LOGINالفصل السابع وعشرون.
عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واحدًا. ومع ذلك... شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها. كان هناك شيء في تلك الكلمات يجعل قلبها يشعر بالانزعاج. وضعت يدها على الصفحة. وفجأة... اهتزت شعلة الشمعة القريبة. توقفت آريا. نظرت حولها. الغرفة كانت هادئة. هادئة أكثر من اللازم. "هل هناك أحد؟" لم يأتِ جواب. ابتلعت ريقها. ثم حاولت إقناع نفسها. "ربما مجرد هواء." لكن قبل أن تكمل... صدر صوت قوي. تحطمت مزهرية كانت موضوعة على طرف الطاولة بجانبها وسقطت على الأرض. قفزت آريا من مكانها. "آه!" نظرت إلى قطع الزجاج المنتشرة. لم تعرف لماذا، لكن الخوف تسلل إليها للحظة. ليس بسبب المزهرية... بل بسبب الشعور الغريب الذي سبق سقوطها. كأن شيئًا ما كان في الغرفة. شيئًا لا تراه. أغلقت الكتاب بسرعة. "سأقرأه لاحقًا..." قالتها وهي تحاول تهدئة نفسها. وضعت الكتاب جانبًا، ثم بدأت تجمع قطع الزجاج. لكنها لم تنتبه إلى قطعة صغيرة بقيت قريبة من الأرض. وبمجرد أن تحركت... شعرت بألم مفاجئ. توقفت. نظرت إلى قدمها. جرح صغير ظهر بسبب الزجاج. "رائع..." تنهدت. "حتى الزجاج قرر أن يحاربني اليوم." حاولت الضحك لتخفف توترها، لكنها شعرت بشيء آخر. رائحة الدم الخفيفة انتشرت في الغرفة. وفي مكان آخر من القصر... توقف لوسيان فجأة. كان يقف في مكتبه عندما شعر بها. رائحة دم آريا. تغيرت ملامحه فورًا. لكنه لم يتحرك بسرعة كما كان يفعل سابقًا. أغلق عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا. ثم قال بصوت منخفض: "آريا..." وفي نفس اللحظة... داخل غرفة آريا... بدأ الكتاب الأسود يتحرك قليلًا فوق الطاولة. ليس كثيرًا... فقط بما يكفي لتلاحظ آريا ذلك عندما عادت بنظرها إليه. تجمدت. حدقت بالكتاب. ثم اقتربت ببطء. كانت متأكدة... أنها قبل لحظات أغلقته. لكن الآن... كانت الصفحة الأولى مفتوحة. والكلمات الغريبة التي لم تفهمها من قبل... بدأت تظهر بشكل أوضح. وكأن الحبر القديم... استيقظ من جديد. ...... بقيت آريا واقفة أمام الكتاب للحظات طويلة. كانت تحدق بالصفحة المفتوحة، تحاول أن تفهم الكلمات التي ظهرت أمامها، لكن كلما ركزت أكثر... شعرت أن رأسها يزداد ثقلًا. كان هناك شيء غير طبيعي في هذا الكتاب. شيء جعلها تشعر أنها لا تقرأه فقط... بل كأن الكتاب كان يلاحظ وجودها. أغلقت آريا الصفحة بسرعة. "لا." همست لنفسها. "أنا فقط أتخيل." حاولت إقناع نفسها أن كل ما حدث كان بسبب التعب وكثرة التفكير. أمسكت الكتاب بكلتا يديها وأغلقته بإحكام. ثم حملته وابتعدت به عن سريرها. وضعته فوق طاولة بعيدة في زاوية الغرفة، بين مجموعة الكتب الأخرى. نظرت إليه للحظة. "سأفهمك لاحقًا." قالتها وكأنها تتحدث مع شخص. ثم أدارت ظهرها له. لكنها لم تعرف... أن شيئًا ما كان يراقبها. ... بعد ذلك، جلست آريا على طرف السرير ونظرت إلى جرح قدمها الصغير. تذكرت كلام نيكس. "آريا، يجب أن تنتبهي." "لوسيان يسيطر على نفسه، لكن غريزة مصاصي الدماء ليست شيئًا بسيطًا." "رائحة الدم قد تجعله يفقد السيطرة للحظة دون أن يقصد." تنهدت آريا. في البداية كان هذا الكلام يخيفها. لكن الآن... كانت تعرف أن لوسيان لم يحاول أذيتها أبدًا. بل كان دائمًا يبتعد عندما يشعر بالخطر. "هو يخاف أن يؤذيني أكثر مما أخاف أنا منه..." قالتها بهدوء. ثم ابتسمت قليلًا. "هذا غريب." أخذت قطعة قماش صغيرة ونظفت الجرح بعناية، ثم وضعت عليه العلاج الذي أعطتها إياه نيكس. بعدها ارتدت ملابس النوم واستلقت فوق السرير. كان القصر هادئًا. هادئًا لدرجة أنها بدأت تسمع صوت الرياح خارج النافذة. أغمضت عينيها. وبعد دقائق... بدأت أفكارها تصبح أبطأ. فكرت بالحديقة. بنيكس. بريفِن الذي يشتكي دائمًا. وبلوسيان... ذلك الشخص الغامض الذي لم تستطع فهمه. ثم غلبها النوم. ... في منتصف الليل... كان القمر عاليًا فوق القصر الأسود. وساد الصمت في كل مكان. إلا داخل غرفة آريا. على الطاولة البعيدة... بدأ الكتاب الأسود يتحرك ببطء. لم يكن هناك أحد بالقرب منه. لا يد فتحته. ولا رياح قوية حركته. لكن الغلاف انفتح وحده. تقلبت الصفحات ببطء... حتى توقفت عند صفحة فارغة. لبضع ثوانٍ... لم يحدث شيء. ثم بدأ الحبر يظهر. ببطء شديد. كأن يدًا غير مرئية تكتب. ظهرت حروف غريبة أولًا. ثم بدأت تتحول إلى كلمات مفهومة. وفي منتصف الصفحة... ظهر اسم واحد. آريا. كان مكتوبًا بلون أحمر داكن. وبجانبه ظهرت كلمة واحدة فقط: الموت. بقيت الصفحة هكذا للحظات. ثم بدأ الحبر يختفي. اختفى الاسم. اختفت الكلمة. وعاد الكتاب كما كان... وكأن شيئًا لم يحدث. ... في الصباح التالي، لم تكن آريا تعلم شيئًا عن الليلة الماضية. لم تكن تعرف أن كتابًا قديمًا في قصر مصاصي الدماء كتب اسمها. ولم تكن تعرف أن تلك النبوءة التي يبحث عنها الجميع... بدأت تتحرك من جديد. أما في مكان آخر من القصر... كان لوسيان يقف أمام النافذة. وشعر فجأة بإحساس غريب. إحساس لم يستطع تفسيره. وكأن شيئًا قديمًا جدًا... استيقظ.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







