LOGINالفصل 775ما إن وصلت شادية إلى القصر، حتى طلبت من سكرتيرتها وضع الهدايا التي أحضرتها جانبًا، ثم اتجهت للبحث عن نوح.كان الصغير لا يزال مستلقيًا في غرفته يستمتع بقسط من الراحة، فواصلت شادية طريقها نحو المطبخ، حيث فوجئت بجيسيكا تجلس وتأكل بشهية.وما إن وقعت عينا جيسيكا عليها، حتى تجمدت للحظة، قبل أن تسارع إلى وضع الطعام الذي تحمله جانبًا، وقد ارتسم الحرج على ملامحها.— عمتي شادية، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟تأملت شادية تصرفها، ولمعت في عينيها نظرة ازدراء، ثم سألت ببرود:— هذا منزل ابني، أليس من حقي أن آتي متى شئت؟ وما الأمر؟ هل كنتِ تتناولين وجبة خفيفة في المطبخ؟لم يرق لشادية ما رأته؛ فقد بدا لها تصرف جيسيكا بعيدًا تمامًا عن الرقي واللباقة اللذين اعتادت رؤيتهما من فتيات العائلات الثرية.أما جيسيكا، فقد أدركت جيدًا ما يدور في ذهنها، فسارعت إلى الاعتذار:— أنا آسفة يا عمتي شادية. لقد انتظرتك طوال يوم أمس دون أن أتناول شيئًا، وكنت جائعة للغاية هذا الصباح، فلم أستطع التحمل.لم تُبدِ شادية اهتمامًا كبيرًا بتبريرها، واكتفت بقولها:— كوني أكثر حذرًا في المرة القادمة.كانت تنوي سؤالها عن أحوالها
الفصل 774حين واجهت جيسيكا سؤال سيرين، تظاهرت بالجهل، ورفعت حاجبيها باستغراب مصطنع.— ألا يجب أن تشعر النساء الحوامل بالجوع؟ثم سارعت إلى الاعتذار بنبرة ساذجة:— أنا آسفة، لم أكن أعلم.أدركت سيرين أنها تتعمد التظاهر بالغباء، فلم تجادلها، واكتفت بخفض رأسها ومواصلة تناول طعامها.فلم يكن من المعقول أن تنتظر شادية حتى تأتي، بينما كانت سيرين في أمسّ الحاجة إلى الالتزام بمواعيد وجباتها. فقد سبق أن فحص الطبيب الجنين، وأخبرها بأن الحمل لم يكن مستقرًا تمامًا، محذرًا إياها من أن إهمال الطعام وعدم الانتظام في تناوله قد يؤثران سلبًا على نموه، لا سيما أنها تعاني من ضعف في المعدة.لاحظ نوح بدوره حيلة جيسيكا، فقرر أن يتدخل بطريقته الخاصة.— أمي، لا تلومي العمة جيسيكا. فهي لم تُنجب طفلًا من قبل، ومن الطبيعي ألا تفهم هذه الأمور.ثم التفت إليها، وأمعن النظر فيها قبل أن يسأل ببراءة أربكتها:— عمتي جيسيكا، هل تواجهين صعوبة في العثور على زوج؟تبدلت ملامحها في لحظة.— ماذا؟واصل نوح حديثه بالجدية نفسها:— تبدين أكبر من الثلاثين، أليس كذلك؟ بل أظنك أكبر من أمي أيضًا. هل السبب أن أحدًا لا يحبك، ولذلك لم تتمك
الفصل 773أشرقت ملامح جيسيكا فرحًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة وهي تقول:«شكرًا لكِ يا سيرين!»ثم تبعت سيرين إلى الداخل، لكنها لم تنسَ قبل ذلك إعادة المعطف إلى حارس الأمن، مع توجيه كلمات الشكر إليه بابتسامة دافئة.كانت جيسيكا تعرف جيدًا كيف تترك انطباعًا أوليًا مثاليًا لدى الآخرين. بلباقتها ودفء تصرفاتها، استطاعت أن تكسب الود بسهولة، سواء أمام أصحاب المكانة الاجتماعية الرفيعة أو الأشخاص العاديين.وكان ذلك تحديدًا ما تسعى إليه؛ أن تتسلل تدريجيًا إلى حياة سيرين، وتكسب ثقة كل شخص يحيط بها، واحدًا تلو الآخر.فما إن دخلت القصر حتى التقطت حقيبتها، واتجهت نحو دورة المياه، قائلة بلطف:«سيرين، سأذهب لتبديل ملابسي المبتلة وارتداء شيء جاف».أجابتها سيرين باقتضاب:«حسنًا».تبادل نوح ومدبرة المنزل نظرات متفاجئة. لم يتوقع أي منهما أن تستقر جيسيكا في القصر بهذه السرعة كواحدة من أفراد العائلة.أما مدبرة المنزل، فقد شعرت بقلق متزايد وهي تستعيد ما فعلته قبل قليل. لقد تركت جيسيكا واقفة في الخارج طوال اليوم، بل وأمرت حارس الأمن بطردها!ماذا لو كانت فعلًا قريبة للسيد نصران؟ ماذا لو اكتشفت ما حدث وقر
الفصل 772لم تكتفِ جيسيكا بما عرفته، بل واصلت طرح المزيد من الأسئلة، متنقلة من موضوع إلى آخر بمهارة، وكأنها تتحدث بدافع الفضول البريء، بينما كانت في الحقيقة تجمع كل معلومة يمكن أن تفيدها.وأثناء حديثهما، نهض حارس الأمن فجأة، وأحضر معطفًا ووضعه برفق على كتفيها، محاولًا تدفئتها بعد أن لاحظ ارتجافها من البرد.رفعت جيسيكا عينيها إليه، وأشرقت نظراتها بامتنان مصطنع، ثم ابتسمت ابتسامة آسرة وهي تقول:«سيدي، أنت شخص لطيف للغاية!»احمر وجه الرجل خجلًا، وأخذ يحك رأسه في ارتباك، عاجزًا عن إخفاء تأثره بكلماتها.استغلت جيسيكا اللحظة، وأمالت رأسها قليلًا قبل أن تضيف بنبرة مطمئنة:«لا تقلق مني، أنا لا أكذب عليك. سأعيش هنا من الآن فصاعدًا، وآمل أن تعتني بي».اتسعت عينا حارس الأمن دهشة، ثم أشرقت ملامحه بحماس واضح.«حقًا؟ هذا رائع! آنسة كويل، يمكنك الاعتماد عليّ. سأساعدك في أي شيء تحتاجين إليه».وهكذا، في أقل من نصف يوم، استطاعت جيسيكا بجمالها وسحرها المعهودين أن تستحوذ على اهتمام الرجل وتكسب وده بسهولة مذهلة. كان الوقت قد تأخر كثيرًا حين انتهت سيرين من مناقشة تفاصيل العمل مع آرون، وأخيرًا قررت العودة
الفصل 771تبدلت ملامح ظافر ليحل محلها عبوس قاتم، قبل أن يقول بنبرة جادة:«بما أنها سمحت لك بالبقاء، فعليك الذهاب إلى القصر والاعتناء بها هناك».لم يكن ظافر بحاجة إلى رؤيتها كي يدرك أن سيرين، بشخصيتها الجديدة قادرة على التعامل مع جيسيكا بطريقتها الخاصة، وربما أكثر مما يتوقعه أحد.أما جيسيكا، فقد تجمدت في مكانها من شدة الدهشة. اندفعت رغبتها الأولى إلى الرفض، وكادت الكلمات تفلت من شفتيها، لكنها توقفت فجأة حين أدركت حقيقة لم تخطر لها من قبل.العيش مع سيرين يعني، في نهاية المطاف، البقاء بالقرب من ظافر!تبدلت ملامحها في لحظة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متحمسة وهي تجيب سريعًا:«حسنًا، سأذهب إلى القصر الآن».حتى جيسيكا نفسها فوجئت بمدى سهولة سير الأمور. لم تتوقع أن تحصل على موافقته بهذه السرعة، فاستغلت الفرصة دون إبطاء، وغادرت مسرعة قبل أن يغير رأيه.وفي الوقت نفسه، لم تكن سيرين تعلم أن ظافر أعاد إليها تلك المهمة الشائكة وألقى بمسؤولية جيسيكا على عاتقها.كانت منشغلة بمقطوعة موسيقية راجعتها في اليوم السابق، فحملتها وانطلقت في طريقها، دون أن يخطر ببالها ما ينتظرها عند عودتها.ما إن وصلت جيسيكا
الفصل 770تركت جيسيكا سروال سيرين ببطء، ثم رفعت عينيها إليها وقالت بصوت خافت يحمل رجاءً واضحًا:«هل يمكنكِ التحدث إلى ظافر نيابةً عني؟»انعقد حاجبا سيرين باستغراب، وحدقت فيها للحظات قبل أن تجيب بلهجة ساخرة:«هل فقدتِ عقلكِ؟ طلبتِ مني أن أسمح لكِ بالبقاء، وقد وافقت. والآن تريدين مني أن أتحدث إلى ظافر؟ كان عليكِ أن تبدئي بطلب أن أتوسل إليه نيابةً عنكِ أيضًا!»تجمدت الكلمات على شفتي جيسيكا. لم تتوقع أن تواجهها سيرين بهذه الحدة والفصاحة، فلم تجد ردًا مناسبًا تدافع به عن نفسها.أما مدبرات المنزل، فقد تبادلن النظرات في صمت. لم تبدُ سيرين متعسفة كما حاولت جيسيكا تصويرها، بل إن تصرفات الأخيرة بدأت تثير الشكوك حول نواياها الحقيقية.أضافت سيرين، وقد ازدادت نبرتها صرامة:«ظافر هو من طلب منكِ المغادرة، لكنكِ تحاولين تصوير الأمر وكأنني أنا من يمنعكِ من البقاء. لو كان القرار بيدي، لما احتجتِ أصلًا إلى أن تطلبي مني التحدث إليه.»عجزت جيسيكا عن الرد، وظلت تحدق فيها بصمت، قبل أن تتمتم بعد برهة طويلة:«لقد أسأتِ فهمي.»أطلقت سيرين ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم قالت بحسم:«كفى. لن أنخدع بحيلكِ. لدي أمور
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با







