LOGINبدأت المرحلة الثانية
من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحركش، والمجازفة دي ممكن..." لكن ياسر قاطعه بنظرة حادة كالموس وجز على أسنانها وقبل قال بعصبية مفرطة وونبره حاده لا تقبل النقاش "أنا قلت كلمة واحدة يا صابر! الصب يبدأ حالا، وإلي مش عاجبه كلامي يقعد في بيته، أنا المسؤول عن رقابكم وعن الشغل ده كله، ومحدش ليه كلمة عليا هنا" وبناءً على هذا العناد الرهيب، بدأت الشاحنات الضخمة تفرغ أطناناً من الخرسانة السائلة في جوف الأرض غير المستقرة، بينما كان ياسر يقف في منتصف الساحة وعيناه تراقبان العمل ببرود مستسلم، كأنه يحارب طواحين الهواء ليثبت لنفسه وللعالم أنه لم ينكسر. وفي هذه الأثناء، كانت ليلى في البيت، مستلقية على سريرها بجسد متهالك وروادها القلق ينهش عقلها، قررت عدم الذهاب إلى الموقع في ذلك الصباح الباكر حتى تضع حداً لهذه المأساة، ولتترك لياسر مساحة يراجع فيها نفسه بعيداً عن ضغط وجودها، كانت الأجواء داخل الشقة هادئة بشكل كئيب، والستائر المغلقة تحجب أشعة الشمس لتضفي على الغرفة عتمة تشبه عتمة روحها، وضعت يدها على قلبها الذي كان ينبض بانتظام غريب، وشعرت بانقباضة مفاجئة في صدرها لم تجد لها تفسيراً، كانت تفكر في كلماتها القاسية له بالأمس، وفي نظرات العتاب والكسر التي رأتها في عينيه، وتساءلت بمرارة: هل يعقل أن يدمر العناد كل شيء جميل بيننا؟ هل وصلنا إلى طريق مسدود لا عودة منه؟ حاولت ليلى أن تشغل نفسها عن هذه الأفكار القاتلة، فنهضت وتوجهت نحو المطبخ لتحضير كوب من الشاي، وبدأت تتحرك بآلية وسط السكون التام الذي يلف أركان المنزل، لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، وفجأة، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وتتفاجأ بصوت حركة غريبة وعنيفة هزت أرجاء المنطقة المحيطة، لم يكن صوتاً عادياً، بل كان دوياً مكتوماً ومرعباً يشبه صوت زلزال خفيف ضرب باطن الأرض، تلاه صوت اهتزاز خفيف في زجاج نوافذ المنزل الصغير، تجمدت ليلى في مكانها، وسقط الكوب من يدها لينكسر على الأرض، وشعرت برعب دَب في أوصالها فجأة دون أن تدري سببه، تسارعت أنفاسها وتوجهت غريزياً نحو النافذة المطلة على الشارع الرئيسي المؤدي إلى منطقة المشروعات الاستثمارية حيث يقع موقعهم. لم تكد تفتح الشرفة حتى رأت سحابة كثيفة من الغبار الأبيض والرمادي تصعد إلى السماء من جهة الموقع، وسرعان ما امتلأ الشارع بصوت سرينات سيارات الإسعاف والمطافئ التي انطلقت بسرعة جنونية نحو مصدر الغبار، وفي تلك اللحظة الرهيبة، رن هاتفها بعنف على الطاولة، ركضت نحوه بأقدام ترتجف من فرط الخوف، وتمنت في سرها ألا يكون ما تفكر فيه صحيحاً، رفعت الخط لتجد صوت المعلم صابر يأتيها باهتزاز وبكاء وصراخ مرعب يملأ الخلفية، وقبل قال بنبرة متقطعة يملأها الرعب "الحقينا يا مدام ليلى! الكارثة حصلت، التربة هبطت والأساسات المصبوبة طقت، وكمان المبني انهار وياسر جواه! الباشمهندس كان واقف تحت بيراجع الحفر والخرسانة نزلت فوق الجدار وسحبته معاها تحت الأنقاض، الرجالة كلها بتجري ومش عارفين نطلعه!" سقط الهاتف من يد ليلى، وتوقف عقله عن التفكير تماماً، وشعرت وكأن خنجراً مسموماً قد انغرس في قلبها ليمزق كل جدران الكبرياء والعناد التي بنتها طوال الأيام الماضية، تلاشت في لحظة واحدة صورت مروى، وصورة مراد، وصور الشجار، ولم يتبقَ في مخيلتها سوى وجه ياسر؛ ياسر حبيبها، زوجها، والرجل الوحيد الذي تمنت أكمل حياتها معه، صرخت صرخة دوت في أرجاء الشقة الفارغة، صرخة وجع وقهر وخوف من الفقد الحقيقي، وبأقدام حافية وتقريباً دون وعي، سحبت وشاحها وركضت نحو الباب، وخرجت إلى الشارع متجهة نحو الموقع كالمجنونة، والدموع تنهمر بغزارة على وجهها وهي تردد بقلب مكسور ونبرة باكية "يارب لا.. يارب احفظهولي، أنا السبب.. العناد بتاعي هو اللي وداه للموت، يارب متحرمنيش منه!" عندما وصلت ليلى إلى محيط الموقع، كان المشهد أشبه بيوم القيامة؛ سيارات الإسعاف تحاصر المدخل، ورجال الإنقاذ يرتدون خوذاتهم الصفراء ويحملون المعدات الثقيلة، والعمال يصرخون ويتجمعون حول كومة هائلة من الخرسانة المسلحة والأتربة التي انهارت بالكامل في القطاع الشرقي، ركضت ليلى وسط الحشود، ودفع رجال الأمن الذين حاولوا منعها من الدخول بسب خطورة المكان، وقبل قالت بصوت مبحوح ومستغيث وعيناها تلتهمان المشهد برعب "سيبوني! جوزي جوه تحت التراب! ياسر جوه! سيبوني أروحله!" ولمحت مروى واقفة على مسافة بعيدة وهي تبكي بهستيريا وتضع يدها على وجهها، لكن ليلى لم تبالِ بها تماماً، بل اندفعت نحو المعلم صابر الذي كان يوجه رجال الإنقاذ بنحيب، وامسكت بملابسه وقالت بجنون وانهيار وبكاء لا يتوقف "هو فين يا صابر؟ قولي إنه عايش، قولي إنكم سامعين صوته، قولي أن أن الوقت عليه كان مجرد سور مش طابقق، اتكلم يا عم صابر ارجوك !" نظر إليها المعلم صابر بعينين حمراوين وقال بنبرة مكسورة "رجال الإنقاذ بيحفروا بأيديهم وبالمعدات يا بنتي، الجدار الجانبي انهار عليه وهو بيحاول يبعد العمال لما الأرض طقت، الباشمهندس ضحى بنفسه عشان ينقذ الرجالة، ودلوقتي الخرسانة والحديد حابسينه تحت، يارب سلم.. يارب اطلعه بالسلامة" وفي تلك اللحظة، جلست ليلى على الأرض الرطبة وسط الأتربة، ولم تعد ترى هيبتها المهنية ولا كبرياءها الأنثوي، بل تحولت إلى امرأة مكسورة، خائفة على حبيبها من الموت، وبدأت تنظر إلى ركام الحديد والأسمنت وتبكي بحرقة وندم قاتل لا تستطيع وصفه بالكلمات و مدركة تماما أن كل حروبها السابقة كانت تافهة أمام احتمال أن تفقد ياسر إلى الأبد، وأن عنادهما المشترك قد قادهما إلى حافة هاوية حقيقية دفعت ثمنها دموعاً ونيراناً تحرق قلبها في انتظار معجزة تخرجه حياً من جوف الموت. لأنها لن تستطيع أن تعيش بدونه، ولا تتخيل أن تفقده بهذا الشكل وهذا المكان ولا تتخيل أن تفقده قبل أن تخبره بمشاعرها الحقيقيه نحوه، تلك التي انكرتها عده مراتظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا
مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته
بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر
نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا
استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير
همست باسمه، وكأنها تتذوّق مرارته. كيف يمكن لشخصٍ قضت عمرها كله تحاول التفوّق عليه… أن يصبح فجأة زوجها؟كيف لشخص لم تتحدث معه منذ سنوات رغم أنه يُسكن في نفس البيت في طابق مختلف فقط، أن يُصبح شريك حياتها المنتظر كيف ل ياسر الذي لا تعرف عنه سوي القليل، أن تكمل حياتها معه! محض من الجنون والهراء!
لم يكن الخبر عاديًا، ولا يمكن أن يُستقبل بهدوء. جلست “ليلى” في غرفة المعيشة، ويداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها معلّقتان بوالدها الذي بدا أكثر جدية من المعتاد. أما والدتها، فكانت تراقبها بصمت، كأنها تنتظر انفجارًا وشيكًا. قال والدها أخيرًا، بصوتٍ لا يحتمل التأجيل: “ليلي، في حاجه مهمه اوي
الأسبوع التالي على الموقع كأنه جحيم مستعر يُدار تحت وطأة الكبرياء، حيث تحولت ساحة العمل إلى جبهتين منفصلتين تماماً، ترفض كل منهما الاعتراف بوجود الأخرى، كانت الشمس تحرق الخرسانات، لكن القلوب داخل المكاتب المؤقتة كانت أكثر اشتعالاً، وصلت ليلى في الصباح وهي ترتدي خوذتها البيضاء بكامل أناقتها المه
تمددت الساعات التالية كأنها دهر من الجليد، وجاء وقت العشاء الفعلي ليجد الكيانين المتناحرين مجبرين على الجلوس إلى نفس الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفة المعيشة، وضع الصحن الصغير بينهما، وكان البخار المتصاعد من الطعام هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بحيوية في الغرفة، جلس ياسر على حافة المقعد، متصلب الظهر،







