Share

11

last update publish date: 2026-08-03 16:02:17

الفصل الحادي عشر

حلَّ اليوم السابع أخيراً.

كان الصباح هادئاً في قرية إيفرهيل، لكن قلب آريا لم يكن هادئاً أبداً.

وقفت أمام منزلها الصغير وهي تحمل حقيبتها، تنظر إلى المكان الذي عاشت فيه طوال حياتها. كل زاوية كانت تحمل ذكرى؛ الشجرة القديمة التي كانت تجلس تحتها مع والدها، الطريق الذي كانت تسلكه كل صباح، والنافذة التي كانت تقف عندها لترى الغابة البعيدة.

اقترب والدها منها بصمت، وكانت ملامحه مليئة بالحزن.

"آريا..."

استدارت إليه وابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الخوف الذي بداخلها.

"لا تقلق يا أبي."

لكن صوتها لم يكن مقنعاً حتى لها.

أمسك والدها بيدها للحظة وقال:

"إذا شعرتِ أن الأمر أصبح خطيراً... عودي."

نظرت إليه بصمت، فهي تعرف أن العودة ليست بهذه السهولة.

هزت رأسها فقط، ثم عانقته قبل أن تبتعد.

كانت تلك اللحظة أصعب مما توقعت.

فهي لم تكن تعرف متى سترى منزلها ووالدها مرة أخرى.

بعدها بدأت رحلتها نحو الغابة الشمالية.

كلما اقتربت من الأشجار، كان قلبها يخفق أكثر. كانت تعرف هذا الطريق جيداً، فقد وقفت عند حدوده مرات عديدة، لكنها لم تتخيل يوماً أنها ستعبره بإرادتها.

كان الضباب يحيط بالمكان، والأغصان العالية تحجب ضوء الشمس.

وبعد وقت طويل من السير...

ظهر القصر الأسود أمامها.

توقفت آريا في مكانها.

للحظة، شعرت أنها صغيرة جداً أمام هذا البناء الضخم. كانت الجدران العالية والنوافذ المظلمة تجعله يبدو كأنه كائن حي يراقبها.

ابتلعت ريقها بتوتر.

"إذاً... هذا هو القصر."

وقبل أن تقترب أكثر، بدأت البوابة الحديدية تتحرك ببطء.

فتحت وحدها.

تراجعت آريا خطوة إلى الخلف من الخوف، لكنها تذكرت وعدها لوالدها، فأخذت نفساً عميقاً ودخلت إلى الساحة الخارجية.

لم تدخل القصر مباشرة.

بدلاً من ذلك، بدأت تتجول بحذر في الحديقة المحيطة به.

كان المكان هادئاً بشكل غريب، لكنه لم يكن مخيفاً كما توقعت. كانت هناك أشجار قديمة وورود نادرة بألوان مختلفة، وكأن أحداً يعتني بها رغم أن القصر يبدو مهجوراً.

وبينما كانت تسير، توقفت فجأة.

هناك...

في وسط الحديقة.

كانت هناك وردة حمراء داكنة تشبه تماماً الوردة التي ظهرت في شعرها منذ أيام.

اقتربت منها ببطء، ومدت يدها دون أن تلمسها.

"أنتِ مجدداً..."

همست وهي شاردة.

لكن في تلك اللحظة...

تغير الهواء من حولها.

شعرت آريا بوجود شخص خلفها.

ذلك الشعور نفسه الذي رافقها في الغابة.

تجمد جسدها، وتوقفت أنفاسها.

ثم سمعت صوتاً هادئاً خلفها:

"لم أتوقع أن تأتي."

استدارت ببطء.

وهناك كان يقف.

الرجل الذي رأته تحت المطر.

لوسيان.

اتسعت عيناها فوراً، وتراجعت خطوة إلى الخلف.

لقد عرفته.

العينان الحمراوان، الملامح الهادئة، والحضور الغريب الذي جعلها تشعر بالخطر.

أما لوسيان، فقد بقي صامتاً وهو ينظر إليها بصدمة.

هذه الفتاة...

هي نفسها.

الفتاة التي كانت تقف تحت المطر.

الفتاة التي أثارت فضوله منذ البداية.

لكن كيف يمكن أن تكون ابنة الرجل الذي عقد معه الاتفاق؟

اقترب منها ببطء، بينما كانت آريا تشعر بالخوف يزداد داخلها.

توقفت خطواته أمامها، ونظر إليها وكأنه يحاول التأكد من الحقيقة.

"أنتِ..."

لم تستطع آريا الكلام.

كانت تعرف أنها أمام الشخص الذي تخاف منه القرية كلها.

رفع يده بحركة هادئة، ووضعها للحظة بالقرب من وجهها ليتأكد من أنها ليست مجرد وهم.

ارتجفت آريا فوراً وابتعدت قليلاً، وعيناها مليئتان بالخوف.

لاحظ لوسيان خوفها، فتوقف.

لأول مرة منذ زمن طويل، لم يعرف ماذا يقول.

فهو لم يرَ أمامه مجرد بشرية جاءت إلى القصر...

بل الفتاة التي كان يراقبها منذ أيام دون أن يعلم أن القدر سيرسلها إليه بهذه الطريقة.

أما آريا، فكانت تفكر بشيء واحد فقط:

لقد دخلت القصر الأسود...

والآن أصبحت أمام سيده الحقيقي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    117

    لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.

  • عروس القصر لأسود    116

    بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟

  • عروس القصر لأسود    115

    بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:

  • عروس القصر لأسود    114

    انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها

  • عروس القصر لأسود    113

    بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث

  • عروس القصر لأسود    112

    كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status