Share

part 29

last update publish date: 2026-06-20 16:24:02

مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات

فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي،

لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها،

وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.

أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله

كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه

بشكل لا تعرف كيف توصيفه

كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط

لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.

وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعتها نداءات رجال الإسعاف:

"لقيناه! في نبض... وسعوا الطريق بسرعة!"

انقبض قلب ليلى بعنف حتى شعرت أن أنفاسها توقفت للحظة، ثم اندفعت نحو الفجوة وسط الحشود دون أن تشعر بنفسها، تدفع من يقف أمامها بعشوائية وهي تبحث بعينيها عنه. وبعد لحظات رأت جسد ياسر المغطى بالتراب والرماد يُحمل على المحفة النقالة.

كان غائباً عن الوعي تماماً، ووجهه شاحباً كالموت، تتناثر فوقه الخدوش وآثار الدماء الجافة، لكن صدره المنهك كان يعلو ويهبط بأنفاس ضعيفة متقطعة، لتدرك أنه ما زال حياً.

ولولا عناية الله ثم أنه كان يرتدي في الموقع خوذة الحماية وسترة واقية لكان في عداد الموتى الآن، فالخوذة والسترة تلقتا الصدمة الكبرى للكتل الإسمنتية وحمتا رأسه وقفصه الصدري من السحق المحتم.

دفع المسعفون المحفة بسرعة نحو سيارة الإسعاف المقتربة، واندفعت ليلى خلفهم كالمجنونة، رافضة أن تتركه للحظة واحدة. حاول أحدهم إيقافها، لكنها تمسكت بالمحفة وهي تبكي، فسمحوا لها بالصعود معهم.

أُغلق الباب الحديدي بقوة، وانطلقت السيارة تشق شوارع المدينة وسط عويل السارينة الحاد.

في الداخل، كان المكان ضيقاً وممتلئاً برائحة المعقمات والأدوية والمعدن البارد. جلست ليلى على المقعد الجانبي الصغير، وجسدها كله يرتجف بعنف لا ينقطع، بينما عيناها لا تفارقان وجه ياسر.

بدت ملامحه غريبة عليها في تلك اللحظة؛ ساكنة تماماً، بلا غضب ولا عناد ولا كلمات حادة. مجرد رجل محطم يصارع للبقاء.

انحنت فوقه وأمسكت يده بقوة كأنها تخشى أن يختفي إذا تركتها، وشعرت ببرودة أصابعه مقارنة بحرارة كفيها المرتجفتين.

كانت دموعها تنهمر بغزارة، تسقط فوق يده وتختلط بالتراب العالق عليها، وقبل أن تتمكن من السيطرة على نفسها خرج صوتها مبحوحاً ومحطماً:

"متمشيش وتسيبني يا ياسر... أنا آسفة... أنا السبب في كل اللي حصل ده. العناد بتاعي وعمايا هو اللي جابنا لهنا. افتح عينك عشان خاطري ومتكسرنيش الكسرة دي. أنا مستعدة أتنازل عن الشغل وعن الدنيا كلها بس تقوملي بالسلامة وتفضل جنبي."

لم يكن هناك رد.

فقط أجهزة القياس تصدر أصواتاً منتظمة خافتة، والمسعف يتابع المؤشرات الحيوية بتركيز شديد بينما يثبت قناع الأكسجين على وجهه.

أما ليلى فكانت تشعر أن كل ثانية تمر كأنها طعنة جديدة في قلبها. تذكرت كل كلمة قاسية قالتها له، وكل مرة أدارا فيها ظهريهما لبعضهما بكبرياء أعمى، وشعرت لأول مرة أن كل تلك المعارك كانت تافهة أمام احتمال خسارته للأبد.

وصلت سيارة الإسعاف إلى بوابة المستشفى الاستثماري الكبير، وانفتح الباب فور توقفها. كان طاقم طبي كامل بانتظارهم بناءً على البلاغ المسبق.

سُحبت المحفة بسرعة البرق واندفع الجميع داخل الردهة البيضاء الواسعة.

ركضت ليلى بجوارهم وهي تحاول مجاراة سرعتهم، وعيناها معلقتان بوجهه الشاحب. لكن ما إن وصلوا إلى مدخل العمليات حتى أوقفها الممرضون بحزم.

"ممنوع الدخول."

حاولت التمسك بالمحفة للحظة إضافية، لكن يد ياسر انزلقت من بين أصابعها.

وأُغلق الباب.

اشتعل الضوء الأحمر فوق غرفة العمليات.

في تلك اللحظة فقط شعرت ليلى بفراغ هائل داخلها.

استندت إلى الجدار البارد وانزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، واضعة وجهها بين كفيها، بينما كانت الدموع تتساقط بلا توقف.

مرت الدقائق بطيئة وقاسية.

ثم تحولت إلى ساعات.

أكثر من أربع ساعات كاملة استمرت الجراحة.

خلالها حضر والدها ووالد ياسر بعد علمهم بالحادثة. اختفت نبرات التحدي والخلاف القديمة بين العائلتين، وحل محلها صمت ثقيل ورعب مشترك.

كان والدها يجلس بجوارها محاولاً مواساتها، يربت على كتفها بين الحين والآخر، لكنها كانت بعيدة عن كل شيء.

لم تكن تسمع سوى صوت انهيار المبنى يتكرر داخل رأسها.

وفجأة...

انطفأ الضوء الأحمر.

وقف الجميع في اللحظة نفسها.

وانفتح الباب.

خرج الطبيب الجراح وهو يخلع كمامته وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه.

ركضت ليلى نحوه فوراً، وتعلقت بأطراف ثوبه، وعيناها المتورمتان تتوسلانه قبل أن تنطق بصوت مرتجف:

"طمني يا دكتور... جوزي حصله إيه؟ قولي إنه عايش أرجوك."

تنهد الطبيب ببعض الارتياح وقال بهدوء:

"الحمد لله يا مدام، الباشمهندس ياسر عدى مرحلة الخطر والحالة مستقرة. الخوذة والسترة الواقية اللي كان لابسهم في الموقع هما اللي حموا الجمجمة والعمود الفقري والقفص الصدري من السحق التام، ودي معجزة بكل المقاييس. لكن للأسف الثقل كله نزل على أطرافه، وتم تجبيس رجليه الاتنين وذراع واحد بسبب وجود كسور مضاعفة وتهتك في الأربطة نتيجة ضغط الكتل الخرسانية. هو حالياً تحت تأثير البنج الكامل وهيتنقل لغرفة العناية المتوسطة للملاحظة، وتقدروا تشوفوه أول ما يفوق."

شعرت ليلى وكأن جبلاً كاملاً أزيح عن صدرها.

اختلطت دموعها هذه المرة بالامتنان.

وهوت على ركبتيها مجدداً تشكر الله بنحيب مرتجف.

فالكسور يمكن أن تلتئم.

والجبس يمكن أن يُفك.

أما فقدانه فكان شيئاً لم تكن قادرة حتى على تخيله.

وبعد فترة قصيرة، تحركت خلف الممرضين عندما نُقل ياسر إلى غرفته الجديدة.

دخلت الغرفة بهدوء.

كان ممدداً على السرير الأبيض، تحيط به الأجهزة الطبية، بينما يغطي الجبس السميك ساقيه الاثنتين وذراعه اليمنى بالكامل.

اقتربت منه ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تزعجه حتى وهو نائم.

ثم جلست على المقعد المجاور.

مدت يدها المرتجفة وأمسكت بيده اليسرى السليمة.

ورفعتها إلى شفتيها.

قبلتها طويلاً، بينما كانت دموعها تنساب بصمت فوق وجنتيها.

بدت ملامحه هادئة على غير العادة، خالية من الغضب والعناد والخصام.

مجرد رجل نجا من الموت بأعجوبة.

ورجل أدركت في تلك اللحظة أنها لا تستطيع تخيل حياتها بدونه.

شدت على يده برفق، وأسندت رأسها إلى حافة السرير، وقررت في سرها ألا تترك هذا المكان طوال الأيام القادمة، وأن تبقى بجواره في كل لحظة من لحظات تعافيه، تمسح عنه ألمه، وتداوي ما بينهما من جراح قديمة، وتبني من جديد ما كاد ينهار كما انهار ذلك المبنى، لعل الحب الذي نجا من تحت الركام يستطيع هو الآخر أن يولد من جديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 31

    ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا

  • عاشقان المدينه    part 30

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا

  • عاشقان المدينه    part 29

    مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته

  • عاشقان المدينه    part 28

    بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر

  • عاشقان المدينه    part 27

    نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا

  • عاشقان المدينه    part 26

    استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير

  • عاشقان المدينه    part 25

    الأسبوع التالي على الموقع كأنه جحيم مستعر يُدار تحت وطأة الكبرياء، حيث تحولت ساحة العمل إلى جبهتين منفصلتين تماماً، ترفض كل منهما الاعتراف بوجود الأخرى، كانت الشمس تحرق الخرسانات، لكن القلوب داخل المكاتب المؤقتة كانت أكثر اشتعالاً، وصلت ليلى في الصباح وهي ترتدي خوذتها البيضاء بكامل أناقتها المه

  • عاشقان المدينه    part 24

    تمددت الساعات التالية كأنها دهر من الجليد، وجاء وقت العشاء الفعلي ليجد الكيانين المتناحرين مجبرين على الجلوس إلى نفس الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفة المعيشة، وضع الصحن الصغير بينهما، وكان البخار المتصاعد من الطعام هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بحيوية في الغرفة، جلس ياسر على حافة المقعد، متصلب الظهر،

  • عاشقان المدينه    part 23

    حلّ المساء على البيت، ومعه هبط سكون ثقيل خانق، أشبه بالضباب الذي يسبق العاصفة المدمرة، كانت أنوار المطبخ خافتة، تعكس ظلالاً متصلبة لجسدين يتحركان في نفس الحيز الصغير، لكن المسافة النفسية بينهما كانت أبعد من مجرد قارات، وقفت ليلى أمام الرخام تقطع الخضار بحركات آلية قاسيه وصوت السكين وهي تصطدم بالل

  • عاشقان المدينه    part 22

    استمع والدها ل مبرراتها الهندسية والمالية بتمعن، ورغم أنه شعر بوجود شرخ غير معلن بينها وبين ياسر، إلا أن منطقها التجاري وحرصها على اسم شركتهم كان مقنعاً وكافياً لجعله يتراجع عن تردده، فقال بنبرة هادئة وموافقة في النهاية:"خلاص يا ليلى، طالما إنتي شايفة إن مصلحة الشغل والمشروع محتاجة وجود مراد عشان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status