로그인الفصل الخامس :القسم الأول.
ما إن غادر كلاي القصر وسُمع دويّ عجلات سيارته تنهش الأسفلت بالخارج، حتى تحركت أماندا بآلية سريعة رغم الألم الذي كان ينهش جسدها المتعب. التقطت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الأرض بقلة ترتيب، وبأصابع ترتجف غضباً ونقمة، اتصلت بوالدها "أليخاندرو". لم تنتظر حتى ينطق بكلمة ترحيب واحدة؛ بل صبت حمم كلماتها المستعرة دفعة واحدة: «أبي! لقد ضربني! ضربني.. أتسمع؟! أمام عائلته والخدم كأنني بلا ثمن أو كرامة! هل تقبل أن أُضرب أنا.. ابنتك أماندا؟ هل زوجتني له لينتقم لتلك الخائنة مني؟! إن لم تأتِ اليوم وتضع له حداً صارماً ليعلم أن خلفي رجالاً يحمونني، فسيتمادى أكثر فأكثر. أجل، اضطرتني الظروف للزواج منه كصفقة عائلية، لكن ذلك لا يعني أنني عبدة مسبية عنده يبيح لنفسه استباحتها وضربها، وتفريغ أمراضه النفسية وجنونه بها!» أحست بصمته الثقيل عبر الهاتف، واستشعرت مقدار انزعاجه وغليانه خلف الخط. فالمرأة في عائلة أليخاندرو خط أحمر لا يُسمح بإهانتها أبداً؛ ورغم أن والدها كان متسلطاً وذا جفاء مع أمها، إلا أن النساء في عائلتهم كنّ قويات لأن رجالهن يمنحونهن النفوذ في الساحة الخارجية. كانت المعادلة في عائلتها غريبة: الرجال متسلطون على نسائهم بالداخل، لكن نساء العائلة متسلطات بكبريائهن أمام الغرباء، وضرب المرأة بالنسبة لهم عار لا يمكن قبوله أو التغاضي عنه. ولم تكن أماندا بالمرأة التي تقبل قلة الاحترام أو تعيش مكسورة. كان عليها أن تضع حداً كبيراً تضمن به أن والدها سيندفع بكل قوته وجيشه ليردع كلاي. لذا، رمت ورقتها الرابحة والأخيرة بنبرة مهددة زلزلت الخط: «إن لم تتدخل يا أبي وتأتي إلى هنا الليلة ومعك جيش من رجالك المسلحين لتضع له حداً ينتهي عنده هذا الجنون.. سأتصل بأخي في الخارج! أنت تعلم جيداً كم يحبني، وإذا علم أنني زُوّجت غصباً برجل مريض يمد يده عليّ، سيأتي فوراً ويقلب الدنيا فوق رؤوس الجميع، وأولهم أنت! وأنت تعلم جيداً أنني لن أمنعه, بل سأدفعه ليقتله إذا لزم الأمر.. سأحرق نفسي ويحترق هذا العالم إن اضطررت، على أن أعيش خاضعة مكسورة هكذا!» أنهت المكالمة بعنف ورمت الهاتف على الفراش الوثير، زافرة بحدة تنين جريح. لن تسمح لنفسها بأن تكون ضحية؛ لقد جردت والدها من حساباته السياسية وخنوعه عبر التهديد بشقيقها المتهور. الآن، سيعلم كلاي أن لها حدوداً لا يتجرأ على تجاوزها... إنها عملية تربية وترويض قاسية للوحش. وفي الجانب الآخر من الصخب الصاخب للمدينة، كان كلاي ينهي أعماله بالخارج، متنقلاً بين الصفقات المشبوهة والاجتماعات الطارئة. لكن حركته اليوم خلفت وراءها كماً هائلاً من الجثث والجرحى في السوق؛ فلم يكن بمزاج يسمح بالتفاوض على الإطلاق، بل كان يتصرف كقنبلة موقوتة تنفجر بوحشية في وجه أي أحد. حاول إيفان مراراً وتكراراً إقناعه بأن يترك إدارة أعمال اليوم له وأن يعود للقصر ليرتاح، لكن كلاي رفض بعناد ووحشية مفرطة، وكأنه يفرغ طاقة الغضب الأسود الكامنة داخله على كل من يقع في طريقه. وفي آخر اجتماع لهما مع كبار الحلفاء، أطلق كلاي الرصاص بدم بارد على رأس أحد رجال الأعمال بمجرد أن الرجل تأخر ثوانٍ معدودة في الإجابة عن سؤاله! كان الوضع حرجاً للغاية ويدق ناقوس الخطر؛ وبينما كانت جثة الرجل الهامدة قد سقطت بعنف على طاولة الاجتماعات والدماء تسيل بغزارة فوق أوراق الصفقة الحيوية، تجمد بقية الحلفاء في مقاعدهم من الرعب والشلل التام. تحرك إيفان بكل بروده المعهود وسحب مناديل ورقية بنعومة، مسح ببطء شديد قطرات الدم التي تطايرت على بدلته، ثم التفت نحو الحلفاء المذعورين وقال بنبرة هادئة ورسمية للغاية: «السيد الراحل أخذ وقتاً أطول من المسموح للإجابة، للأسف.. فقد تم خصم وقته بالكامل من الحياة! والآن.. هل يود أحدكم الإجابة عن السؤال التالي بسرعة وبإيجاز؟» بسرعة جنونية وهستيرية بدؤوا يوقعون على الأوراق خوفاً من أن يطالهم الدور. في تلك الأثناء، همس إيفان لـكلاي بفحيح منخفض ومحنك: «تباً لك يا زعيم.. إذا استمررت في التصرف بهذا الشكل بسبب مزاجك اللعين هذا، فسوف نضطر لعقد اجتماعنا القادم مع حلفائنا في المقابر! أهذا ما تريده حقاً؟» وفي تلك الأثناء التي وطئت فيها أقدامهم أرض المقر الرئيسي للشركة، كانت خطيبته السابقة—التي تركها وتخلى عنها بسبب الفضيحة المدوية التي دبرتها أماندا في الماضي—تجلس في صالة الاستقبال منتظرة مجيئه بفارغ الصبر. وما إن رأت كلاي يدخل متجاهلاً وجودها كلياً، حتى هرولت خلفه مباشرة مقتحمة مكتبه الخاص، ودموعها تسيل بغزارة وهي تتوسل بضعف وانكسار تذوب له القلوب بعد أن أدركت أمر زواجه الرسمي من أماندا: «كلاي! أرجوك لا تتركني... قل لي إن هذا الزواج مجرد كابوس سخيف! أرجوك، لا أريد خسارتك.. لقد سامحتك على كل شيء، فأرجوك سامحني أنت! أنا آسفة، أعلم أنني أخطأت بالدخول إلى ذلك الاجتماع وتجاوزت حدودي.. لكنني لم أتحمل رؤية ذلك! أرجوك عد لي!» كان كلاي يراقب انهيارها بعينين صقريتين ميتتين وخاليتين من أي عاطفة. نظر إليها ببرود أشد من صقيع سيبيريا، ونطق بنبرة جافة وقاطعة: «أنتِ لا تلزمينني بعد فعلتكِ تلك.. غادري.» التفت كلاي برأسه نحو ذراعه اليمنى وقال باقتضاب وجفاء: «إيفان.. خذها وأوصلها إلى منزلها فوراً، صوتها يثير صداعي.» تقدم إيفان ليقبض على ذراعها ويسحبها بإنفاذ هادئ وحازم، لكنها تشبثت بالباب، والتفتت تصرخ بهستيرية وهي تنظر إلى كلاي بأمل مفقود: «لا! اتركني! انظر إليه يا إيفان! انظر له كم يبدو متعباً ومحطماً بدوني! الدماء تملأ ملابسه وجسده، هذه هي عادته دائماً حين يكون مقهوراً ومحروقاً من الداخل!» انفجرت في بكاء صارخ، وأفلتت من يد إيفان لتنزل إلى الأرض وتتوسل بجوار قدمي كلاي بذلّ وانكسار تام: «لكنه يكابر الآن.. يكابر فقط لأنني عصيت كلامه! أرجوك يا كلاي.. أرجوك سامحني!» كان كلاي يحدق بجسدها المنهار عند أقدامه بعينين باردتين تملؤهما الكراهية والقرف. الحقيقة الساخرة والقاتلة.. أن كلاي كان يحاول جاهداً في عقله المزدحم بالكوارث أن يتذكر ما كان اسمها أصلاً! طوال فترة خطبتهما، لم يكلف نفسه عناء مناداتها باسمها الحقيقي، بل كان يخاطبها بـ "حبيبتي" ككلمة روتينية باردة لتسيير البروتوكول فحسب. والمرأة التي تظن نفسها محور كونه لا تمتلك حتى اسماً في ذاكرته. انحنى إيفان وسحبها بحدة من يديها وهو يقول محاولاً إنهاء المشهد: «لا تقلقي عليه كثيراً.. فالزعيم ينسى بسرعة. اسأليه الآن، هو لا يذكر حتى اسم الصفقة التي كان يوقعها قبل قليل! يومين أو ثلاثة وسوف تصبحين مثل هذه الصفقة منسية تماماً.. هيا بنا.» بالعودة إلى القصر الموحش، كانت أماندا تجلس في غرفتها المغلقة بعد أن أصدر كلاي أمراً صارماً للخدم بمنع الطعام والماء عنها كعقاب أولي. وفجأة، سُمع صوت تكة خفيفة عند قفل الباب. فُتح الباب ببطء، وتسللت منه "سيلين" الشابة ذات السبعة عشر عاماً، والتي نجحت في سرقة نسخة احتياطية من المفاتيح سراً، مدفوعة بفضول عارم للتعرف على هذه المرأة الشرسة التي صدمت العائلة بصفع شقيقها الطاغية. دخلت سيلين وأغلقت الباب، لكن خطوتها تيبست وخرجت منها شهقة رعب مكتومة حين وقعت عيناها على أماندا. كان منظر أماندا مهيباً؛ كانت تجلس بكبرياء على طرف الفراش، شعرها البرونزي مبعثراً بوحشية، وثوبها الفاخر يحمل آثار تمزق عند الكتف. شفتها السفلية كانت مشقوقة وتنزف دماً خفيفاً، وبشرتها البيضاء حملت كدمة أرجوانية داكنة على طول فكها من آثار أصابعه القوية. ورغم هذه الدماء والآثار، كانت عيناها تلمعان ببريق حاد وشرس كأفعى ترفض الموت. تقدمت سيلين بخطوات مرتعشة وقالت بهمس مضطرب: «يا إلهي.. لقد علمتُ أنه ضربكِ بالأسفل، لكنني لم أتخيل الأمر لهذا الحد! هل يؤلمكِ؟ أأنتِ حقاً لستِ خائفة منه؟» نظرت إليها أماندا بعينين حادتين وقاطعتها بنبرة جافة: «من أنتِ؟ وكيف تتجرئين وتدخلين إلى هنا؟» أجابت سيلين بهمس: «أنا سيلين.. شقيقة كلاي الصغرى. سرقتُ المفاتيح لكي أراكِ بنفسي.. لم تجرؤ امرأة واحدة في تاريخ هذه العائلة على فعل ما فعلتِهِ بأخي الطاغية! أنتِ لا تعرفين شيئاً عن ماضيه.. هو لم يتزوج هيلين أو ينجب منها طفلاً لأنه أحبها يوماً..» تابعت سيلين بثرثرة عفوية وخفضت صوتها: «القصة وما فيها أنه حين كان مراهقاً طائشاً في السابعة عشرة من عمره، نام مع ابنة عمنا هيلين وحملت منه بالخطأ. وحين علم بالطفل، أجبره والدي على الزواج منها فوراً للحفاظ على شرف العائلة. لطالما تحمل المسؤولية رغماً عنه، لكن علاقته معها الآن ميتة وتدور فقط حول ابنهما سيرجيو الصغير.. لكن لن أكذب عليكِ، هي في النهاية زوجته الشرعية أمام القانون ولا زال يلمسها ويعاشرها بين الحين والآخر رغماً عن كل هذا الجفاء، ونحن نرى آثار العلاقة عليها أحياناً.» في تلك اللحظة، اتسعت عينا أماندا بذهول خالص، واجتاحت كيانها موجة عارمة من الصدمة. هي التي ظنت أنها تعرف كل خباياه، تكتشف الآن أنه متزوج ولديه ابن في العاشرة من عمره! وسرعان ما انكمشت صدمتها الداعرة، وتحول ذهولها إلى ابتسامة خبيثة ومظلمة تملؤها الكيد والتشفي؛ لقد شعرت بالانبساط والراحة المفاجئة في صدرها. وجود زوجة أولى يعاشرها ويلمسها تعيش معها في نفس البيت، وابن جاء نتيجة خطأ مراهقة، يعني أن الساحة أصبحت أوسع بكثير وأكثر إثارة وثراءً مما تخيلت! لم تعد وحيدة في مواجهة هذا المسخ المتجبر؛ بل هناك "أطراف جديدة" وقطع شطرنج حساسة للغاية يمكنها اللعب بها بحرفية لإثارة جنون كلاي واستفزازه وسحق كبريائه. يمكنها إشعال النيران في عقل وقلب زوجته الأولى، وستقلب هذا القصر فوق رأسه كلياً، والآن بعد معرفتها بماضيه الذي يحاول إخفاءه خلف قناع البرود والجبروت المصطنع.الفصل الخامس والعشرين :القسم الأول. تسللت أشعة الشمس الغاربة كأطيافٍ ذهبية ذائبة من زجاج النافذة الكبير بالصالة، لتلتقي بظلال الغسق الأرجواني المسكوب على السكون السائد في المكان. فتحت أماندا عينيها ببطء على حركة كلاي؛ كان جثم الأريكة الجلدية يتنفس تحته وهو ينهض بتمهل كتمثالٍ صلب، والضوء الخافت يعكس حافة جبينه الممزقة حيث تجمدت قطرات الدم كنزيفٍ قديم لم يبالِ بضماده. الهدوء الذي يحيط به كان يحمل هيبة صامتة، تنفس بقوة واستدار نحوها يرتدي بنطاله، قبل أن يرمقها بنظرة حادة، ناطقاً بنبرة خشنة: «هل تستطيعين المشي؟» رمشت أماندا بعينيها الخضراء الكحيلتين بتكاسل، تثاءبت بنعومة وهي تعدل شعرها المبعثر حول كتفيها، ثم نطقت بفضول: «لماذا؟» مسح بكفه الضخمة على وجهه دون أن ينظر إليها: «لنخرج ونأكل... أظن أن العصافير في معدتكِ لم يعد لها صوت لأنها قد ماتت من الجوع.» ابتسمت أماندا على كلامه وفكرت بذكاء أنثوي، وشيء من الدلال الساخر يلمع في عينيها؛ أرادت استغلال اللحظة لتسحبه إلى ملعبها، فقالت وهي تميل رأسها برقة: «تقصد...ان نخرج معاً ديت رومنسي؟ ولكن الموعد الغرامي يحتاج إلى بوكيه ورد أح
الفصل الرابع وعشرون :القسم الثالث انهمرت قبلاته على طول جسدها كالمطر الحارق؛ لم تكن قبلات عابرة، بل كان يطبُع شفاهه بقسوة وظمأ، يلتهم بشرتها بأسلوبٍ حاد يترك أثره الحار على عنقها، كتفيها، وكل إنشٍ ينحني نحوه. كان يحتسي أنفاسها، ويقبلها بكثافةٍ تجعلها تتنهد تحت سطوته، يزرع ملكيته بلمسات فمه التي تنزع منها آخر ذرات المقاومة. وحين التقت بشرتها بجلده الخشن أطلقت اهات متعذبة، كان التباين مذهلاً ومرعباً؛ جلده الخشن المليء بالندوب والجفاف، يمسح ويحتك ببشرتها الناعمة الذائبة ،كالحديد الساخن حين يلامس الحرير. كان كل ملمس من يده الضخمة القاسية يثير في جسدها قشعريرة تسري كدفقات كهربائية، تحرقها وتذيبها في وقتٍ واحد. اعتلاها بكامل ضخامته على الأريكة الجلدية التي اختنقت تحت ثقلهما، مخفياً إياها كمتحف مليئ باللوحات الفنية بجسده الفولاذي كأنه درعها. وفي المقابل، كانت هي أسفله تلتف حوله كأنها نباتٌ متسلق؛ أغلقت قدميها لتعقدهما بتمسكٍ أنثوي حول ظهره، وغرست أظافرها الناعمة دون وعي في لَحم اكتافه العريض، تثبت نفسها به كأنها تتعلق بالحياة وسط هذا الطوفان. من بين أنفاسها المتسارعة التي تشق سكون ال
الفصل الرابع والعشرون: القسم الثاني سحب كلاي قبضته الملتصقة بالجدار المهشم ببطء،بينما كانت قد تناثرت شظايا اللوحة المحطمة عند أقدامهما. وتراجعت يده الدامية لتستقر بجانبه، غير أبهٍ بالدماء التي تسيل منها. كان يلهث بكثافة، وكتفاه العريضان يعلوان ويهبطان بحدة، وأفكاره تتطاحن في عقله المريض كعاصفة هوجاء. بينما كانت أماندا متجمدة في مكانها بعد ان سقطت كلماته عليها كالصاعقة؛ ولأول مرة لم تفكر بعقلها بهذه الطريقة ومن وجهة نظره، إذ كانت هذه الزاوية غائبة عنها تماماً. لم تفكر يوماً بحياتها في اندفاع ذاك الرجل من هذا المنظور... وتأملت في الحقيقة المرة لقد كان كلاي محقاً! لا أحد يخوض كل هذا الجحيم ويموت في سبيله لمجرد صداقة عابرة. صُدمت من إدراكها المفاجئ، وازدادت برودة أطرافها. عقد كلاي حاجبيه بمرارة، ومرر يده الملطخة بالدماء على وجهه، يصرخ بصوتٍ خشناً هز الجدران وهو يلتهم نفسه من الغيرة: «تباً! لو كنتُ أعلم... لما قتلته بهذه السهولة! آخ... لو يعود بي الزمن فقط لأذقته ألوان العذاب التي لم تخطر على بال بشر قبل أن أرحمه بالموت!» كان يغلي وشياطينه تصرخ به أن يفرغ هذا الجنون في المكان. شع
الفصل الرابع والعشرون: القسم الأول كانت أنفاسه لاهثة، متقطعة، والألم والكدمات التي تغطي وجهه وجسده جعلته يبدو كوحشٍ جريح. ورغم ذلك، استقرت قبضته القاسية على يدها وأعادها إليه، كأنها طوق نجاةٍ يرفض التخلي عنه أو تركها تبتعد إنشاً واحدًا. تجمدت أماندا في مكانها، واتسعت عيناها بذهولٍ شلّ تفكيرها. لم تكن تتوقع في خضم هذا الجحيم وبهذه السرعة ان يحدث هذا، بين كل أولئك الرجال الذين كان يفتكون به والضربات القاتل والتعب الذي يمزق جسده، أن يكون أول ما يشغل عقله المريض ورغبته في المحاسبة عليه هو... همسة! لم تكن تعلم أنه في تلك اللحظة المظلمة، بينما كانت الضربات تنهال عليه والسلاسل تهشم ظهره، كانت عيناه السوداء الملطختان بالدماء من رأسه تلاحقانها، وتلاحقان حركة فمِ ذاك الرجل وهي تقترب من أذنها. سألها مرة أخرى، بصوتٍ مبحوحٍ يرتجف من الأحتراق والغلّ، وهو يضغط على ذراعها ينتشلها من تحديقها بالفراغ: «ماذا قال لكِ ذاك الحثالة؟..لا تجعليني أكرر السؤال،اماندا.. أريد أن أعرف حالاً!» تراجعت أماندا للخلف بقلبٍ يقرع طبول الحرب في صدرها. كان توترها واضحاً لدرجة أنها شعرت ببرودة أطرافها رغم حرار
الفصل الثالث والعشرين: القسم الثالث عندما توقفت السيارة أمام متجر كبير، نزل كلاي بخطواته المهيبة كانت تحمل هيبةً مظلمة وهالته مليئة بالكاريزما. وهي بجواره.. فور دخولهما، كانت نظرات الإعجاب والهمس تلاحقه من كل جانب؛ النساء يختلسن النظر إليه باثارة من طوله الشاهق وجسده الضخم و اكتافه العريضة وملامحه الرجولية الخشنة تلك جعلته مثيرا كاللعنة، ما ان ينظر له أحد مباشرةً تتوجه نظراتهم لها ليتفحصنها من الأعلى للاسفل ثم يجحرونها بانزعاج وكأنها قطعت رزقتهن به.. وكأنها سلبتهن أمل الحصول عليه . أما هو، فلم يكن يرى أحداً... لم يعر أياً منهن نظرة او أدنى التفاتة. كان يحوطها بجسده الفولاذي كأنه حارسٌ شخصي يُحمي شخصيةً رفيعة المستوى من خطر اغتيالٍ محتوم قد يحدث هنا. حدقتاه المحمرتان تحرسان كل زاوية، وتمسحان المكان برعبٍ مريض ووسواسٍ قهري، لا يرفع عينيه عنها لثانيةٍ واحدة. سارت أماندا بجواره بين الممرات بقلبٍ يلمع بالذهول والصدمة؛ كانت تراقبه وهو يمدّ يده بجمودٍ ويختار أصنافها المفضلة بدقة متناهية... أطعمتها، مشروباتها، وكل التفاصيل الصغيرة التي احبتها يوماً! اجتاحتها رغبةٌ عارمة في أن تسأله: منذ
الفصل الثالث والعشرون: القسم الثاني كانت تشعر بتوترٍ يأكل أحشاءها وهي تحدق به بطرف عينها. تراقبه كيف يقود السيارة، وأصابعه الفولاذية تطرق على عجلة القيادة بطريقةٍ مضطربة. كان يمرر إبهامه ويمسح طرف أنفه بعصبيةٍ كل بضع ثوانٍ، وتشنجاتٌ خفيفة تضرب فكّه المطبّق بصلابة... تعلم جيداً أن هذه الأعراض ليست سوى آثارٍ لتلك المواد المسمومة التي سمّم بها دمه البارحة، وهبوطٍ جحيمي يحرق أعصابه بحثاً عن جرعةٍ أخرى. وبحركةٍ خاطفة كانت تعيد نظرها فوراً إلى الطريق أمامها في كل مرةٍ يلتفت فيها إليها بوسواسٍ قهري قاتل، يتفحص وجودها بجانبه بطريقة مضطربة وكأنها قد تختفي. ابتلعت ريقها بصعوبة، متسائلةً في سرها بمرارة: لماذا أصبحت تخافه الآن أكثر من ذي قبل؟ لا تعلم لِمَ، ربما لأنها أصبحت تعلم جنونه وأفكاره المظلمة... تعلم أنه الآن أصبح قنبلةً موقوتة مسدودة الفتيل قد تنفجر بوجهها إذا لم تحسن إمساكها. كانت ترغب في التحدث، تود أن تكسر هذا الصمت الخانق الذي يملأ السيارة، لكن غريزة الخوف تحجمها بعد أن أمرها بالبيت بقسوةٍ ألا تتحدث دون أن يأذن لها. غير أن أفكار عقلها كانت تهمس لها بوضوح أن هذه الساعات بالذات هي






