FAZER LOGINالفصل الثاني والتسعين
مرّت ثلاثة أشهر منذ ذلك اليوم الذي تغيّرت فيه حياة آريا ولوسيان إلى الأبد. ثلاثة أشهر كاملة... وللمرة الأولى منذ وقت طويل، بدا أن القصر الأسود قد نسي معنى الخطر. لم تعد أصوات القتال تُسمع في الممرات، ولم يظهر كاسيان مجددًا، ولم تصل أي أخبار غريبة من خارج القصر. كان الجميع يعيشون بهدوء. حتى القصر نفسه بدا وكأنه استسلم لهذه الراحة. كانت آريا تقضي معظم أيامها مع كريستين، تتعلم المزيد عن عالم مصاصي الدماء، بينما كان لوسيان يقضي وقته بين القصر والغابة المحيطة به. أما نيكس وريفين... فقد حدث معهما شيء لم يتوقعه أحد. لقد تزوجا. وبعد شهر واحد فقط من زواجهما، جاءت نيكس إلى القصر ذات صباح وهي تحمل على وجهها ابتسامة غريبة. كانت كريستين جالسة في المكتبة عندما دخلت نيكس، بينما كان ريفين يسير خلفها. رفعت كريستين رأسها. "ما الأمر؟ تبدين سعيدة جدًا." نظرت نيكس إلى ريفين. ثم وضعت يدها على بطنها بابتسامة خجولة. "هناك شيء نريد إخباركم به." اتسعت ابتسامة كريستين. "ماذا؟" قالت نيكس: "سأصبح أمًا." ساد الصمت. ثانية... ثانيتان... ثلاث. ثم شهقت كريستين بسعادة. "حقًا؟!" أومأت نيكس. "نعم." اقتربت كريستين منها واحتضنتها. أما ريفين فكان واقفًا في مكانه وكأنه لم يستوعب الخبر حتى الآن. التفت إليه لوسيان الذي كان قد دخل للتو. "ما بك؟" نظر ريفين إليه. ثم قال بجدية شديدة: "أنا... سأصبح أبًا." صمت لوسيان. ثم ابتسم. "مبروك." لكن ريفين ظل ينظر أمامه. "أبًا؟" قالت نيكس: "نعم، أبًا." وضع ريفين يده على رأسه. "أنا لست مستعدًا." ضحكت نيكس. "ولا أنا." "لكنني حتى لا أعرف كيف أحمل طفلًا!" ضحكت كريستين. "ستتعلم." نظر ريفين إلى لوسيان. "هل تعرف أنت كيف؟" توقف لوسيان. ثم قال بصدق: "لا." ساد الصمت مجددًا. ثم انفجرت نيكس وكريستين بالضحك. حتى آريا التي كانت تقف عند باب المكتبة ضحكت. قالت: "أعتقد أن هذا الطفل سايتعب منكم." رد ريفين: "وأعتقد أنه سيكبر ويترك القصر من أول يوم." قالت نيكس: "ريفين!" ضحك الجميع. وكانت تلك الفترة من أجمل الفترات التي عاشها القصر منذ زمن طويل. لكن... لم يكن لوسيان مرتاحًا تمامًا. رغم كل شيء، كان يشعر بأن هذا الهدوء غريب. منذ آخر مرة ظهر فيها كاسيان، لم يحدث أي شيء. وهذا تحديدًا ما كان يقلقه. كان يعرف أن كاسيان لا يتراجع بسهولة. وفي كل مرة كان ينظر إلى آريا، كان يشعر بذلك القلق نفسه يعود. لكن الحياة استمرت. حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء. --- كانت آريا في المطبخ مع نيكس. كانت تساعدها في ترتيب بعض الأشياء، بينما كانت نيكس تتحدث بحماس عن المستقبل. "أريد أن تكون غرفة الطفل قريبة من غرفتنا." قالت آريا: "وأعتقد أنك ستغرقينه بالهدايا." "طبعًا!" ضحكت آريا. لكن فجأة... توقفت. تغيرت ملامحها. وضعت يدها على طرف الطاولة. "آريا؟" قالت نيكس باستغراب. "ما بك؟" لم تجب. شعرت آريا بأن المكان يدور حولها. "أنا... أشعر بالدوار." نهضت نيكس بسرعة. "آريا!" لكن قبل أن تصل إليها... أغمضت آريا عينيها وفقدت وعيها. "آريا!" سقطت الكلمات من فم نيكس مذعورة، وقبل أن تتمكن من فعل شيء، وصل صوت خطوات سريعة من الممر. كان لوسيان. دخل المطبخ في لحظة، وعندما رأى آريا فاقدة للوعي، تغير وجهه تمامًا. "آريا!" اندفع إليها، وانحنى بجانبها وهو يحاول التأكد من أنها بخير. "افتحي عينيك..." كان صوته يحمل خوفًا واضحًا. وصل والد آريا بعدها بلحظات، وكذلك كريستين. تجمع الجميع حولها. قال والدها بقلق: "ماذا حدث لها؟!" أجاب لوسيان: "لا أعرف." كانت يداه ترتجفان رغم محاولته إخفاء ذلك. اقتربت كريستين منهما. "اهدؤوا." ثم انحنت نحو آريا، وراقبتها للحظات. وضعت يدها بالقرب منها. وبقيت صامتة. ثم... تغيرت ملامحها. اتسعت عيناها قليلًا. وبدأت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهها. نظر إليها لوسيان باستغراب. "لماذا تبتسمين؟" رفعت كريستين رأسها ونظرت إليه. "أنت لم تشم الرائحة." حدق بها. "أي رائحة؟" اقتربت منه وضربت كتفه بخفة. "أيها الأحمق..." قالتها وهي تضحك. "ألم تلاحظ شيئًا مختلفًا في آريا؟" ظل لوسيان ينظر إليها بحيرة. "مختلفًا ماذا؟" نظرت كريستين إلى آريا، ثم إلى لوسيان. وكانت ابتسامتها هذه المرة أكبر. "ستصبح أبًا." تجمد لوسيان. لم يتحرك. لم يتكلم. حتى بدا وكأن الكلمات لم تصل إليه. "ماذا...؟" ضحكت كريستين. "سمعتني." اقترب لوسيان من آريا، ثم نظر إليها وكأنه يحاول استيعاب الأمر. "آريا..." ابتلع ريقه. "هل أنتِ متأكدة؟" أومأت كريستين. "نعم." وفي تلك اللحظة، وصل ريفين ونيكس إلى المكان. قال ريفين: "ماذا حدث؟" التفتت كريستين نحوهما. ثم قالت بابتسامة: "يبدو أن عائلتنا ستكبر مرة أخرى." فتحت نيكس فمها بدهشة. ثم نظرت إلى آريا. "لا!" ضحكت بسعادة. "هل هي...؟" أومأت كريستين. قفزت نيكس من مكانها. "آريا!" أما ريفين فنظر إلى لوسيان. ثم ابتسم. "مرحبًا بك في نادي الآباء." رفع لوسيان عينيه إليه، وكأنه ما زال تحت تأثير الصدمة. "أنا..." توقف. ثم نظر مرة أخرى إلى آريا. ظهرت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها. "سأصبح أبًا." كانت الكلمات بسيطة. لكنها خرجت منه وكأنه يكتشف معنى جديدًا للحياة. اقترب والد آريا، ووضع يده على كتفه. "مبروك." أما لوسيان فبقي ينظر إلى آريا. كل أحلام المستقبل التي تحدثا عنها في ذلك الصباح البعيد... بدت الآن أقرب من أي وقت مضى. لكن في أعماقه، بقي ذلك الشعور الغريب. ذلك الهدوء الطويل. وتلك الذكرى التي لم تختفِ. كاسيان. لم يكن لوسيان يعرف لماذا... لكن جزءًا منه كان يشعر أن هذا الخبر السعيد لن يمرّ من دون أن يوقظ شيئًا آخر. شيئًا كان ينتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







