Share

34

last update publish date: 2026-08-21 20:55:02

الفصل الرابع والثلاثون.

كانت آريا لا تزال تنظر باتجاه لوسيان.

كان واقفًا قرب النهر، وظهره لها، يراقب المياه بصمت.

لم تفهم سبب ابتعاده فجأة.

وضعت الطبق جانبًا ونهضت بهدوء، ثم مشت نحوه.

عندما وصلت، وقفت بجانبه على مسافة قصيرة.

"لوسيان؟"

لم ينظر إليها.

"ماذا؟"

ترددت قليلًا.

"هل قلت شيئًا أزعجك؟"

ظل صامتًا للحظات.

ثم قال دون أن ينظر إليها:

"هل كنتِ ستتزوجين ذلك الصبي؟"

رمشت آريا.

"أي صبي؟"

التفت إليها أخيرًا.

"جاك."

اتسعت عيناها بدهشة.

"جاك؟"

أومأ.

"نعم. جاك."

لم تفهم سبب السؤال أصلًا.

"لماذا تسألني عنه؟"

قال ببرود:

"أجيبي فقط."

بقيت تنظر إليه للحظات، ثم قالت:

"جاك كان صديق طفولتي."

سكتت قليلًا.

"كنا نكبر معًا، ونلعب معًا، وكان دائمًا يساعدني عندما أحتاجه..."

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"لكنه لم يكن شخصًا سأتزوجه."

تغيرت نظرة لوسيان قليلًا.

"لم تكوني تريدينه؟"

ضحكت آريا باستغراب.

"لا!"

ثم أضافت:

"كان مثل أخي تقريبًا."

هدأ وجه لوسيان للحظة، لكنه سرعان ما أخفى ذلك.

استدار نحوها بالكامل.

"ولو لم يختفِ؟"

نظرت إليه.

"ماذا؟"

"لو بقي جاك في القرية..."

توقف لحظة، ثم تابع:

"هل كنتِ ستبقين هناك؟"

أومأت دون تردد.

"طبعًا."

بقي ينظر إليها.

ثم قال بصوت أكثر جدية:

"إذن لولا الاتفاق الذي عقده والدك..."

توقف.

أكملت آريا عنه بهدوء:

"لما جئت إلى هنا."

صمت.

ثم أومأت.

"نعم."

كانت الإجابة بسيطة جدًا.

لكنها جعلت شيئًا ما يتغير في عينيه.

نظر إلى النهر.

ثم قال:

"فهمت."

استدارت آريا نحوه.

"لوسيان، أنا لم أقصد—"

"لا بأس."

ثم ابتعد عنها.

"لوسيان!"

لم يلتفت.

ناداه ريفِن من بعيد:

"إلى أين أنت ذاهب؟"

توقف لوسيان لحظة.

"سأعود إلى القصر."

نظر ريفِن إلى آريا ثم إليه باستغراب.

"الآن؟"

"نعم."

وقبل أن يستطيع أحد قول شيء آخر، بدأ جسده يتحول إلى ضباب شفاف، امتزج بالهواء للحظات، ثم اختفى بين الأشجار.

بقيت آريا واقفة مكانها.

حدقت في المكان الذي اختفى فيه.

ثم تمتمت:

"ما الذي حدث له فجأة؟"

اقترب ريفِن منها بحذر.

"لا أعرف."

نظرت إليه.

"أنت تعرفه أكثر مني."

تنهد ريفِن.

"أعرفه، نعم... لكن أحيانًا هو نفسه لا يفهم ما الذي يفعله."

نظرت آريا إلى النهر من جديد.

ولسبب لم تستطع تفسيره...

شعرت بأن كلمتها الأخيرة قد جرحت لوسيان بطريقة لم تكن تقصدها.

أما في طريق العودة إلى القصر...

كان لوسيان يتحرك بسرعة بين الأشجار داخل ضبابه.

وكان سؤال واحد فقط يتكرر في رأسه:

لماذا أزعجني أن أعرف أنها كانت ستبقى مع شخص آخر لو لم تأتِ إلى هنا؟

.......

ابتعد لوسيان، لكن آريا بقيت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه للحظات.

كان في داخلها شعور غريب، وكأنها قالت شيئًا لم يكن يجب أن تقوله، رغم أنها لم تفهم ما الخطأ في كلامها.

تنهدت بهدوء، ثم هزت رأسها.

"لا أريد أن أفسد عليهم النزهة."

استدارت وعادت نحو نيكس وريفِن.

كان ريفِن قد بدأ يجمع الأطباق، بينما كانت نيكس تجلس قرب النار وتراقب المياه.

ما إن رأتا آريا حتى ابتسمت نيكس.

"هل كل شيء بخير؟"

ابتسمت آريا.

"نعم."

لم ترغب في الحديث عما حدث.

جلست بجانب نيكس، ومدت قدميها نحو العشب الناعم.

كان الهواء باردًا ومنعشًا، وأصوات الطيور تملأ المكان.

قال ريفِن وهو يرفع أحد الأطباق:

"بالمناسبة، هل يمكنني أخذ ما تبقى من الطعام؟"

نظرت إليه نيكس.

"ألم تقل إنك شبعت؟"

"كنت مخطئًا."

ضحكت آريا.

"أنت تأكل أكثر مما تتحدث."

رفع ريفِن حاجبه.

"وهذا إنجاز."

ضحكت نيكس.

"لا، هذا خطر على مخزون الطعام في القصر."

نظر إليها ريفِن بتظاهر بالاستياء.

"يا قطة، أنتِ دائمًا ضدي."

ابتسمت نيكس.

"وأنت دائمًا تستحق ذلك، أيها الغراب."

ابتسم ريفِن رغمًا عنه.

أما آريا فوضعت يدها على فمها وهي تضحك.

"أنتما غريبان جدًا."

قالت نيكس:

"نحن؟"

أجاب ريفِن:

"هي التي بدأت."

"كاذب."

"قطة."

"غراب."

انفجرت آريا بالضحك.

حتى ريفِن لم يستطع الحفاظ على ملامحه الجادة.

بعد قليل، قررت آريا أن تساعد في ترتيب المكان.

جمعت بعض الأطباق، بينما حمل ريفِن البطانية، وراحت نيكس تطفئ النار بحذر.

ثم جلسوا جميعًا قرب النهر مرة أخرى.

وضعت آريا رأسها على ركبتيها، وأخذت تراقب انعكاس السماء على سطح الماء.

قالت بهدوء:

"أعتقد أنني كنت بحاجة إلى هذا."

نظرت إليها نيكس.

"إلى ماذا؟"

"إلى يوم لا أفكر فيه بالقصر... ولا بالاتفاق... ولا بكل الأشياء الغريبة التي حدثت."

ابتسمت نيكس.

"إذن لا تفكري بها."

رفعت آريا عينيها إليها.

"سأحاول."

مد ريفِن يده وأعطاها تفاحة.

"خذي. التفكير يجعل الإنسان جائعًا."

ضحكت.

"أنت لديك حل واحد لكل شيء."

"الطعام يحل معظم المشاكل."

قالت نيكس:

"وهذا يفسر لماذا أنت لا تملك أي مشاكل."

نظر إليها ريفِن بثقة.

"بالضبط."

ضحكت آريا من جديد.

وبينما كانت الشمس تتحرك ببطء خلف الأشجار، بقي الثلاثة يتحدثون ويضحكون.

ولم يعرفوا أن لوسيان، رغم عودته إلى القصر، لم يكن بعيدًا تمامًا.

كان يقف في إحدى شرفات القصر وينظر نحو الغابة بصمت.

وحين سمع ضحكة آريا تصل إليه مع الريح...

لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه.

ربما لم يكن يحب الضجيج.

لكن...

وجودها في القصر جعله يكتشف أن الصمت الذي عاش فيه لسنوات لم يكن دائمًا شيئًا جيدًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status