Share

112

last update publish date: 2026-09-18 20:05:15

كانت الدنيا تمطر بغزارة.

تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله.

كان ضبابًا كثيفًا.

يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر.

وفي وسط ذلك الضباب…

كانت هناك فتاة تركض.

لم تكن خطواتها عادية.

كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح.

كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر.

كانت إليان.

لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات.

لقد بلغت العشرين الآن.

وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر.

كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا.

لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا.

وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد…

أنها ستفوز.

وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء.

ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض.

نظرت خلفها.

لا أحد.

أغمضت عينيها للحظة.

كانت تسمع صوت المطر.

وصوت الرياح.

وصوت الأغصان.

لكنها لم تسمع شيئًا آخر.

ثم، من مكان بعيد لا تستطيع تحديده، تسلل إلى سمعها صوت خافت… كأنه نداء يخرج من بين جذور الأشجار.

توقفت أنفاسها لحظة.

كان الصوت ضعيفًا، متقطعًا، لكنه حمل نبرة مألوفة على نحو أزعجها.

فتحت عينيها ببطء.

اختفى النداء.

ولم يبقَ سوى المطر.

"أخيرًا…"

قالتها بثقة، كأنها تحاول إقناع نفسها بأن ما سمعته لم يكن حقيقيًا.

ثم واصلت السير حتى وصلت إلى مساحة واسعة بين الأشجار.

توقفت.

ونظرت حولها.

كان الضباب قد بدأ ينقشع قليلًا، إلا أن خيوطًا منه بقيت ملتفة عند حافة الغابة، كأنها لا تريد أن تترك المكان.

ابتسمت إليان وهي تضع يديها على خصرها.

"لقد فزت."

ساد الغابة لحظة من الصمت.

ثم جاء من بعيد ذلك النداء مرة أخرى.

هذه المرة أقرب.

وأخفض.

كأنه نطق باسمها دون أن ينطق به.

رفعت حاجبها، وحاولت أن تتجاهل القشعريرة التي سرت في ذراعيها.

"هذه المرة فعلًا."

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بفخر:

"يبدو أنني فزت هذه المرة."

لكن صوتًا هادئًا جاء من خلفها.

"في كل مرة تظنين أنكِ قادرة على الفوز بسهولة."

تجمدت إليان.

واختفت ابتسامتها فورًا.

وأغمضت عينيها للحظة، وكأنها كانت تتمنى أن تكون قد سمعت الصوت على نحو خاطئ.

ثم استدارت ببطء.

وكان يقف هناك…

لوسيان.

بهدوء تام.

لم يكن يبدو عليه أنه ركض أصلًا.

كان يقف تحت المطر وكأنه ظهر من بين الضباب دون أي جهد.

نظرت إليه إليان بعبوس واضح.

"مستحيل."

ابتسم لوسيان.

"ما المستحيل؟"

أشارت إليه باعتراض.

"كيف تهزمني في كل مرة؟"

اقترب منها بضع خطوات.

"ربما لأنكِ تتعجلين دائمًا."

ضيقت عينيها.

"أنا لا أتعجل."

رفع حاجبه.

"لقد قلتِ إنكِ فزتِ قبل أن تتأكدي حتى من أنني لم أصل إلى هنا قبلك."

سكتت.

ونظرت حولها.

ثم عادت تنظر إليه.

"كنت متأكدة."

"وهذا هو الخطأ."

نفخت بضيق.

"أنت تستفزني."

ضحك لوسيان.

"وأنتِ تصعّبين الأمور على نفسك."

رفعت يدها.

"حسنًا! مرة أخرى."

"ماذا؟"

"لنعِدها."

حدق بها للحظة.

ثم قال:

"إليان…"

"ماذا؟"

"أنتِ لن تتركي الأمر حتى تفوزي، أليس كذلك؟"

"أبدًا."

ابتسم.

"كما توقعت."

تحركت فجأة.

واختفت من موضعها.

ظهر وميض خافت بين الأشجار.

ثم ظهرت خلفه.

لكن قبل أن تتفاجأ…

كان لوسيان قد استدار.

تراجعت بسرعة.

"لا!"

ضحك.

"محاولة جيدة."

"كيف؟!"

"لأنني أعرفك."

قالها ببساطة.

توقفت أمامه، ثم عقدت ذراعيها.

"هذا غش."

"ليس غشًا."

"أنت تعرف ما سأفعله قبل أن أفعله."

"لأنكِ تفعلين الأمور نفسها منذ سنوات."

عبست أكثر.

"لقد تغيرت."

"أعرف."

ثم نظر إليها للحظة.

كانت ملامحه أكثر هدوءًا حين تأملها.

كانت أمامه ابنته التي كبرت.

لم يعد شعرها القصير الناعم يصل إلى كتفيها كما كان في طفولتها.

بل أصبح طويلًا، أسود، ينساب خلفها تحت المطر.

وظلّت عيناها السوداوان كما هما.

لكن خلف هدوئهما، أصبحت هناك قوة واضحة.

قال لوسيان:

"لقد أصبحتِ قوية."

اختفى العبوس قليلًا عن وجهها.

"حقًا؟"

أومأ.

"جدًا."

ابتسمت.

ثم قالت بسرعة:

"لكنني لم أستطع هزيمتك بعد."

ضحك.

"وما زلتِ تحاولين."

اقترب منها.

ثم فتح ذراعيه واحتضنها.

توقفت إليان لحظة.

ثم ابتسمت رغمًا عنها، وأحاطته بذراعيها.

كان عناقًا هادئًا ودافئًا وسط المطر.

قال لوسيان:

"ومع ذلك…"

"ماذا؟"

"ما زلتِ صغيرة."

فتحت إليان عينيها فورًا.

وابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إليه بصدمة.

"صغيرة؟!"

ابتسم لوسيان.

"بالنسبة إليّ."

وضعت يدها على صدرها باعتراض.

"أبي!"

"ماذا؟"

"لقد بلغت العشرين!"

"أعرف."

"العشرين!"

"وأعرف."

"هذا يعني أنه لا يمكنك الاستمرار في اعتباري طفلة."

رفع حاجبه.

"ولماذا؟"

"لأنني كبرت!"

ضحك.

"هذا أمر لا تقررينه أنتِ."

حدقت فيه.

"إذًا، من يقرر؟"

قال بهدوء:

"أنا."

"أبي!"

ضحك.

"ماذا؟"

أشاحت بوجهها عنه.

"لقد كبرت فعلًا."

"أعرف أنكِ كبرتِ."

عاد صوته أكثر هدوءًا.

"لكن هذا لا يعني أنكِ لن تبقي ابنتي."

سكتت إليان.

ثم نظرت إليه من جديد.

كان المطر قد بدأ يخف.

وأصبح الضباب أرق، إلا أن طرفه البعيد ظل متجمعًا حول الأشجار كأنه يراقبهما.

قال لوسيان:

"هل تذكرين عندما كنتِ في الثالثة؟"

ضحكت.

"لا."

"كنتِ تطيرين في القصر وتخيفين والدتك."

اتسعت عيناها.

"هل ما زالت أمي تتذكر ذلك؟"

"كل يوم تقريبًا."

ضحكت إليان.

ثم قالت:

"وهل ما زالت أمي تتحدث عن الستارة؟"

"بالتأكيد."

ضحكت أكثر.

"كنت صغيرة."

نظر إليها.

"وهكذا كان ينبغي أن تبقي."

قالتها وهي تبتسم:

"لكنني لم أبقَ كذلك."

هز رأسه.

"لا."

ثم وضع يده على رأسها للحظة.

"لقد كبرتِ كثيرًا."

رفعت عينيها إليه.

"ولم أعد أخاف من قدراتي."

"أعرف."

"وأصبحت أتحكم فيها."

"أعرف."

"وأصبحت أسرع منك تقريبًا."

صمت لوسيان.

ثم قال:

"لا تبالغي."

ضحكت.

"إذًا، لقد اعترفت."

"لم أعترف بشيء."

تراجعت خطوة وهي تبتسم.

"سأهزمك يومًا."

قال:

"سأنتظر ذلك اليوم."

نظرت إليه للحظة.

ثم وضعت يدها على قلادتها.

اختفت ابتسامتها قليلًا.

كانت القلادة قد أصدرت ضوءًا خافتًا، ثم خفق الضوء داخلها مرة ثانية، كأنه استجاب لشيء لا يسمعانه.

نظر لوسيان إليها.

"هل حدث ذلك مجددًا؟"

لم تجبه فورًا.

حدقت نحو عمق الغابة.

كان الضباب هناك يتحرك بطريقة غريبة، يتراجع ثم يعود، كما لو أن شيئًا يمر خلفه ببطء.

ومن بين الأشجار، عاد ذلك النداء.

هذه المرة لم يكن خافتًا تمامًا.

كان أقرب إلى همسة طويلة، تنتهي بنبرة تشبه الطرق على باب مغلق.

قالت:

"نعم."

اقترب منها.

"ماذا تشعرين؟"

وضعت يدها فوق القلادة.

كانت دافئة على نحو غير طبيعي، والضوء المحبوس فيها ينبض تحت أصابعها.

"الإحساس نفسه."

"الغابة؟"

أومأت.

"لكن هذه المرة أقوى."

تبادل الاثنان النظرات.

ولأول مرة منذ بدء لعبتهما…

لم يضحك أيٌّ منهما.

كانت هناك لحظة صمت طويلة.

ثم جاء صوت خافت من عمق الضباب.

ثلاث طرقات متباعدة.

توقفت إليان عن التنفس.

لم يكن الصوت صادرًا عن شجرة أو غصن.

كان يحمل الإيقاع نفسه الذي رأته قبل سنوات محفورًا حول رمز الباب.

قال لوسيان:

"لن نذهب إلى هناك وحدنا."

نظرت إليه إليان.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لم تصل إلى عينيها.

"كنت أعلم أنك ستقول ذلك."

تنهد لوسيان.

"وأنا كنت أعلم أنكِ ستقولين هذا."

ثم سار بجانبها عائدًا نحو القصر.

أما إليان، فكانت تنظر إلى الغابة من خلفها.

كلما ابتعدت، خفت الضوء في قلادتها… لكنه لم ينطفئ.

وبقي النداء يتبعها بين الأشجار، لا يُسمع إلا حين تلتفت، كأنه يعرف أنها ستعود.

كانت قد بلغت العشرين.

لم تعد الطفلة التي تحتاج إلى والدها كي يهدئ قوتها.

ولم تعد المراهقة التي تحاول فهم اختلافها.

لقد أصبحت تعرف من تكون.

لكنها لم تكن تعرف بعد…

لماذا بدأ ذلك النداء في الغابة يزداد قوة أكثر من أي وقت مضى.

ولماذا بدأت القلادة تستجيب لها، كما لو أنها كانت تنتظر بلوغها هذا العمر تحديدًا.

ولماذا كانت الطرقات الثلاث تتكرر كلما اقتربت من الضباب.

ولماذا، بعد عشرين عامًا من الهدوء…

كان الضباب يتحرك من جديد نحو المكان الذي ظهر فيه رمز الباب، بينما بدأت خطوطه القديمة تلمع تحت المطر، كأن شيئًا خلفه استيقظ أخيرًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    117

    لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.

  • عروس القصر لأسود    116

    بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟

  • عروس القصر لأسود    115

    بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:

  • عروس القصر لأسود    114

    انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها

  • عروس القصر لأسود    113

    بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث

  • عروس القصر لأسود    112

    كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status