تسجيل الدخولاستيقظت ليلى في الصباح التالي
وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير، وقبل قال وهو يضع الكوب أمامها ويقترب من مكتبها بشكل ملحوظ "صباح الخير يا ليلى، عملتلك القهوة اللي بتحبيها عشان عارف إن يومنا النهارده هيكون طويل، وعشان نجهز سوا الرد على العكاك اللي ياسر ناوي يعمله في قطاع الحفر الشرقي" نظرت ليلى إلى كوب القهوة ثم رفعت عينيها إلى مراد بنظرة باردة، وشعرت بضيق شديد يتسلل إلى أعماقها من طريقته الحميمة وتخطيه المستمر للحدود، فدخول المكتب دون استئذان ومحاولة فرض نفسه كشريك في مشاعرها قبل قراراتها المهنية كان يزعج كبرياءها بشدة، وقالت بنبرة جافة وقاطعة "شكراً يا باشمهندس، بس أنا شربت قهوتي خلاص، وياريت بعد كده قبل ما تدخل المكتب تخبط، عشان إحنا في مكان شغل ويهمني جداً المظاهر قدام العمال والموظفين، ومفيش داعي للكلام عن الباشمهندس ياسر بأسلوب غير لائق، في النهاية هو شريك في إدارة الموقع ده" تلاشت الابتسامة من وجه مراد للحظات، وظهرت على ملامحه علامات المفاجأة من رد فعلها الحاسم، لكنه سرعان ما استعاد قناعه البارد، وتحرك خطوة إضافية ليقف خلف مقعدها مباشرة، وأمال رأسه قليلاً وقبل قال بصوت خفيض ونبرة ممتلئة بالخبث "أنا آسف يا ليلى، مكنتش أقصد، بس أنا حاسس بيكي وبالضغط اللي إنتي فيه بسببه، والواضح إن مكالمة الأهل إمبارح هزت الدنا، أنا بس عايزك تعرفي إني جنبك في أي خطوة، ومش هسيب ياسر يتخطى حدوده معاكي أو يفرض رأيه المالي الغلط على حساب كرامتك وشغلك" أحست ليلى برغبة عارمة في الصراخ في وجهه ليخرج تماماً من مساحتها الخاصة، وتأكدت ظنونها بأن مراد ليس هنا لحماية المشروع، بل هو يستغل الشرخ الذي أحدثه الشك بينها وبين ياسر ليعود إلى حياتها من الباب الخلفي، وقبل أن تنطق بحرف لتطره، انفتح الباب الخارجي للموقع، ودخل ياسر ومعه مروى التي كانت تمسك بملف كبير وتتحدث بصوت ضاحك ومسموع، تجمدت نظرات ياسر عند عتبة المكتب وهو يرى مراد واقفاً بقرب مفرط خلف مقعد ليلى، واشتعلت عيناه فوراً بنيران غيرة مجنونة كادت تحرق المكان، لكنه جفف ملامحه بسرعة وحرك فكه بقسوة مصطنعة، بينما التمعت عينا مروى بشماتة وانتصار وهي تراقب المشهد وتستعد لبخ سمها الجديد. لم يتحدث ياسر مع ليلى، بل وجه نظراته الحادة كالسيف نحو مراد مباشرة، وتقدم بخطوات واسعة واثقة تفوح منها رائحة التحدي، وقبل قال بصوت متهكم وبارد كالثلج "صباح الخير يا باشمهندسين، الظاهر إن الشغل في قطاع والد ليلى بيبدأ بالمسامرة والقهوة قبل مراجعة الخرائط، إحنا عندنا حفر في القطاع الشرقي وهيتحرك دلوقتي، وياريت يا باشمهندس مراد تتفضل معايا على أرض الموقع عشان نشوف مسار المواسير اللي إنت شطبت عليه إمبارح، وتوريني شطارتك دي قدام المقاولين" نهضت ليلى من مقعدها فوراً لتكسر حدة الهجوم، ووقفت في مواجهة ياسر وهي تشعر بالخجل والقهر من أن يظن بها السوء مجدداً بوجود مراد، وقالت بنبرة حاسمة وصارمة "إحنا كنا بنستعد للشغل يا باشمهندس، والخرائط جاهزة، ومظنش إن من حقك تقيم طريقة بداية يومنا، القطاع الشرقي أنا ومراد رايحين عليه حالا، ومروى تقدر تستنى هنا في المكتب الإداري عشان تراجع الفواتير اللي متأخرة من أسبوع" نظرت مروى إلى ياسر بدلال مفتعل، وتقدمت خطوة لتضع يدها على ذراعه برقة واستفزاز واضح أمام ليلى، وقبل قال بصوت ناعم ومسموع "بالعكس يا ليلى، الباشمهندس ياسر طلب مني أكون معاه في كل خطوة النهارده في القطاع الشرقي عشان نثبت الفروقات المالية للمقاول، وأنا شايفة إن رأي الباشمهندس ياسر في الإدارة أدق بكتير وبيحمي ميزانية الشركة من الهدر اللي بيحصل بقرارات غير مدروسة" رأت ليلى يد مروى المستقرة على ذراع ياسر، ورأت صمت ياسر وعدم إبعاده لها كأنه يتقوى بها ليغيظها، فشعرت بطعنة غير عادية في أنوثتها وكبريائها، وجزت على أسنانها بقوة حتى كادت تدمي شفتيها، والتفتت نحو مراد وقالت بنبرة جافة "يلا بينا يا مراد على الموقع، مش عايزين نضيع وقت في مهاترات وكلام ملوش لازمة مع ناس مش فاهمة أصول الشغل الهندسية" تحرك الجميع نحو القطاع الشرقي للموقع، حيث كانت الحفارات الضخمة تنتظر الأوامر، والعمال يقفون في حلقات يترقبون وصول المهندسين بعد الأخبار التي تواترت عن شجار الأمس وتدخل الأهل، وقف ياسر وسط الساحة، وأشار للمقاول صابر ببدء الحفر في المسار القديم الذي حدده هو، متحدياً قرار ليلى ومراد علناً أمام الجميع، وقبل قال بصوت جهوري مسموع "يا معلم صابر، شغل الحفار هنا وابدأ رمي الخرسانة العادية في المجرى ده، وأي كلام تاني اتقال لك إمبارح انساه تماماً، الكلمة الأولى والأخيرة هنا ليا أنا" تقدم مراد بسرعة ووقف أمام الحفار ليمنعه من الحركة، وقبل قال بصوت عالٍ ومتحدٍ "وقف عندك يا معلم صابر! الكلام ده مش هيتنفذ، التربة هنا غير مستقرة والمسار ده هيسبب كارثة وهيهد الأساسات بعد كام شهر، الباشمهندس ياسر بيجازف بحياة الناس وباسم الشركة عشان يثبت رأيه وخلاص، وإحنا مش هنسمح بالمهزلة دي هنا!" اشتد الجدال بين ياسر ومراد، وتحول الأمر إلى تلاسن حاد بالأيدي تقريباً، وسط ذهول العمال وتوترهم الملحوظ، بينما كانت مروى تقف بجانب ياسر وتغذى غضبه بكلمات جانبية خبيثة، كانت ليلى تراقب الموقف بقلب ينبض بعنف، رأت كيف أن ياسر يتصرف بعناد أعمى يوشك أن يورطه في خطأ هندسي فادح بسبب رغبته في كسر شوكتها وشوكة مراد، وفي نفس الوقت رأت كيف أن مراد يتحدث بنبرة فيها الكثير من الشماتة والتحدي الشخصي لزوجها، فشعرت أنها محاصرة بين نارين؛ نار رجل تحبه وجرح كبرياءها بشكه واستقوائه بأخرى، ونار رجل استعانت به لتكتشف أنه يستغلها لتدمير زوجها. وفي غمرة هذا الصراع العنيف، رن هاتف ياسر مجدداً، وكان المتصل هو والده الذي بدا صوته غاضباً جداً من استمرار الأزمة ووصولها إلى مجلس إدارة الشركة الكبرى، انسحب ياسر خطوتين للخلف وتحدث بعصبية مفرطة، بينما التفتت ليلى لتجد المقاولين يتحدثون عن عدم كفاءة الإدارة وتخبط القرارات، مما هدد بسمعة المشروع بالكامل، اقتربت ليلى من ياسر بعد أن أنهى مكالمته، ونظرت في عينيه المليئتين بالوجع والكسر والعناد، وقبل قال بصوت منخفض جداً لا يسمعه سوى هو وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة "إحنا بنضيع الشغل وبنضيع نفسنا يا ياسر، العناد ده هيخرب بيتنا وهيخرب المشروع، والناس كلها بقت بتتفرج علينا وعلى خناقاتنا"ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا
مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته
بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر
نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا
استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير
حلّ المساء على البيت، ومعه هبط سكون ثقيل خانق، أشبه بالضباب الذي يسبق العاصفة المدمرة، كانت أنوار المطبخ خافتة، تعكس ظلالاً متصلبة لجسدين يتحركان في نفس الحيز الصغير، لكن المسافة النفسية بينهما كانت أبعد من مجرد قارات، وقفت ليلى أمام الرخام تقطع الخضار بحركات آلية قاسيه وصوت السكين وهي تصطدم بالل
استمع والدها ل مبرراتها الهندسية والمالية بتمعن، ورغم أنه شعر بوجود شرخ غير معلن بينها وبين ياسر، إلا أن منطقها التجاري وحرصها على اسم شركتهم كان مقنعاً وكافياً لجعله يتراجع عن تردده، فقال بنبرة هادئة وموافقة في النهاية:"خلاص يا ليلى، طالما إنتي شايفة إن مصلحة الشغل والمشروع محتاجة وجود مراد عشان
الأسبوع التالي على الموقع كأنه جحيم مستعر يُدار تحت وطأة الكبرياء، حيث تحولت ساحة العمل إلى جبهتين منفصلتين تماماً، ترفض كل منهما الاعتراف بوجود الأخرى، كانت الشمس تحرق الخرسانات، لكن القلوب داخل المكاتب المؤقتة كانت أكثر اشتعالاً، وصلت ليلى في الصباح وهي ترتدي خوذتها البيضاء بكامل أناقتها المه
تمددت الساعات التالية كأنها دهر من الجليد، وجاء وقت العشاء الفعلي ليجد الكيانين المتناحرين مجبرين على الجلوس إلى نفس الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفة المعيشة، وضع الصحن الصغير بينهما، وكان البخار المتصاعد من الطعام هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بحيوية في الغرفة، جلس ياسر على حافة المقعد، متصلب الظهر،

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





