เข้าสู่ระบบ
قبل ثلاثة أشهر من تلك الليلة، وقفت ليان مراد في شرفة منزلها القديم، تنظر إلى خاتم الخطوبة الذي وضعه كريم في إصبعها، وتشعر بسعادة غامرة تكاد تنسيها كل المتاعب التي عاشتها في السنوات الماضية. كانت قد أمضت شهورًا طويلة تخطط لهذا اليوم مع أمها، تختار الفستان بعناية فائقة، وتراجع قائمة المدعوين مرارًا وتكرارًا، وتحلم بحياة هادئة إلى جانب رجل ظنّت أنه سيكون شريك عمرها. لم يكن كريم غنيًّا ولا مشهورًا، لكنه كان، في نظرها، صادقًا، أو هكذا بدا لها طوال فترة خطوبتهما التي امتدت عامًا كاملًا.
لم تكن تعلم، وهي تغرق في تفاصيل التحضير لزفافها، أن الرجل الذي وضعت فيه كل ثقتها كان يعيش حياة موازية، يخطب فيها امرأة أخرى بالوعود نفسها التي أغدقها عليها. لم تكن تعلم أن السعادة التي بدت لها مؤكدة، ستتحول في ليلة واحدة إلى أكبر صدمة عاطفية عرفتها في حياتها القصيرة. لم تكن ليان مراد تتخيل يومًا أن ليلة زفافها ستنتهي بها وهي تركض في شوارع المدينة، حافية القدمين تقريبًا، وفستان الزفاف الأبيض يتطاير خلفها كطيف من حلم تحطّم للتو. كانت الأضواء التي زيّنت القاعة قبل ساعة واحدة فقط لا تزال تومض في ذاكرتها، والموسيقى التي رقصت على أنغامها مع خطيبها كريم لا تزال ترنّ في أذنيها، لكنّ كل ذلك بدا الآن أشبه بمسرحية سخيفة انتهت بكشف الستار عن وجه الخيانة. كانت قد دخلت الغرفة الجانبية لتصلح شيئًا في تسريحة شعرها، حين سمعت صوت كريم يتحدث في الهاتف بصوت خافت، يعِد امرأة أخرى بأنّ "هذا الزواج مجرد شكليات، وأن قلبه لن يتغيّر". لم تحتج ليان إلى المزيد من الكلمات. خلعت التاج عن رأسها بيد مرتجفة، ونظرت إلى وجهها في المرآة، ذلك الوجه الذي كان قبل دقائق يشعّ سعادة، وقد أصبح الآن قناعًا هشًّا على وشك الانكسار. لم تُصدر صرخة، ولم تبكِ أمام أحد. فتحت الباب الخلفي للقاعة، وخرجت إلى الشارع، تاركة خلفها حفل زفاف بمئات المدعوين، وأمًّا كانت تحلم بهذا اليوم أكثر منها هي نفسها. سارت ليان في الشارع دون وجهة، والمطر الخفيف يبلل كتفيها المكشوفتين. لم تكن تعرف إلى أين تتجه، فقط أرادت أن تبتعد، أن تضع مسافة بينها وبين ذلك المكان الذي شهد أكبر إذلال في حياتها. توقفت أمام فندق فخم يعلوه اسم مضيء: "غراند رويال"، ودخلت دون تفكير، تجرّ تنّورة فستانها المبلل، غير مبالية بالنظرات المستغربة من الموظفين والنزلاء. وقف موظف الاستقبال للحظة مترددًا وهو يراها تعبر البهو الرخامي الفسيح بخطوات متعثرة، لكنه لم يجرؤ على سؤالها عن حالها، إذ لمح في عينيها نظرة تمنعه من الاقتراب أكثر من اللازم. مرّت ليان أمام مرآة كبيرة معلقة في وسط البهو، فرأت انعكاس صورتها: فستان أبيض تلطخت أطرافه بالطين والمطر، وشعر انفلت من تسريحته الأنيقة، ومكياج بدأ يذوب حول عينيها من أثر الدموع التي لم تسمح لنفسها أن تذرفها بصوت مسموع. توقفت للحظة أمام تلك المرآة، تنظر إلى تلك الغريبة التي لم تعد تعرفها، ثم أدارت وجهها بسرعة، غير قادرة على تحمل ذلك المشهد أكثر من ذلك. في تلك اللحظة بالذات، كان آدم ريان يجلس في الصالة الرئيسية للفندق، ينتظر امرأة لم يرها من قبل، اسمها الوحيد الذي يعرفه هو الاسم الذي أرسله له مكتب المحاماة: "العروس المرشحة لعقد الزواج المؤقت". كان آدم رجلًا لا يؤمن بالمصادفات، لكنه في تلك الليلة كان على وشك أن يصدّق أن القدر أحيانًا يتلاعب بالبشر بطريقة لا يمكن تفسيرها. كان قد وضع خطة محكمة منذ أشهر: يحتاج إلى زوجة، ولو صوريًا، ليُسكت الشائعات التي بدأت تحوم حول "غرابة أطواره" في الأوساط التجارية، ويقطع الطريق على عمه، سليم ريان، الذي استغل عزوبيته سلاحًا ضده أمام مجلس إدارة الشركة العائلية. اتفق مع مكتب محاماة موثوق على ترتيب "زواج مصلحة" مع امرأة تقبل الشروط، مقابل مبلغ مالي كبير، ولمدة لا تتجاوز ستة أشهر. حين دخلت ليان، مبللة، مرتبكة، بفستان زفاف أبيض تلطّخت أطرافه بالطين، ظنّ آدم للحظة أن عينيه تخدعانه. لكنها اتجهت مباشرة نحو الطاولة التي حجزها باسم مستعار، وجلست أمامه بلا استئذان، وكأنها تعرفه من زمن بعيد. قالت بصوت مرتجف تحاول أن تُخفي فيه انكسارها: "أعتذر عن التأخير… الأمور لم تسر كما كان مخططًا لها." ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، غير مدرك أنه يخاطب امرأة هربت للتو من زفافها، لا المرأة التي كان ينتظرها فعلًا. قال: "لا بأس، المهم أنك أتيت. أفترض أنك اطّلعت على تفاصيل العرض؟" أومأت ليان برأسها، وهي لا تزال تحاول التقاط أنفاسها، ولا تعرف بالضبط عمّا يتحدث هذا الرجل الأنيق، لكنها فكرت أن أي شيء أفضل من العودة إلى تلك القاعة التي تركت فيها كرامتها ممزقة على الأرض. سألته بحذر: "أودّ أن أسمع التفاصيل منك مباشرة، إن لم يكن هناك مانع." نظر إليها آدم للحظة، متفحصًا وجهها الشاحب، وعينيها المحمرّتين اللتين تحاولان جاهدتين إخفاء أثر البكاء. قال بنبرة عملية باردة: "الأمر بسيط. أحتاج إلى زوجة لمدة ستة أشهر. زواج رسمي أمام القانون والمجتمع، لكنه في جوهره صفقة لا أكثر. تعيشين في منزلي، تظهرين معي في المناسبات، ونحافظ على صورة زواج طبيعي أمام الجميع. في المقابل، تحصلين على مبلغ مالي كبير عند انتهاء العقد، إضافة إلى مصروف شهري خلال فترة الزواج." كانت ليان تستمع إليه وهي تشعر وكأنها تسمع حلًّا نازلًا من السماء لمشكلة لم تكن تعرف أنها ستواجهها قبل ساعة. فكّرت في أمها التي أنفقت مدخراتها على قاعة الأفراح الصغيرة التي كانت ليان تديرها، والتي أوشكت على الإغلاق بسبب الديون. فكرت في المبلغ الذي قد يُنقذ حلمها الذي تربّت عليه منذ الصغر: أن تملك قاعة أفراح تحمل اسمها، مكانًا تصنع فيه السعادة للآخرين، بعدما عجزت عن صنعها لنفسها. سألته بصوت أكثر ثباتًا: "وما الشروط بالتحديد؟" أخرج آدم من حقيبته الجلدية ورقة مطبوعة أنيقة، ووضعها أمامها. قرأت ليان البنود بعينين متسارعتين: الزواج لمدة ستة أشهر، العيش في منزله أمام الجميع، الظهور المشترك في المناسبات الرسمية، عدم وجود أي علاقة عاطفية أو جسدية إلا بموافقة الطرفين، مبلغ مالي في نهاية العقد، وأخيرًا، بندٌ غريب لفت انتباهها أكثر من غيره: "لا يقع أي من الطرفين في حب الآخر." ابتسمت ليان ابتسامة باهتة، وقالت في نفسها: "لن يكون هذا صعبًا، فأنا لم أعد أومن بالحب أصلًا." رفعت عينيها إلى آدم وقالت: "أوافق." قبل أن توقّع ليان على تلك الورقة، سألها المحامي المكلف بصياغة العقد سؤالًا روتينيًّا: "هل قرأت جميع البنود بعناية، سيدة ليان؟ وهل توافقين عليها دون أي تحفظ؟" نظرت ليان إلى آدم للحظة، الرجل الذي بالكاد تعرفه، الجالس بملابسه الأنيقة، بوجهه الجامد الذي لا يفصح عن أي انفعال، ثم عادت بنظرها إلى الورقة أمامها. لم يكن هناك تردد حقيقي في داخلها، فقد شعرت أن هذا القرار، مهما بدا جنونيًّا، هو الطوق الوحيد الذي يمكن أن ينقذها من الغرق في تلك اللحظة من حياتها. وقّعت باسمها الكامل بخط ثابت، وسلّمت الورقة للمحامي دون أن ترتجف يدها. من جانبه، كان آدم يراقب توقيعها بصمت، متسائلًا في داخله عن حقيقة هذه المرأة التي تبدو عليها آثار انكسار حديث، رغم أنها لم تفصح عن التفاصيل الكاملة لما حدث لها. لم يسألها، فلم يكن يريد أن يعرف أكثر مما يلزم؛ فكل ما كان يهمّه هو أن تلتزم بالبنود، وأن تؤدي دورها بإتقان أمام عائلته ومجلس إدارته. لم يخطر في باله أن يسألها عن مشاعرها، أو عن الظروف التي دفعتها للقبول بهذا الاتفاق الغريب، معتبرًا أن حياتها الخاصة، مثل حياته هو، يجب أن تبقى بعيدة عن هذه الصفقة قدر الإمكان. خرجا من مكتب المحاماة في صمت، ووقفا للحظة على الرصيف، كل منهما يفكر في الفصل الجديد الذي بدآه للتو. قال آدم بنبرة عملية: "سأرسل لك تفاصيل الانتقال إلى المنزل خلال الأيام القادمة. أقترح أن نبقي تواصلنا في هذه الفترة عبر الرسائل النصية قدر الإمكان، لتجنّب أي التباس." أومأت ليان برأسها موافقة، ثم استقلت سيارة أجرة عائدة إلى شقتها الصغيرة، تاركة خلفها ذلك الرجل الغريب الذي أصبح، بجرة قلم، زوجها أمام القانون. لم يكن آدم يعرف أنه للتو وقّع اتفاقًا مع امرأة غريبة تمامًا عن تلك التي كان ينتظرها، امرأة هربت للتو من خيانة، لا امرأة اختارتها شركة المحاماة بعناية. لكنه لم يسأل، ولم يهتم بالتفاصيل. كل ما كان يريده هو توقيع سريع، وزوجة تُسكت الألسنة، وقصة يمكنه أن يرويها لعمه ومجلس الإدارة قبل الاجتماع المصيري بعد أسبوعين. في صباح اليوم التالي، وبينما كانت عائلة ليان ومدينة بأكملها تتحدث عن "العروس التي اختفت ليلة زفافها"، كانت ليان تجلس في مكتب محامٍ فخم، تُوقّع على عقد زواج من رجل لم تكن تعرف عنه شيئًا سوى اسمه: آدم ريان، رئيس مجموعة ريان للاستثمار، أحد أكثر رجال الأعمال ثراءً وغموضًا في المدينة. لم تكن تعلم أنها للتو دخلت عالمًا لن تخرج منه كما دخلته، وأن هذا الرجل البارد الذي وقّع معها عقدًا خاليًا من أي مشاعر، سيصبح يومًا ما، السبب الوحيد الذي يجعلها تؤمن من جديد بأن الحب ممكن، حتى حين يبدأ بصفقة. بعد خروجها من مكتب المحاماة، وقفت ليان في الشارع للحظات طويلة، تنظر إلى الورقة التي تحمل نسخة من العقد، وتحاول أن تستوعب ضخامة القرار الذي اتخذته في أقل من أربع وعشرين ساعة. لم تشعر بالندم، بل بشيء أقرب إلى الذهول، وكأنها تراقب حياة شخص آخر من بعيد، لا حياتها هي. فكرت في كريم، وفي الرسالة التي أرسلتها له صباح ذلك اليوم، رسالة قصيرة قالت فيها كل ما احتاجت أن تقوله دون أن تنتظر ردًّا: "لا تحاول الاتصال بي. اكتشفت الحقيقة، وانتهى كل شيء بيننا. أتمنى لك حياة سعيدة مع من اخترتها فعلًا." لم يردّ كريم، أو ربما ردّ ولم تكترث ليان لقراءة رسالته. أغلقت هاتفها ووضعته في قاع حقيبتها، وقررت أن تبدأ فصلًا جديدًا كليًّا، فصلًا لم تكن تعرف بعد إلى أين سيقودها، لكنها كانت واثقة من أمر واحد: أنها لن تسمح لأي رجل بعد الآن أن يكسر ثقتها بنفسها كما فعل كريم في تلك الليلة.بعد عودتهما إلى المدينة، قرر آدم أن يمزّق العقد القديم رسميًا، وأن يطلب من ليان الزواج من جديد، هذه المرة باختيار حقيقي كامل، لا بدافع المصلحة أو الظروف الطارئة. لكنه أراد أن تكون الطريقة التي يطلب بها ذلك مميزة، تليق بحجم المشاعر الصادقة التي تجمعهما الآن.في تلك الأثناء، كانت ليان قد عادت إلى قاعة الأفراح الصغيرة التي أعاد آدم افتتاحها بعد توسيعها وتجديدها بالكامل، محققة حلمها القديم أخيرًا. أصبحت القاعة، التي حملت الآن اسمها الجديد "قاعة ليان للأفراح"، واحدة من أجمل الأماكن في المدينة، تجمع بين الطابع الكلاسيكي الدافئ الذي ورثته عن أمها، ولمسة عصرية أنيقة أضافتها ليان بنفسها.في صباح أحد الأيام، وبينما كانت ليان تستعد لاستقبال عروسين جدد لتنظيم حفل زفافهما، دخل آدم إلى القاعة بشكل مفاجئ، مرتديًا بدلة أنيقة، وفي يده باقة ورد بيضاء كبيرة. توقفت ليان عن العمل، ونظرت إليه بمفاجأة وابتسامة عفوية ارتسمت على وجهها فور رؤيته.اقترب منها آدم أمام موظفي القاعة الذين توقفوا عن أعمالهم فضولًا لمعرفة ما يحدث، وقال بصوت واضح يسمعه الجميع: "ليان مراد، منذ اللحظة التي دخلتِ فيها حياتي بطريقة غير م
قضى آدم الأيام التالية باحثًا عن ليان، دون أن يجد أثرًا واضحًا لها. حاول الاتصال بها مرارًا، لكن هاتفها ظلّ مغلقًا. ذهب إلى قاعة الأفراح الصغيرة أكثر من مرة، لكنه وجدها مغلقة في كل مرة، حتى بدأ يشعر بالقلق الحقيقي على سلامتها، لا فقط على مشاعره الخاصة تجاهها.في أحد الأيام، قرر أن يزور والدة ليان مباشرة، على أمل أن تعرف مكانها. حين وصل إلى منزلها المتواضع، استقبلته والدتها بحذر واضح، إذ كانت قد سمعت من ابنتها بعض التفاصيل عن طبيعة الزواج الحقيقية، وشعرت بقلق طبيعي تجاه هذا الرجل الغريب الذي دخل حياة ابنتها بهذه الطريقة غير المألوفة.قال آدم بصدق واضح في نبرته: "سيدتي، أعلم أن ما حدث بيني وبين ليان قد يبدو غريبًا، وربما غير مقبول في البداية. لكنني هنا لأخبرك بأنني أحب ابنتك حبًّا صادقًا، وأنني أبحث عنها لأخبرها بذلك، لا لأي سبب آخر."نظرت والدة ليان إليه طويلًا، تتفحص ملامح وجهه، وكأنها تحاول أن تقرأ صدق نواياه. قالت أخيرًا بصوت هادئ: "ليان لم تخبرني بمكانها بالتحديد، لكنها اتصلت بي أمس، وقالت إنها ذهبت لتقضي بعض الوقت في منزل جدتها القديم على الساحل، تحتاج إلى مساحة للتفكير بعيدًا عن
قال آدم، وهو يقف بثبات أمام أعضاء مجلس إدارة مجموعة ريان: "نعم، كل ما ذكره عمي سليم عن ظروف بداية زواجي صحيح إلى حد كبير. التقيت بزوجتي ليان في ظرف غير تقليدي، وتزوجتها في وقت قصير، بدافع مصلحي في البداية. لكن ما لم يذكره عمي، أو ربما لا يفهمه، هو أن ما بدأ كصفقة تحوّل إلى أصدق علاقة عشتها في حياتي."ساد صمت في القاعة، بينما واصل آدم حديثه: "ليان مراد امرأة نزيهة، وقفت بجانبي في أصعب اللحظات، وساعدتني على أن أرى جوانب من نفسي لم أكن أعرفها. لم تطلب مني يومًا شيئًا يتجاوز اتفاقنا الأصلي، بل على العكس، حين شعرت أن وجودها يهدد موقعي في هذه الشركة، اختارت أن تنسحب من حياتي بصمت، حفاظًا على مصلحتي، دون أن تطلب حتى المبلغ المالي المتفق عليه بيننا."نظر آدم مباشرة إلى عمه، وقال بحزم: "أما بخصوص أهليتي لقيادة هذه الشركة، فأعتقد أن أرقام الأرباح التي حققتها المجموعة خلال العامين الماضيين تحت إدارتي هي الشاهد الأصدق على كفاءتي، لا الشائعات التي تُبنى على تفاصيل حياتي الشخصية."تدخّل أحد كبار أعضاء مجلس الإدارة، رجل مخضرم يحظى باحترام الجميع، يُدعى المهندس فؤاد الحمصي، وقال: "أعتقد أن السيد آدم
مرّت الأيام التالية ثقيلة بطيئة، وكأن كل ساعة تمرّ تحمل وزن أسبوع كامل. لم يعد آدم وليان يتحدثان إلا في أضيق الحدود، وقد عاد الصمت البارد الذي ساد بينهما في الأسابيع الأولى من زواجهما، لكنه هذه المرة كان مختلفًا؛ لم يعد صمت الغرباء، بل صمت شخصين يعرفان أنهما يخفيان مشاعر أعمق مما يستطيعان الاعتراف به.في تلك الأثناء، لم يتوقف سليم ريان عن حملته الخفية. جمع كل المعلومات التي حصل عليها محققه الخاص عن قصة "العروس الهاربة"، وربطها بتاريخ زواج آدم المفاجئ، وأعدّ ملفًا كاملًا يعتزم عرضه على مجلس الإدارة في الاجتماع المقبل، مقترحًا فيه أن آدم اتخذ قرار الزواج بتهوّر غير مسؤول، مما يثبت، برأيه، عدم أهليته لقيادة شركة بحجم مجموعة ريان.في صباح أحد الأيام، استدعى آدم ليان إلى مكتبه في المنزل، بملامح جادة لم تعتد ليان رؤيتها من قبل بهذا الوضوح. قال لها: "عمي يخطط لعرض قصة زواجنا الحقيقية أمام مجلس الإدارة غدًا. يريد أن يستخدمها ذريعة لعزلي عن رئاسة الشركة."شعرت ليان بالذنب يعتصر قلبها، وقالت: "أنا آسفة يا آدم، ربما كان يجب ألا أوافق على هذا الاتفاق من البداية. لو لم أهرب إلى ذلك الفندق في تلك ا
في الأيام التي تلت حفل الخيرية، حاول كل من آدم وليان أن يتصرفا وكأن شيئًا لم يحدث، لكن التوتر الخفي الذي خيّم على المنزل كان واضحًا لأي مراقب. أصبحت النظرات بينهما أطول من المعتاد، والصمت أثقل، وكأن كليهما يخشى أن يُفصح عن مشاعر لم يكن أي منهما مستعدًا للاعتراف بها.في تلك الأثناء، كان سليم ريان يواصل خطته الخفية للإطاحة بآدم من رئاسة مجلس الإدارة، مستغلًا شكوكه المستمرة حول حقيقة زواجه المفاجئ. استأجر محققًا خاصًا للتحري عن ليان وخلفيتها، على أمل أن يجد ثغرة يستطيع من خلالها إثبات أن هذا الزواج ليس سوى تمثيلية مُدبّرة، الأمر الذي سيمنحه الذريعة القانونية والأخلاقية التي يحتاجها لإقناع باقي أعضاء مجلس الإدارة بعدم أهلية آدم لقيادة الشركة، بحجة عدم استقراره واتخاذه قرارات متهورة.عمل المحقق بدأب طوال أسبوعين، متتبعًا كل خيط ممكن، حتى وصل إلى موظفة استقبال في الفندق الذي التقى فيه آدم وليان للمرة الأولى، تذكّرت تفاصيل تلك الليلة جيدًا: امرأة شابة دخلت البهو مرتدية فستان زفاف مبللًا بمياه المطر، بملامح مضطربة، قبل أن تجلس إلى طاولة رجل كان ينتظر شخصًا آخر بحسب الحجز المسجل باسم مكتب المح
بعد أسبوعين من زيارتهما لقاعة الأفراح، تلقّى آدم دعوة لحضور حفل خيري كبير تنظمه إحدى الشركات الشريكة، وكان حضوره إلزاميًا بصفته رئيس مجموعة ريان. طلب من ليان أن ترافقه، موضحًا أن هذا الحفل سيكون فرصة مهمة لتثبيت صورتهما كزوجين أمام كبار رجال الأعمال ووسائل الإعلام التي ستحضر الحدث.ارتدت ليان في تلك الليلة فستانًا أنيقًا بلون أزرق داكن، اختارته بنفسها هذه المرة، شاعرة برغبة غريبة في أن تبدو في أفضل حالاتها، رغم أنها حاولت إقناع نفسها أن الأمر لا يتعلق بآدم على الإطلاق، بل بثقتها في نفسها فحسب.حين نزلت من الدرج، ووقفت أمام آدم الذي كان ينتظرها في الصالة، لاحظت النظرة التي ارتسمت في عينيه للحظة، نظرة إعجاب صادق لم يحاول إخفاءها بالكامل، قبل أن يستعيد ملامحه الهادئة المعتادة ويقول: "تبدين جميلة."شعرت ليان بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، وقالت بابتسامة: "شكرًا لك. أنت أيضًا تبدو أنيقًا كعادتك."في طريقهما إلى الحفل، جلسا في السيارة بصمت لدقائق، قبل أن تسأله ليان بفضول: "هل ستكون هذه المرة الأولى التي أظهر فيها أمام هذا العدد الكبير من معارفك؟"أومأ آدم برأسه وقال: "نعم، ومعظم من سيكونون







