داخله وهو يشعر بالن
في لحظة ما، بينما كانوا يمرون بين العمال، التفت أحد المهندسين إليه ليسأله عن تفاصيل صغيرة في التنفيذ، فوقف ياسر يشرح بثبات واضح، صوته هادئ، دقيق، لا يحمل أي ارتباك، وكأنه لم يدخل في أي صراع عاطفي أو شخصي منذ قليل. كانت ليلى تقف بجانبه، تستمع دون أن تقاطع. لكن داخلها… تحرك شيء مختلف. لم يكن
ما يعود رغمًا عنّا لم يستمر ياسر في العمل. لم يستطع. — بعد أن أنهى كلماته مع أحمد، وبعد أن استدار ليعود لما كان يفعله… توقّف. خطوة واحدة فقط. ثم أخرى. لكن شيئًا داخله… لم يتحرك معه. — كان يجب أن يعود. أن يكمل. أن يتجاهل. كما يفعل دائمًا. — لكنه لم يفعل. — الصورة لم تتركه. يد أحمد







