Masukالفصل الواحد والثلاثون
بقيت آريا تحدق بلوسيان لثوانٍ، تحاول أن تتذكر ما حدث. كان رأسها ثقيلًا، وجسدها يشعر بتعب غريب، وكأنها نامت لأيام طويلة. رفعت يدها قليلًا نحو جبينها. "أشعر وكأنني لم أنم منذ أسبوع..." اقترب لوسيان خطوة. "لأنكِ لم تستريحي كما يجب." نظرت إليه باستغراب. "لكنني كنت نائمة." "النوم وحده لا يكفي." قالها بجدية جعلتها تبتسم رغم تعبها. "أنت تتحدث وكأنك طبيب." رفع حاجبه. "أنا أعيش منذ قرون، أظن أن لدي بعض الخبرة." ضحكت آريا ضحكة خفيفة، لكن سرعان ما تغيرت ملامحها عندما شعرت بالدوار. لاحظ لوسيان ذلك فورًا. مد يده نحو كتفها وساعدها على الاستلقاء من جديد. "لا تتحركي." نظرت إليه. "لكنني بخير." "آريا." كانت نبرته هادئة... لكنها لم تترك مجالًا للنقاش. استسلمت واستلقت على الوسادة. "حسنًا..." سحبت الغطاء قليلًا حولها. وقفت نيكس بجانب السرير وهي تراقبهما بابتسامة صغيرة. قالت: "يبدو أن أحدهم أصبح جيدًا جدًا في إعطاء الأوامر." التفت إليها لوسيان بنظرة تحذيرية. لكن آريا ابتسمت. "إنه فعلًا كذلك." نظر إليها. "وأنتِ لا تساعدين نفسك." ضحكت بهدوء. ثم سألت: "هل بقيت هنا طوال الوقت؟" صمت لوسيان لحظة. "لا." رمشت. "حقًا؟" "كنت مشغولًا." رفعت حاجبها. "بماذا؟" تدخلت نيكس بسرعة وهي تخفي ابتسامتها: "كان مشغولًا جدًا بالوقوف أمام نافذتك." التفت إليها لوسيان ببطء. "نيكس." ضحكت. "حسنًا، حسنًا." أما آريا... فبدأت تنظر إليه باستغراب. "كنت تراقبني؟" لم يجب مباشرة. نظر بعيدًا. "كنت أتأكد من أنكِ بخير." ساد صمت قصير. ثم ابتسمت آريا ابتسامة صغيرة. "شكرًا." نظر إليها. كانت كلمة بسيطة جدًا... لكنها جعلته يشعر بشيء غريب في صدره. أبعد نظره عنها. "فقط ارتاحي." "وإذا شعرت بالجوع؟" "نيكس ستعتني بك." نظرت آريا إلى نيكس. "وإذا مللت؟" قال لوسيان ببرود: "نامي." ضحكت. "هذه ليست إجابة." اقترب من الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها مرة أخرى. "آريا." "نعم؟" قال بجدية: "لا تحاولي القيام بأي شيء اليوم." عبست. "حتى لو أردت قراءة كتاب؟" "لا." "تنظيف الغرفة؟" "لا." "الذهاب إلى الحديقة؟" "قطعًا لا." وضعت يدها على صدرها بتعبير مصدوم. "أنت تمنعني من كل شيء!" ظهر على وجهه شيء يشبه الابتسامة الخفيفة. "لأنكِ بطريقة أو بأخرى تنتهين دائمًا وأنتِ مصابة." ضحكت آريا. "هذا ليس ذنبي." "أعرف." قالها بهدوء. ثم خرج من الغرفة. لكن بعد أن أغلق الباب... بقي واقفًا للحظة في الممر. وضع يده على صدره. كان يعرف أنه لم يعد يستطيع إقناع نفسه بأن وجود آريا في القصر مجرد جزء من اتفاق قديم. شيء ما تغير. وهو لم يكن مستعدًا بعد للاعتراف بما يعنيه ذلك. ---- بقيت آريا في غرفتها كما طلب منها لوسيان، مستلقية على السرير بينما كانت نيكس تجلس قرب النافذة وتراقبها. بعد لحظات، وضعت آريا يدها على بطنها وقالت بصوت خافت: "نيكس..." التفتت إليها. "ماذا؟" "أشعر بالجوع." ابتسمت نيكس. "كنت أعلم أنك ستقولين ذلك." نهضت من مكانها ورتبت شعرها. "سأذهب إلى المطبخ وأحضر لك شيئًا." رفعت آريا رأسها بسرعة. "أريد شيئًا دافئًا." "حسنًا." ثم أضافت آريا بتردد: "ويفضل أن يكون لذيذًا." ضحكت نيكس. "سأبذل جهدي." وغادرت الغرفة. لكنها لم تصل إلى المطبخ وحدها. فقد كان ريفِن موجودًا هناك أصلًا، جالسًا على طرف الطاولة، يقلب إحدى الملاعق بين أصابعه وكأنه جاء فقط ليزعجها. ما إن رآها حتى ابتسم. "أخيرًا." نظرت إليه نيكس. "ماذا تريد؟" "لا شيء." "ريفِن." "قلت لا شيء." وضعت نيكس بعض المكونات على الطاولة. "سأعد الطعام لآريا." اقترب ريفِن منها. "وماذا ستطبخين؟" أجابت دون أن تنظر إليه: "حساء." هز رأسه. "حسنًا." ثم سأل بفضول: "حساء ماذا؟" توقفت نيكس عن تقطيع المكونات. نظرت إليه ببطء. وظهرت ابتسامة خبيثة على وجهها. "حساء بلحم الغربان." تجمد ريفِن. تمامًا. توقفت الملعقة بين أصابعه. حدق بها للحظات وكأنه يحاول التأكد من أنه سمع بشكل صحيح. "...ماذا؟" ابتسمت نيكس ببراءة. "قلت حساء بلحم الغربان." اتسعت عيناه. "الغربان؟" "نعم." تراجع خطوة. "لكن... لماذا الغربان؟" رفعت كتفيها. "لأنني سمعت أن طعمها—" "توقفي!" انفجرت نيكس بالضحك. "يا إلهي! كان يجب أن أرى وجهك!" وضع ريفِن يده على صدره. "أنتِ شريرة." اقتربت منه وهي تضحك. "كنت أمزح." "مزحة سيئة جدًا!" "لكنها نجحت." نظر إليها بحذر. "ماذا ستطبخين فعلًا؟" أجابت: "حساء بالخضار واللحم." تنفس ريفِن براحة. "الحمد لله." ثم أضاف وهو ينظر إليها: "لثانية واحدة ظننت أنني سأكون العشاء." رفعت نيكس حاجبها. "ومن قال إنك لن تكون؟" تجمد مرة أخرى. "نيكس!" ضحكت وهي تعود إلى إعداد الطعام. "اهدأ، أيها الغراب." اقترب منها ريفِن وهمس: "أنتِ تستمتعين بإخافتي." نظرت إليه بابتسامة. "ربما." ثم أضافت: "خصوصًا عندما تكون ملامحك مضحكة هكذا." حاول أن يبدو غاضبًا، لكنه لم يستطع منع ابتسامته. وفي تلك اللحظة، ظهر صوت آريا من باب المطبخ: "هل الطعام جاهز؟" التفت الاثنان إليها. رغم شحوب وجهها الخفيف إلا أنها كانت قد نهضت وكأنها لم تكن على حافت الموت . هزت نيكس رأسها بي استسلام. ثم ابتسمت نيكس. "تقريبًا." أما ريفِن... فكان لا يزال ينظر إليها بجدية. اقتربت آريا منه. "ما بك؟" أشار إلى نيكس. "هذه المرأة حاولت إقناعي قبل قليل بأنها ستطبخني." فتحت آريا فمها بدهشة، ثم نظرت إلى نيكس. "حقًا؟" ضحكت نيكس. "كنت أمزح!" ابتسمت آريا. "ريفِن... أنت سهل التخويف جدًا." وضع يده على قلبه بتعبير درامي. "أنا أعيش مع وحوش." ومن خلفه، قالت نيكس: "وأنا أسمعك." استدار إليها بسرعة. "لم أقصد شيئًا!" ضحكت آريا، بينما بدأت نيكس تضع الحساء في الأطباق. وللمرة الأولى منذ أن دخلت آريا القصر... امتلأ المطبخ بالضحكات بدل الصمت. وفي مكان بعيد من القصر، كان لوسيان يسمع أصواتهم. رفع عينيه عن الكتاب الذي كان يقرأه. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة جدًا. حتى هو بدأ يعتاد... على أن يكون القصر مليئًا بالأصوات.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







