LOGINبعد أن انتهت كريستين من حديثها...
لم يبقَ أمام لوسيان وآريا سوى العودة إلى غرفتهما. كان كل شيء هادئًا في الممرات. لكن آريا لم تكن تشعر بالهدوء على الإطلاق. كانت تحمل إليان بين ذراعيها طوال الطريق، وتنظر إلى وجهها الصغير كل بضع ثوانٍ. كانت تتأكد من أنها بخير. وأن أنفاسها منتظمة. وأنها نائمة. وأنه لم يحدث لها شيء غريب. أما لوسيان... فكان يسير إلى جانبها صامتًا. كان يفكر في العلبة. وفي الرمز. وفي كاسيان. وفي كل ما حدث خلال هذه الليلة. عندما دخل الاثنان الغرفة، أغلقت آريا الباب خلفهما بسرعة. ثم اقتربت من السرير. قالت بصوت خافت: "أريد أن أبقى معها." نظر إليها لوسيان. "سنفعل." جلست آريا على السرير، ثم وضعت إليان برفق بينهما. تأملتها للحظات. كانت الصغيرة هادئة. عيناها مغمضتان... ووجهها ناعم وبريء. مدت آريا يدها ولمست خدها. "لا أريد أن يحدث لها أي شيء." قال لوسيان: "لن يحدث." نظرت إليه. "لكنني خائفة." اقترب منها. "وأنا هنا." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ثم استلقيا. وضعت آريا إليان في المنتصف، بينما استلقى لوسيان على أحد جانبيها، وآريا على الجانب الآخر. كانت إليان بينهما تمامًا. مد لوسيان يده، ووضعها قرب يد ابنته الصغيرة. أما آريا فبقيت تنظر إليها. قالت بصوت خافت: "انظر إليها..." ابتسم لوسيان. "إنها هادئة الآن." تنهدت آريا. "أتمنى أن تبقى هكذا." وبعد دقائق... بدأ التعب يغلبهما. أغلقت آريا عينيها. ولوسيان أيضًا. ساد الصمت في الغرفة. ولم يبقَ سوى صوت أنفاسهما الهادئة. --- مر وقت قصير... ثم شعرت آريا بشيء غريب. فتحت عينيها ببطء. في البداية لم تفهم ما الذي أيقظها. ثم شعرت بوخزة صغيرة عند يدها. ارتبكت. رفعت رأسها... فوجدت إليان مستيقظة. كانت تنظر إليها مباشرة. لكن كان هناك شيء مختلف. شيء جعل آريا تتجمد. عينا إليان... لم تعودا سوداويين. كانتا قرمزيتين. اتسعت عينا آريا. "إليان...؟" بقيت الصغيرة تحدق بها. ثم فجأة... بدأت بالبكاء. اقتربت آريا منها بسرعة. "ششش... أمك هنا." حاولت تهدئتها. لكن عندما فتحت إليان فمها وهي تبكي... توقفت آريا. ظهر زوج صغير جدًا من الأنياب. شهقت. "لوسيان..." استيقظ لوسيان فورًا على صوتها. "ماذا؟" نظر إلى إليان. ثم... تجمد. عيناها القرمزيتان. والأنياب الصغيرة الظاهرة بين بكائها. رفع رأسه بسرعة. "إليان..." كانت الصغيرة تبكي أكثر. جلست آريا وهي تحملها بحذر. "ماذا يحدث لها؟" اقترب لوسيان. لكنه لم يعرف ماذا يقول. كانت هذه أول مرة يريان فيها جانبًا واضحًا من طبيعتها بوصفها مخلوقًا نصف بشري ونصف مصاص دماء. قالت آريا بسرعة: "ربما..." ترددت. ثم نظرت إليه. "ربما لا تعرف كيف تعود إلى طبيعتها البشرية." نظر إليها لوسيان. تابعت: "إنها نصف مصاصة دماء... ونصف بشرية." ثم احتضنت إليان أكثر. "ربما يتعلم جسدها كيف يسيطر على هذا الأمر." بقي لوسيان صامتًا للحظات. ثم اقترب منها. "ممكن." قالت آريا: "ساعدها." أومأ. "سأحاول." جلس أمام إليان. ثم بدلًا من حملها... ركع أمام السرير، ليكون في مستوى وجهها. كانت الصغيرة تبكي وتنظر إليه بعينيها القرمزيتين. مد يده ببطء. "إليان..." توقفت للحظة. لكنها بقيت تبكي. قال لوسيان بصوت هادئ جدًا: "اسمعيني." اقترب قليلًا. "أنتِ بأمان." ثم نظر إلى عينيها. "لا يوجد ما يدعو إلى الخوف." مد يده نحوها. "حاولي أن تهدئي." لكنها لم تستطع. بقيت تبكي. فكر لوسيان للحظة. ثم تذكر شيئًا. نظر إلى آريا. "آريا..." "نعم؟" "هل تتذكرين أول مرة هدأت فيها؟" فهمت ما يقصده. "كانت عندما تكون بين الزهور..." قال لوسيان: "بالضبط." ثم عاد ينظر إلى إليان. قال: "إليان... فكري في الزهور." توقفت آريا عن الكلام. أما لوسيان... فبقي صوته هادئًا. "فكري في شيء جميل." "تخيلي حديقة." توقف قليلًا. "زهورًا كثيرة." "ألوانًا مختلفة." "ورائحة هادئة." كانت إليان لا تزال تبكي... لكن بكاءها بدأ يخف. لاحظ لوسيان ذلك. تابع: "هذا هو المكان الذي تريدين أن تكوني فيه." "لا داعي للخوف." ثم قال: "أنتِ إليان." "أنتِ بخير." مرت لحظات... ثم بدأ بكاؤها يهدأ تدريجيًا. نظرت إلى لوسيان. وببطء... بدأ اللون القرمزي في عينيها يختفي. عاد السواد إلى عينيها من جديد. اتسعت عينا آريا بدهشة. ثم اختفت أنيابها الصغيرة. وتوقفت إليان عن البكاء تمامًا. ساد الصمت. نظر لوسيان إليها. ثم ابتسم. "لقد نجحت." ضحكت آريا براحة، وامتلأت عيناها بالدموع. "لقد عادت." اقتربت منها ولمست خدها. "صغيرتي..." كانت إليان هادئة الآن. تنظر إلى والديها بعينيها السوداوين. ثم... مدت يديها الصغيرتين نحو لوسيان. توقف. نظر إليها. "ماذا تريدين؟" مدت يديها أكثر. ضحكت آريا بخفة. "إنها تريدك أن تحملها." نظر لوسيان إليها بدهشة بسيطة. "الآن؟" قالت آريا: "هذا واضح." ابتسم. ثم مد ذراعيه. حمل إليان برفق شديد. استقرت الصغيرة بين ذراعيه. وتعلقت بملابسه الصغيرة. نظر إليها لوسيان. ثم قال: "لقد أخفتِ والدك." ضحكت آريا. "والدك؟" نظر إليها. "ماذا؟" ابتسمت. "لا شيء." ثم اقتربت منهما. وضعت يدها على رأس إليان. "لكنني فخورة بكِ." نظرت إليان إليها. ثم عادت تنظر إلى لوسيان. وفجأة... أطلقت صوتًا صغيرًا يشبه الضحكة. اتسعت ابتسامة آريا. أما لوسيان... فنظر إلى ابنته وكأنه اكتشف شيئًا جديدًا. قال: "يبدو أنها بدأت تتعلم." أومأت آريا. "وهذه أول مرة تتمكن فيها من التحكم بنفسها." نظر لوسيان إلى إليان. ثم قال بهدوء: "ستتعلم." وضمها إليه قليلًا. "ولن تخاف من نفسها." ابتسمت آريا. ثم استلقت من جديد إلى جانبهما. هذه المرة... لم تكن إليان بينهما. كانت في حضن والدها. لكن يدها الصغيرة بقيت ممدودة نحو آريا. فأمسكت آريا بأصابعها. وبقي الثلاثة هكذا... وسط ظلام القصر الأسود. دون أن يعرفوا أن ظهور عيني إليان القرمزيتين لأول مرة... لم يكن مجرد لحظة عابرة. بل كان أول دليل حقيقي... على أن الطفلة الصغيرة بدأت تكتشف القوة الغريبة التي ورثتها من عالمي والديها.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







