LOGINالفصل 589نظر ظافر إلى سيرين، ثم سألها بنبرة هادئة ظاهريًا، لكنها حملت ضيقًا واضحًا:ـ «ألا يمكنك الانتظار حتى صباح واحد فقط؟ لماذا تصرين على الذهاب إليه الآن؟»شعرت سيرين بأن أسلوبه تجاوز كل الحدود.قالت وهي تحاول السيطرة على غضبها:ـ «أنت تبالغ يا ظافر. أنا والدة نوح، ومن حقي أن أراه متى أردت.»ساد صمت قصير.ثم ارتفعت نبرة ظافر برودة، وكأن كلماتها لامست جرحًا قديمًا لم يلتئم:ـ «أوه... إذن أنتِ تعرفين أن من حقك رؤية ابنك، أليس كذلك؟»توقفت سيرين عن الكلام.تابع ظافر:ـ «فهل تعلمين إذن كم كان مؤلمًا بالنسبة إليّ أن أبقى بعيدًا عن أطفالي طوال هذه السنوات؟»شعرت سيرين وكأن كلماته تحولت إلى نصل اخترق قلبها.تراجعت خطوة إلى الخلف، وانخفضت عيناها للحظة.كانت تعرف أنه يتحدث عن الماضي، لكنها لم تتوقع أن يستخدم ألمها وألمه في مواجهتها بهذه الطريقة.وبعد لحظة صمت، قالت بهدوء:ـ «حسنًا... سأنتظر حتى الظهر، ثم أراه.»لكن ظافر لم يترك لها حتى هذا الخيار.اقترب منها خطوة وقال ببرود:ـ «سأعيده إلى قصر نصران عند الظهر.»رفعت سيرين رأسها بسرعة.عاد إلى ذهنها فورًا ما أخبرها به عدنان عن حديثه مع شادي
الفصل 588وقف ظافر شامخًا عند مدخل المستشفى، مستندًا إلى جذع شجرة كبيرة تستظل بأغصانها الواسعة. كان ساكنًا تمامًا، وملامحه هادئة إلى درجة يصعب معها معرفة ما يدور في داخله.كان فاقدًا للبصر، ولذلك لم يكن يستطيع رؤية سيرين أو آرون وهما يقتربان، لكن حارسه الشخصي كان يرافقه ويصف له ما يحدث أولًا بأول.قال الحارس بهدوء:ـ «سيدي، لقد وصلا. سيرين مع آرون.»ما إن سمعت سيرين ذلك، حتى توقفت خطواتها فجأة.كانت تعرف أن مواجهة ظافر في هذه اللحظة لن تكون سهلة، خصوصًا بعد أن علمت أنه كان ينتظرها أمام المستشفى.نظرت إليه للحظات، ثم تقدمت خطوة إلى الأمام ووقفت أمام آرون، وكأنها تحاول أن تمنع أي سوء فهم أو مواجهة غير ضرورية.قالت له بهدوء:ـ «أنا هنا الآن. يمكنك العودة.»أومأ آرون برأسه، ولم يبدُ عليه الاعتراض.ـ «حسنًا. أراك لاحقًا.»وفي اللحظة نفسها، اقتربت سيارته بهدوء.صعد آرون إليها، ولوّح لها بإشارة صغيرة قبل أن تتحرك السيارة مبتعدة عن المكان.ظلت سيرين تتابع السيارة بعينيها حتى اختفت من أمامها، ثم استدارت واتجهت نحو ظافر.وعندما وقفت أمامه أخيرًا، سألت بصوت هادئ:ـ «هل يمكنني رؤية نوح الآن؟»لم
الفصل 587وكما توقع نوح تمامًا، بدأت الغيرة تتسلل إلى ظافر رغم محاولته إخفاءها خلف ملامحه الجامدة.رفع نوح يده، وراح يعد على أصابعه ببطء، متعمدًا أن يترك كل كلمة تقع في أذن ظافر كحجر صغير يثير ضيقه:ـ «واحد... اثنان... ثلاثة...»توقف لحظة، ثم تابع بلهجة واثقة:ـ «أظن أن عددهم لا يقل عن اثني عشر رجلًا، وجميعهم وسيمون نوعًا ما.»تجمد ظافر للحظة.اثنا عشر رجلًا؟!لم يستطع استيعاب الرقم.طوال السنوات التي قضاها متزوجًا من سيرين، لم يتذكر أن رجلًا واحدًا كان يحيط بها أو يحاول الاقتراب منها. فكيف ظهر فجأة أكثر من اثني عشر رجلًا يتوددون إليها؟حاول أن يحافظ على هدوئه، لكن نبرة صوته فضحت اهتمامه:ـ «وماذا في ذلك؟ هل قبلت أيًا منهم؟»ابتسم نوح في داخله.لقد أصاب الهدف.استلقى على السرير، ووضع يده خلف رأسه، ثم ربت على صدره ببطء، متظاهرًا بأنه لا يعرف شيئًا.قال ببراءة مستفزة:ـ «لا أعرف.»سكت لحظة، ثم أضاف:ـ «ليس الأمر وكأنني أكون بجانبها طوال الوقت.»اشتدت ملامح ظافر.كان يعلم أن الطفل يتلاعب به، لكنه لم يجد طريقة مناسبة لإسكاته دون أن يكشف مدى انزعاجه.وبعد لحظة صمت، نهض من مكانه وقال ببرود:
الفصل 586ـ «ماذا لو رآنا أحد؟»ما إن سمع ظافر كلمات سيرين التي نقلها إليه الحارس، حتى خرجت منه ضحكة باردة خالية من أي مرح.كان واضحًا أن مجرد تخيلها وهي تخشى أن يراهما أحد برفقة آرون قد أشعل شيئًا في داخله.جلس في المقعد الخلفي للسيارة، وملامحه جامدة لا تكشف شيئًا، ثم قال للسائق بصوت مقتضب:ـ «إلى المستشفى.»ـ «نعم، سيدي.»أجاب السائق بسرعة، وانطلق بالسيارة فورًا.كان الرجل يمسك المقود بكلتا يديه، لكن أصابعه كانتا ترتجفان قليلًا. أما جبينه، فقد غطته طبقة من العرق البارد. لم يكن بحاجة إلى أن يكون خبيرًا ليعرف أن مزاج ظافر كان في أسوأ حالاته....في هذه الأثناء، كان نوح يعيش معركة مختلفة تمامًا داخل جناحه.كان الطفل يبكي ويصرخ، ويدفع الطعام بعيدًا عنه كلما حاولت ويندي إطعامه.ـ «أريد أمي! لماذا ليست هنا؟ أريد أمي! أمي...»كانت ويندي تقف أمامه عاجزة، لا تعرف كيف تهدئه.ـ «نوح، أرجوك، كن مطيعًا وتناول طعامك، حسنًا؟ والدتك ستأتي عندما تستطيع.»لكن نوح لم يستمع إليها.كان لطيفًا مع ويندي في العادة، ولم يكن يرفع صوته عليها أو يتعمد إزعاجها. لكنه في تلك اللحظة لم يكن يفكر في شيء سوى سيرين.ه
الفصل 585صُدمت شادية مرة أخرى، واتسعت عيناها بدهشة.ـ «ماذا؟»تنهد نوح بعمق، ثم قال بصوت يحمل قدرًا واضحًا من الحزن:ـ «أشتاق إلى أمي وأبي... وأراهن أنهما يشتاقان إليّ الآن أيضًا. أنتِ لديك ابن، أليس كذلك؟ لو كان ابنك في المستشفى، ولم يسمحوا لكِ برؤيته، ألا كنتِ ستشعرين بالحزن والقلق؟»توقفت شادية عن الكلام.كانت كلمات الطفل بسيطة، لكنها أصابت قلبها في موضع حساس.كان نوح قد أمضى اليوم كله دون أن يرى سيرين. وبعد أن سأل الحراس الشخصيين عن سبب غيابها، عرف أخيرًا أن ظافر أصدر تعليماته بألا يُسمح لأي شخص بزيارته من دون إذنه.وبالنسبة إلى طفل مثل نوح، لم يكن من الصعب أن يفسر الأمر على أنه عقاب أو احتجاز.ولهذا، لم يكن غريبًا أن يعود كرهه لظافر من جديد.أما شادية، فقد وجدت نفسها في موقف غريب؛ كانت سعيدة لأن نوح حفيدها كان لبق في الحديث، وفي الوقت نفسه كانت غاضبة من سيرين أكثر من أي وقت مضى.قبضت أصابعها ببطء، وقالت في نفسها إن سيرين هي السبب في كل ما يحدث.ثم التفتت إلى نوح وقالت:ـ «نوح... السيد ظافر هو والدك الحقيقي.»ساد الصمت.تجمد نوح لثوانٍ، ثم أدرك أخيرًا سبب زيارة شادية له، ولماذا ك
الفصل 584كانت شادية ترتدي فستانًا أنيقًا زادها جمالًا، وبدا مظهرها أكثر شبابًا وحيوية من المعتاد. وما إن دخلت جناح نوح ورأته أمامها، حتى تجمدت للحظة.كان وجهه الصغير يحمل شيئًا مألوفًا جدًا بالنسبة إليها... شيء أعادها سنوات إلى الوراء، إلى الأيام التي كان فيها ظافر طفلًا صغيرًا.اتسعت ابتسامتها، وشعرت بقلبها يخفق بعاطفة لم تختبرها من قبل.لقد أصبحت جدة أخيرًا.اقتربت منه بحماس وقالت:ـ «أنا جدتك يا نوح.»ثم انحنت ومدت ذراعيها محاولة احتضانه، لكن نوح تراجع بسرعة إلى الخلف، وابتعد عنها كمن يتجنب شخصًا غريبًا تمامًا.وقال ببراءة شديدة، لكنها كانت تحمل في أعماقها خبثًا طفوليًا واضحًا:ـ «أظنك أخطأتِ يا أيتها العجوز... أنا لست حفيدكِ.»تجمدت شادية في مكانها.حدقت فيه للحظات، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو.عجوز؟!كان من الممكن أن تغضب بشدة لو صدر هذا الكلام من طفل آخر، لكن هذه المرة كان الوضع مختلفًا تمامًا.فهذا أول حفيد تراه في حياتها.ولهذا لم تستطع إلا أن تبتلع الإهانة وتبتسم، بل إن قلبها امتلأ بسعادة غريبة لم تستطع إخفاءها.ولكي تقترب منه أكثر، أمرت رجالها على الفور بإحضار الهدايا ال
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







