LOGINالفصل السادس عشر.
تسللت أشعة الصباح الذهبية عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا دافئة فوق الأرضية الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم أخذت تتمدد بنعاس وهي تطلق زفرة خافتة. انسدلت خصلات شعرها البني الطويل على كتفيها كالشلال، بينما فتحت عينيها بتكاسل، وما زالت آثار النوم واضحة على ملامحها. تثاءبت بخفة، ثم رفعت رأسها... وفجأة... تجمدت تمامًا. اتسعت عيناها بصدمة. كان لوسيان يجلس بهدوء على المقعد المقابل للسرير، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يتأملها بصمت منذ وقت لا تعلم مدته. لم يتحرك. ولم يبعد نظره عنها. شهقت آريا وهي تسحب الغطاء بسرعة حتى وصل إلى عنقها. "أ-أنت...!" ظل ينظر إليها بنفس الهدوء قبل أن يقول: "صباح الخير." ارتبكت أكثر. "ماذا... ماذا تفعل في غرفتي؟!" نهض من مكانه بخطوات هادئة. ومع كل خطوة كان قلبها يخفق أسرع. حتى وصل إلى حافة السرير. ثم جلس عليها بكل هدوء، وكأن الأمر طبيعي تمامًا. تراجعت آريا قليلًا حتى لامس ظهرها اللوح الخشبي للسرير. "لا... لا تقترب أكثر." لكن لوسيان لم يجب. رفع يده ببطء. ارتجفت آريا وأغمضت عينيها للحظة، إلا أنها شعرت بأصابعه الباردة تلامس خدها برفق هذه المرة، على عكس الليلة الماضية. رفع وجهها قليلًا حتى أصبحت تنظر إليه مباشرة. "انظري إلي." ترددت، لكنها رفعت عينيها نحوه. وللحظة... نسي الاثنان الكلام. كانت عيناه الحمراوان أقرب مما توقعت، ولم تبدوا مرعبتين كما اعتقدت دائمًا، بل كان فيهما هدوء غريب. أما لوسيان، فوجد نفسه يتأمل تفاصيل وجهها بصمت، وكأنه يحاول حفظها. وفي تلك اللحظة... وصل إلى سمعه صوت واضح... لكنه لم يخرج من شفتيها. "إنه يبدو وسيمًا حقًا..." رمش مرة واحدة. "هل يعقل حقًا أنه عاش ألف عام؟" اتسعت عيناه قليلًا. "يا إلهي... حتى أظافره أطول من أظافر بعض الفتيات!" ساد الصمت. أما لوسيان... فتجمد في مكانه. نظر إليها باستغراب شديد. بينما كانت آريا ما تزال تحدق فيه بصمت، غير مدركة أن أفكارها تُسمع بوضوح. "لكن... لماذا هو قريب هكذا؟ قلبي سيقف... هل يسمع دقاته؟" ابتعد لوسيان فجأة خطوة إلى الخلف. كانت تلك أول مرة يسمع فيها أفكار إنسان بهذا الوضوح. همست آريا بارتباك: "هل... هل حدث شيء؟" لم يجب مباشرة. بل ظل يحدق بها وكأنه يحاول التأكد مما سمعه قبل لحظات. "لماذا ينظر إلي هكذا؟ هل شعري منكوش؟ يا للمصيبة..." كاد يبتسم. لكنه تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة. أدار وجهه قليلًا حتى لا تلاحظ تغير ملامحه. قال بنبرته الهادئة المعتادة: "استعدي." رمشت باستغراب. "ماذا؟" "الإفطار سيكون بعد قليل." ثم نظر إليها مرة أخرى وأضاف: "ولا أحب أن أجلس منتظرًا أحدًا." أومأت بسرعة. "حسنًا." اتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج. دون أن يلتفت إليها قال: "وأنتِ..." حبست آريا أنفاسها. "...لا تتأخري." ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء. ما إن اختفى حتى وضعت آريا يديها على وجهها الساخن. "ما الذي حدث لي؟" وفي الممر خارج الغرفة، وقف لوسيان للحظة وهو ينظر إلى الباب المغلق. اقترب ريفِن، الذي كان على هيئة غراب، وحط على الدرابزين. "ما بك؟ تبدو شاردًا." بقي لوسيان صامتًا لثوانٍ، ثم قال بهدوء: "سمعت أفكارها." مال ريفِن رأسه بدهشة. "حقًا؟" أومأ لوسيان ببطء. "ويبدو... أنها لا تعرف أنني أستطيع سماعها." ضحك ريفِن ضحكة مكتومة وهو يرفرف بجناحيه. "إذًا... أظن أن الأيام القادمة ستكون ممتعة جدًا." بعد دقائق، نزلت آريا إلى قاعة الطعام بعد أن ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أزرق فاتح، وربطت شعرها البني الطويل على شكل ضفيرة جانبية. توقفت عند باب القاعة، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل. كان لوسيان يجلس بالفعل في مكانه المعتاد، بينما جلس ريفِن على هيئة غراب فوق ظهر أحد الكراسي، ووقفت نيكس بجانب النافذة ترتب بعض الزهور. ما إن دخلت آريا حتى رفعت نيكس رأسها وابتسمت. "صباح الخير." ابتسمت آريا بخجل. "صباح الخير." أما لوسيان، فاكتفى بإيماءة صغيرة نحو الكرسي المقابل له. "اجلسي." جلست آريا بهدوء، وهي تحاول ألا تنظر إليه كثيرًا. لكنها كانت تشعر بنظراته عليها بين الحين والآخر، مما زاد توترها. بدأت تتناول قطعة صغيرة من الخبز بصمت. "اهدئي يا آريا... إنه مجرد فطور." وصلت الكلمات إلى أذني لوسيان بوضوح. أنزل نظره إلى فنجان الشاي أمامه حتى لا يلاحظ أحد تغير تعابير وجهه. "لا تنظري إليه... لا تنظري إليه..." وبشكل لا إرادي... رفعت آريا رأسها لتنظر إليه مباشرة. التقت عيناهما. احمر وجهها بسرعة. "يا سلام! قلت لنفسي لا تنظري إليه، وأول شيء فعلته هو أنني نظرت إليه!" كاد ركن فم لوسيان يرتفع، لكنه أخفى ذلك خلف فنجانه. لاحظ ريفِن هذا التغير البسيط، فضيق عينيه باستغراب. "تركيزه مخيف... هل ينظر إلي أم إلى الطبق؟" "لا... لا يمكن... ربما هذا أسلوب مصاصي الدماء في الجلوس." ظل لوسيان صامتًا، بينما كانت أفكارها تتدفق إليه الواحدة تلو الأخرى. "بصراحة... هو وسيم أكثر في ضوء النهار." توقفت يد لوسيان للحظة. "لكن هذا لا يغير الحقيقة... إنه مصاص دماء." ابتلع رشفة من الشاي بصمت. ثم جاءت الفكرة التالية... "لحظة..." "هل يعقل أنه يشرب الدم فقط؟!" "يعني... إذا لم يعجبه الفطور..." اتسعت عيناها قليلًا وهي تحدق بكأس العصير أمامها. "ياألهي..." "هل يمكن أن يقرر فجأة يشرب دمي؟!" في تلك اللحظة... اختنق لوسيان برشفة الشاي، فسعل سعالًا خفيفًا للمرة الأولى منذ سنوات. حدقت به نيكس بدهشة. أما ريفِن، فمال برأسه وهو يحدق في سيده غير مصدق. "سيدي... هل أنت بخير؟" أومأ لوسيان سريعًا دون أن يجيب. بينما كانت آريا تنظر إليه بقلق حقيقي. "هل... هل اختنقت؟" رفع نظره إليها. "أوه لا! لا يمكن أن يكون قد شرب الشاي لأول مرة بحياته!" أغمض لوسيان عينيه لثانية، محاولًا تجاهل سيل أفكارها. أما ريفِن، فقد لاحظ لأول مرة أن سيد القصر، الذي لم تهزه الحروب ولا القرون، بدا وكأنه... يقاوم الضحك. وهذا وحده كان مشهدًا يستحق أن يُخلد في ذاكرته.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







