分享

الفصل الستون

last update publish date: 2026-07-13 00:22:06

دانيال

في الركن الأكثر عتمة وانعزالاً داخل ذلك المقهى المخمليّ الذي يرتاده صفوة صناع الفن والإعلام ليلًا، كنتُ أجلس مسندًـا ظهري إلى المقعد الجلديّ الوثير بكامل زهوي ونرجسيتي المعتادة.

كنتُ أرتدي وشاحي الصوفيّ الطويل وأمرر أصابعي بتلقائية عبر خصلات شعري، متأملاً انعكاس صورتي على سطح الطاولة الزجاجية الداكنة بغرور مرتفع وثقة نابعة من إيماني المطلق بعبقريتي التي لا يفهمها هذا المجتمع السطحيّ.

لطالما آمنتُ بأنَّ الفن الحقيقيّ لا يمكن أن يُختزل في لوحة زيتية معلقة على جدار بارد في معرض بائس لا يزوره سوى العجائز وأشباه المثقفين.

اللوحات لا تجلب الشهرة السريعة، ولا تصنع مجدًـا يتردد صداه في الشوارع، والأهم من ذلك كليًّـا، أنها لا تضخ الأموال الضخمة والسيولة النقدية التي أحتاجها بشدة لأعوض الثروة الطائلة والاسم الذهبيّ اللذين ورثتهما عن عائلتي النبيلة العريقة وضيعتهما بكامل جهلي ونزواتي على بريستيج اجتماعيّ مفرغ.

أنا بحاجة إلى منصة أكبر، إلى شيء يزلزل عقول الجماهير ويجعل اسم دانيال جيسون يتردد على كل لسان. أنا بحاجة إلى إنتاج مسلسل دراميّ ضخم، ملحمة تلفزيونية تحمل رؤيتي الفلسفية وتخلد عبقريتي الفنية وتجعلني حديث الساعة كليًّـا.

قاطعت استغراقي في أحلام المجد دقات سريعة ومتوترة من أصابع مارك دونال، ممثلي ومستشاري الإعلاميّ، الذي كان يجلس قبالتي ويقلب في دفتيره الإلكترونيّ وعيناه تدوران بقلق خلف نظارته الطبية الحديثة.

مارك هو الشخص الذي يعرف بدقة أين تؤكل الكتف في هذا السوق الميت، وهو الوحيد الذي يدرك حجم الديون السابقة والقضايا التي تلاحقني خلف الواجهة الأنيقة التي أظهر بها دائمًـا.

"مارك، كف عن العبث بهاتفك واستمع إليّ جيدًـا،" قلتُ له بنبرة مسرحية متعالية أتحكم في إيقاعها تمامًـا، "لقد اتخذتُ قراري النهائيّ. سنؤجل فكرة معرض اللوحات الحداثي كليًّـا.

المعارض أصبحت موضة قديمة ومملة. المشروع القادم الذي سنكتسح به الساحة هو مسلسل دراميّ من ثمانية مواسم، عمل يفكك عقد المجتمع النفسية ويحمل توقيعي كصانع وموجه للرؤية البصرية.

هذا هو الشيء الوحيد الذي سيعيد اسم عائلتي النبيلة إلى الصدارة ويملأ حساباتنا مجددًـا."

رفع مارك رأسه ونظر إليّ بنظرة تدمج بين الشفقة والواقعية الجافة، ثم تنهد بمرارة وعدل وضعيته: "مسلسل؟ وثمانية مواسم يا دانيال؟ هل تظن أنَّ شبكات الإنتاج والمنصات الرقمية تنتظر أفكارك الفلسفية المجرّدة لتلقي بأموالها في حجرك؟ السوق ميت تمامًـا الليلة، والمنتجون أصبحوا أكثر حذرًـا من أيّ وقت مضى، لن يتحمس أحد لتمويل قصة خيالية مفرغة من الإثارة ما لم تكن هناك قصة حقيقية مثيرة، فضيحة مجتمعية مدوية، أو دراما حية من قلب الواقع تضمن لهم نسب مشاهدة مرعبة وتجعل الممولين يضخون أموالهم بلا تفكير."

"أنا الفضيحة وأنا الواقع يا مارك،" أجبتُه بزهو مستخفٍّ بكلماته، "ألا تكفي عبقريتي لتكون واجهة لأيّ عمل؟"

"عبقريتك لا تدفع فواتير المرسم المتراكمة ولا تمنع إشعارات طردك القادمة لو تم كشف أمرك،" قالها مارك بنبرة منخفضة وغارقة في الخبث وهو يقترب بجسده نحو الطاولة، ثم تابع وعيناه تلمعان ببريق غريب:

"لكن.. يبدو أنَّ الحظ يبتسم للمغفلين والعباقرة على حد سواء دائمًـا. انظر إلى هذا."

دار مارك دفتيره الإلكترونيّ نحوي، وأشار بسبابته إلى مانشيت عريض وخبر ساخن بدأ ينفجر كليًّـا في الصالونات المخملية وعبر المنصات الإعلامية المغلقة في تلك الساعة من الليل، انحنيتُ قليلاً وضيعتُ نظراتي وسط السطور، لتتسع عيناي ببطء وتتحرك ملامحي بمزيج من الدهشة والانتهازية المحضة.

الخبر كان يدور بالكامل حول ما حدث الليلة خلف الأبواب المغلقة في مؤسسة كوران الكبرى. حكاية سارة كولن، الفتاة التي اقتحمت قاعة الاجتماعات ووقفت بكل شجاعة وجرأة أمام سام كوران وجايسون لارج، لتعلن أمام كبار الموظفين والمسؤولين حقيقتها الصادمة؛ أنها نتاج علاقة غير شرعية من أب بريطانيّ، وأنها نصف إنجليزية وتفتخر بنسبها وتتحدى أيّ شخص يحاول ابتزازها أو التقليل من إنسانيتها. الأخبار كانت تشتعل، والجميع في مجتمع النخبة يتحدث بذهول عن هذه المواجهة الشرسة، وعن الانهيار الوشيك للواجهة القانونية والأخلاقية المحافظة التي طالما تفاخر بها سام كوران وعائلته الأرستقراطية.

"سارة كولن..." تمتمتُ بالاسم، وشعرتُ بابتسامة خبيثة ومتسعة ترتسم على شفتيّ. لم يكن في قلبي أيّ تعاطف أو اهتمام بألم الفتاة النفسيّ أو فضيحتها، بل كنتُ أرى في السطور مسودة رواية غير مكتملة، خامة كتابية ذهبية، والدجاجة التي تبيض ذهبًـا والتي هبطت من السماء لتنقذ مشروعي كليًّـا.

"هل تستوعب حجم الفوضى المحيطة بعائلة كوران الآن يا دانيال؟" همس مارك بنبرة سريعة ومحفزة.

"هذه هي الدراما الحقيقية التي يبحث عنها السوق. فضيحة نسب، صراع طبقيّ، فتاة نصف إنجليزية تتحدى عائلة من كبار رجال القانون والمجتمع. لو تمكنا من تحويل هذه القصة إلى المسلسل الذي تريده، فسيتصارع المنتجون على بابك."

"بل الأمر أسهل وأقرب مما تتخيل يا مارك،" قلتُ له وعقلي الانتهازيّ يعمل بأقصى طاقته التحليلية والتلاعب السيكولوجيّ.

"نحن لا نحتاج إلى البحث عن منتجين غرباء دائمًـا. التمويل موجود بالفعل وتحت طوع بناني."

قطب مارك جبينه باستفهام: "ماذا تقصد؟"

"تيا كوران." أجبتُه ببرود تام وثقة مفرطة.

"تيا ساذجة، مغرمة بي كليًّـا، وتعيش في وهم العمق الفنيّ الذي أمنحه لها دائمًـا. هي تبحث عن أيّ تميز ثقافيّ يخرجها من ظل شقيقها سام ومؤسسته.

بالأمس فقط، كانت تبدي لي ارتباكها وقلقها من تراجع أرقام متجرها البائس وتلميحات محاسبها السخيف توماس، وخوفها من أن يكتشف جايسون لارج المبالغ التي تسحبها لدعم معارضي.

والآن؟ مع هذه الفوضى العارمة التي تسبب فيها ظهور سارة كولن، سيكون سام غارقًـا حتى أذنيه في الدفاع عن عشيقته وفي محاولة لملمة الشائعات والقضايا القانونية، ولن يملك الوقت أو العقل لمراقبة حسابات شقيقته الصغرى أو التدقيق في مصاريفها."

استندتُ إلى الخلف مجددًـا، وخرجت ضحكة خافتة وواثقة من بين شفتيّ:

"سأذهب إلى تيا غدًـا، سأمارس معها أسلوبي الثابت.

سأحول نفسي إلى الضحية المظلومة التي تحتاج إلى إنتاج هذا المسلسل الدراميّ كرسالة فنية لإنقاذ المجتمع، وسأقنعها بخبث شديد بأنَّ الفن يحتاج إلى تضحيات مالية ضخمة، وأنَّ المال يأتي ويذهب بينما المجد أبديّ دائمًـا. سأجعلها تسحب تمويلاً ضخمًـا وباهظًـا من حسابات عائلتها ومؤسستها مباشرةً باسم متجرها لدعم مشروعي الجديد، مستغلاً غفلة الجميع وانشغالهم بفضيحة سارة."

نظر مارك إليّ بذهول ممزوج بالإعجاب الشديد بمكري ونرجسيتي التي لا تعرف حدودًـا:

"أنت شيطان يا دانيال. لكن ماذا لو شعرنا أنَّ بئر تيا كوران يوشك على الجفاف؟ أو إن تدخل ذلك الوحش الماليّ جايسون لارج وكشف التلاعب؟"

ضدقتُ عينيّ وتذكرتُ نظرة جايسون الصارمة والحادة التي واجهتني خلف الزجاج اليوم، وشعرتُ بقشعريرة رعب خفيفة لكنني سحقتها فورًـا بغطرسة مصطنعة:

"إذا جف بئر تيا، أو شعرتُ بالخطر من جايسون، فسأستخدم الخطة البديلة، سأتقرب من سارة كولن نفسها، سأجعل من فضيحتها وحكايتها ونصفها البريطانيّ ملهمتي الجديدة، وسأعرض عليها صياغة قصتها في مسلسلي لأظهرها كبطلة أمام المجتمع، الفتيات من نوعية سارة يسهل السيطرة عليهن عندما يشعرن بالوحدة والنبذ."

وقفتُ من مقعدي، وعدلتُ وضع وشاحي الصوفيّ بكامل الأناقة، تاركًـا المبالغ النقدية القليلة المتبقية في محفظتي على الطاولة لدفع الحساب.

تطلعتُ إلى مارك الذي كان يبتسم بزهو مستعدًـا لبدء صياغة العقود المبدئية والخطط الإعلامية للمشروع الجديد.

"الأرقام والوجوه قد تكذب دائمًـا يا مارك، لكن الفوضى هي الحقيقة الوحيدة التي يمكننا استغلالها لبناء أمجادنا."

قلتُها بنبرة واثقة وصارمة بينما كنتُ أتحرك نحو مخرج المقهى، وعقلي يدور في حلقة مفرغة من الطموح والنرجسية؛ مستعدًـا تمامًـا للعبتي القادمة وسحق كبرياء عائلة كوران، وغافلاً كليًّـا عن كون هذه الفوضى هي المستنقع الذي سيبتلع الجميع في النهاية.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثمانون

    سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثمانون

    سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثمانون

    سارة جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد ل

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثمانون

    سارة رفعتُ رأسي للأعلى ومحوتُ كل الأفكار التي تراكمت في رأسي، ووعدتُ نفسي ألا أفكر في أي شيء خلال الدقائق القادمة، وأن أمنح عقلي بضع لحظات من الراحة والسكينة. سرتُ ببطء حتى محطة الحافلات القريبة. كانت الحافلة تستعد للانطلاق في أول جولة صباحية لها، فصعدتُ وجلستُ في آخر مقعد بجانب النافذة. إنها ترف التصوف بأربعة جنيهات ونصف إسترليني؛ ترف مجاني للتأمل والتفكير أثناء التنقلات. لكنني في تلك اللحظة بالذات لم أكن راغبة في التفكير في أي شيء، غير أن الأوان كان قد فات؛ إذ بدأت ذكريات ذلك اليوم الملعون تتداعى إلى عقلي حينما علمتُ بالأمر لأول مرة. استيقظتُ حينها نشيطة وسعيدة بما حققته من نجاح، ارتديتُ ثيابي وتناولتُ إفطاري وذهبتُ إلى العمل بحماس، لأجد نصف العاملين في المكان يحدقون بي بنظرات مريبة. كنتُ ساذجة وغبية جدًا لأرجع الأمر إلى كوني أصبحتُ ملكة جمال إنجلترا وأظهر على شاشات التلفاز بكثرة، لكني سرعان ما علمتُ بوجود خطب ما؛ الهواتف النقال التي تُفتح فجأة في يد كل شخص أَمُرّ بجواره كأنه يتأكد من مطابقة صورتي لشيء ما، لا توحي إطلاقاً بأن الأشياء بخير. النتيجة تم إعلانها منذ أسابيع طويلة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والثمانون

    سارة هذا العالم لا يستحق أن نعرفه، بل لا يستحق حتى أن ننهض لنحيا فيه.هكذا فكرتُ وأنا مُضجعة على الفراش تحت الأغطية الثقيلة، محاولةً الهروب من واقع يطاردني. تنصلت أشعة الشمس الخافتة من بين ثنايا الستارة الزرقاء لتنكسر خيوطها على الغطاء المسحوب فوق وجهي، تجبرني على الاستيقاظ رغماً عني، حتى بعد أن حرصتُ على تغطية جسدي بالكامل من أطراف قدمي حتى شعر رأسي. ما الذي أستطيع فعله أكثر من ذلك ليشعر العالم برغبتي العميقة والمستستميتة في التخلي عنه؟ هل أعلنها صارخة في وجه الجميع؟ هل هذا هو الثمن المطلوب لكي يتركني وشأني؟ أنا مجرد نكرة في هذا الفضاء الفسيح، لن يفتقد وجودها أحد، وإن حدث وفعل أحدهم ذلك، فستدوم حسرته ساعات معدودة ثم تنتهي وكأن شيئاً لم يكن.لم أعد أرغب في الحياة داخل هذا العالم الملىء بالصخب، لكن هذه رفاهية لا أملكها، ولا أظنني سوف أملكها قريباً.دفعتُ الغطاء عن وجهي بعنف وجلستُ مندفعة في منتصف الفراش. راح صدري يعلو ويجهد، وتلاحق نفسي كأنني أُجبرتُ على خوض معركة ضارية وضاربة في العمق، رغم أنني لم أفعل شيئاً منذ مساء أمس سوى الاستلقاء والتحديق في السقف. انتظرتُ لدقائق علّ نبضاتي ته

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامنون

    تيا في ساعة متأخرة من الليل، كان الهدوء المطبق على غرفتي الخاصة داخل قصر عائلة كوران يفتقر كليًّا إلى السكينة والارتياح. كنتُ أجلس على طرف السرير الوفير، ممسكة بهاتفي المحمول بين يديّ المرتجفتين، بينما تتصاعد أنفاسي ببطء وثقل وسط صخب الأفكار المتضاربة التي بثها دانيال جيسون في عقلي منذ لقائنا. كانت كلمات كلير الجافة والقاسية في الحانة لا تزال تتردد ك صدى مزعج يثقب أذني، تحذرني من السقوط في فخاخ الطفيليين، لكنَّ رغبتي العارمة في إثبات ذاتي، وسعيي الأعمى لصناعة مجدي الخاص ك مسؤولة أزياء أولى في ذلك المسلسل البريطانيّ الضخم، كانا يزنان على عقلي ك الدافع الأكثر شراسة. كنتُ محاصرة بين كبرياء أرستقراطيّ مجروح يريد الانتقام من تهميش سام ورعونة جايسون لارج الماليّة، وبين خوف طفوليّ دفين من الخسارة والانهيار. ترددتُ لثوانٍ طويلة، ومررتُ إبهامي فوق الشاشة المضيئة بنور زجاجيّ باهت، أتأمل الاسم المسجل في قائمة المتصلين: سارة كولن. أخذتُ نفسًا عميقًا ومحملًا بتوتر خفيّ، ثم ضغطتُ على زر الاتصال. كان صوت الرنين المتردد عبر الأثير ينساب بطيئًا، وموتورًا، وكأنَّ الخدعة بأكملها باتت معلقة على

  • عقد وأكاذيب    الفصل التاسع والثلاثين

    ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامن والثلاثين

    ميلا فيليت في تلك اللحظة، دق الهاتف الداخلي الموضوع على مكتب الاستقبال، ليعلمني موظف الأمن بقدوم الأستاذة الجامعية المتخصصة التي تم استدعاؤها للإشراف على الجانب التوثيقي للمشروع. شعرتُ بقفزة في قلبي، فحملتُ الملف السميك وجهازي اللوحي بسرعة، وغادرتُ المكتب بخطوات واسعة وواثقة نحو غرفة الاجتماعات ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع والثلاثين

    ميلا فيليتتمثلت رغباتي كلها في النجاح، لم أكن أريد أي شيء في هذه الحياة إلا أن أكون الأفضل، الأقوى، والأكثر نجاحًا. كانت الفكرة تلازمني كظلي، تنمو في عقلي كالنبتة الشيطانية التي لا ترويها إلا أضواء الإنجازات البراقة. ما كنت أحلم به منذُ أن كنتُ فتاة صغيرة في المدرسة العليا، أراقب المجلات العالمية

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والثلاثين

    سارة لم يهتم أحد بما أريد ولم يسألني شخصٌ عن رغبتي في شيء قبلًا، لم أذهب إلى السينما مع أحد قبلًا، لا أحبذ قول هذه المعلومة كثيرًا، لا أرغب بظهوري كمجرد بائسة مثلًا وإن كنت لا أشعر بالبؤس من فعل الأشياء بمفردي فعلًا، لا تستطيع أن تستمتع مع أشخاص لا يربطك بهم خيط تفاهم واحد. الحقيقة أنني اعتدتُ ال

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status