LOGINالفصل الثاني
رائحة الدم والمطر
ايلارا
سحب يده فجأة، واستقام في وقفته، موجهاً نظره مرة أخرى إلى الجثة، وأردف بصوت بارد "سأخذ الجثة، وفريقك سينظف المكان، لن يكون هناك تقرير رسمي للشرطة الليلة."
لم يكن سؤالاً...كان أمراً.
فهمت المغزى، هو لا يريد فضيحة، هو يريد تنظيف داخلياً بنفسه، وهو الآن يشك في أنني أعرف أكثر مما أقول، لكنه قرر إبقائي حية مؤقتاً.
لماذا؟ هل لأني مفيدة؟ أم لأنه يريد مراقبتي؟
"أفهم"، قلت ببساطة، ترددتُ لثانية واحدة فقط، "لكن هناك تفاصيل أخرى."
رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أنا أصغي."
أردفت بصوت مهزوز قليلاً "وجدتُ شيئاً مدفوناً في جسده." أخرجتُ الشريحة ببطء من جيبي وعرضتُها له على راحة يدي، "لقد أخفيتُها قبل قدومكم، لو فتش أحد آخر الجثة، كان سيكتشفها."
نظر إلى الشريحة ثم إليّ، نظرة جديدة ظهرت في عينيه الرماديتين: مزيج من الدهشة والتقييم.
"وأخفيتِها لأنكِ...؟" سأل بهدوء مخيف.
أجبت سريعاً بدون تردد "لأنني أعرف من أنتَ، وأعرف ما يعنيه هذا الوشم وهذه الشريحة، الجثة وصلت إليّ بهدوء، كأن أحداً أراد أن أراها أنا بالذات، إما أن يكون هذا فخاً، أو اختباراً، في الحالتين، أنا الآن هدف، وأنا لا أحب أن أكون كذلك."
اقترب أكثر حتى أصبح على بعد خطوات قليلة، كان ينظر إليّ كأنه يفككّني قطعة قطعة، ثم سإل"أنتِ لستِ خائفة؟"
"الخوف لا ينقذ أحداً هنا، سيد ريتشي." رددتُ ببرود، رغم أن قلبي يرتجف "لكن العقل ينقذ، إذا كنتَ ستأخذ الجثة الآن وتمنع أي تقرير رسمي، فأريد منكَ شيئاً واحداً: امحُ أي أثر لوجودي في هذا الأمر، لا تسجيلات كاميرات، لا شهود، لا اسمي في أي مكان، أريد أن أخرج من هذه اللعبة قبل أن تبدأ."
ابتسم كارلو، ابتسامة بطيئة، خطرة، تجعل القشعريرة تسري في ظهري. "أصبحت تتفاوضين معي الآن؟"
"أفاوض لأبقى حية." قلتُ وأنا أرفع ذقني، "وأنتَ تحتاج إلى شخص مثلي، شخص يستطيع أن يقرأ الموت بدقة، ويخفي ما يجب إخفاؤه."
نظر إليّ طويلاً، الصمت كان ثقيلاً، يقطعه فقط صوت المطر، ثم أومأ برأسه لأحد رجاله.
"امحوا كل تسجيلات الكاميرات في المستشفى، وأي سجل لدخول الجثة." أجاب رجاله بطاعة وتحركوا بسرعة، ثم عاد ينظر إليّ، "أنتِ ذكية، طبيبة فيتالي، وربما أخطر مما تبدين، سآخذ الجثة والشريحة."
مد يده ببرود، سلّمته الشريحة، أصابعه لمست أصابعي للحظة، كهرباء خفيفة سرت في جسدي.
"لكن تذكري شيئاً"، همس وهو ينحني قليلاً نحوي، "ندرانغيتا لا تنسى من يساعدها... ولا من يخونها، سأراقبك." أنهى تهديده الواضح، ثم تراجع خطوة، وأمر رجاله بحمل الجثة في كيس أسود.
قبل أن يخرج، التفتَ مرة أخرى. "إلى اللقاء، طبيبة فيتالي."
عندما أغلق الباب خلفهم، جلستُ على الكرسي الدوار، يدي ترتجفان لأول مرة منذ سنوات، لم تكن رجف خوف، كانت رجفة رعب حي زرعه ذلك الرجل في قلبي.
أخرجتُ هاتفي وتأكدتُ أنني من كل صورة أو ملاحظة، ثم نظرتُ إلى النافذة حيث ينهمر المطر.
لقد لمستُ الشيطان. ونجوتُ... لهذه الليلة فقط.
لكنني أعرف أن اللعبة قد بدأت، والسؤال ليس هل سأنجو؟ بل هل سأصبح بيدقاً في يد كارلو ريتشي؟
***
كارلو
داخل سيارة المرسيدس مايباخ السوداء الفاخرة، كنتُ أجلس في المقعد الخلفي بينما كنا نتحرك ببطء عبر شوارع بيروجيا المبللة بالمطر، الساعة 02:45 صباحًا.
أغمضتُ عينيّ للحظة، مستشعراً دفء الشريحة الإلكترونية في جيب صدر سترتي. جثة جوليو كانت في السيارة التي تسير أمامنا، ملفوفة في كيس أسود، لكنني لم ألقِ عليها نظرة واحدة. العاطفة رفاهية، لم يكن هناك مجال للعاطفة الآن، العاطفة كانت رفاهية للضعفاء، وأنا لم أصل إلى قمة "ندرانغيتا" لأكون ضعيفاً.
أغمضت عينيّ للحظة، مستعيداً صورة الطبيبة.
تلك المرأة... إيلارا فيتالي.
لم تكن خائفة، وهذا ما أثارني أكثر من أي شيء آخر.
رجال يبدون أكثر قوة وصلابة منها يرتجفون عندما يسمعون اسمي، بعضهم يفقد السيطرة على جسده من الرعب، لكن هي؟ نظرت إليّ بعينيها الزرقاوان الباردتين كأنني مجرد جثة أخرى على طاولة التشريح الخاصة بها.
لم ترتجف يدها، لم يهتز صوتها، بل فاوضتني ببرود وذكاء حاد. شعرتُ بتحدٍ حقيقي لأول مرة منذ سنوات، تحدٍ نظيف، حاد، مثير.
"ماركو" ، قلتُ لمساعدي الذي كان جالساً في المقعد الأمامي، صوتي منخفضاً وهادئاً.
أجاب بهدوء "نعم، سيدي."
"هل تم مسح السجلات بالكامل؟" سألت بصوت بارد."نعم، سيدي. خادم المستشفى تعرض لـ 'عطل تقني' مفاجئ الليلة. لا يوجد دليل على دخولنا أو خروج الجثة. وحتى سجلات دخول الطبيبة فيتالي للعمل الليلي تم تعديلها لتبدو روتينية."
أومأت له برأسي "جيد، ابدأ بمراقبة شقتها، لا تقترب منها، لا تتحدث معها، لا تخيفها، أريد أن أعرف كل شيء عنها، من تتصل به؟ ماذا تأكل؟ متى تنام؟ ومن يزورها؟ إذا تحركت أريد معرفة كل خطوة خطتها."
"هل تشك بها، سيدي؟" سأل ماركو بحذر.
فتحتُ عينيّ الرماديتين وحدقتُ في الظلام أمامي، شعور غريب يسري في صدري، مزيج من الشك والنشوة الخالصة، ثم تنهدت لا أثق بأحد، ماركو. لكن هذه المرأة... مختلفة." ابتسمتُ ابتسامة شرسة، ابتسامة وحش يشم رائحة فريسة تستحق الصيد، "جوليو كان يحمل أسراراً قد تهدم كل شيء بنيناه لو وقعت في الأيدي الخطأ."
أخرجت الشريحة من جيبي ونظرت لها بعيون ثاقبة "وتلك الشريحة التي كانت بجسده...بالتأكيد تحتوي على كارثة يجب أن نكتشفها."
أردفت وأنا أحدث بالشريحة "لو كانت الطبيبة فيتالي جشعة، لكانت باعتها لأعلى مزايد الليلة، لكنها أخفتها وسلمتها لي، هذا يعني أمرين: إما أنها ذكية جداً وتعرف أن اختارت الجانب الرابح، أو أنها تلعب لعبة شرسة أطول مما نتخيل."
أومأ ماركو موافقاً "لديك نظرة ثاقبة، سيدي."ضحكتُ ضحكة منخفضة، عميقة، مليئة بالإعجاب المظلم.
يا لها من امرأة! لم أرَ مثل هذا البرود والقوة في عيون امرأة منذ زمن طويل، شعرتُ بالتحدي يسري في عروقي عندما نظرت إليّ بهذه الطريقة...كأنها ترى الوحش ولا تنحني، هذا النوع من النساء إما يدمرك، أو يصبح تاجك.
توقفت عن الحديث عندما اهتز هاتفه، رسالة مشفرة وصلت إليّ، قرأتها بسرعة، ثم محيت الرسالة.
كانت الرسالة من مصدر داخل الشرطة: "التحقيق الرسمي في اختفاء جوليو سيبدأ غداً صباحًا، المشتبه بهم: عصابة منافسة من نابولي."
ابتسمت ورددت داخلي "إيلارا فيتالي لم تنقذ نفسها فقط الليلة. لقد منحتني الغطاء المثالي لإعلان الحرب على نابولي دون أن يربط أحد الأمر بجثتي."
نظرتُ إلى انعكاس وجهي في الزجاج المعتم، عيناي كانتا تلمعان ببريق لم يظهر فيهما منذ فترة طويلة "لعبتِ دوركِ بشكل رائع الليلة، دكتورة فيتالي..." همستُ لنفسي "لكن حتى في لعبة الشطرنج الخاصة بنا، حتى الملكة يمكن التضحية بها."
شعرتُ بنشوة غريبة تملأ صدري. نشوة الصياد الذي وجد فريسة تستحق أن يطاردها لسنوات.
***
إيلارا
وصلت شقتي الصغيرة الأنيقة في وسط المدينة القديمة، الساعة 03:30 صباحاً.
جلست على أرضية غرفة المعيشة، ظهري مسند إلى الأريكة، وكأس من النبيذ الأحمر في يدي لم أشرب منه قطرة. كانت الملابس الطبية ملقاة في زاوية الغرفة، لكن عقلي لا يزال عالقاً في برودة المشّرحة.
لم أكن أرتجف الآن. كنت أخطط.
أخرجتُ هاتفي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أتأكد من الصور، فتحتُ تطبيقاً مشفراً يبدو وكأنه آلة حاسبة عادية، كتبتُ رمزاً سرياً، فظهرت شاشة سوداء مع نص واحد فقط: "البيانات محفوظة داخلياً."
تنهدتُ بعمق حين أخفيت المعلومات التي حصلت عليها من تلك الجثة، فيجب أن يكون لدي بطاقة رابحة إذا حدث شيء، لو لم أسلم كارلو الشريحة لكنت في عداد الموتى.
لأن كارلو ريتشي قال: "سأراقبك."
وهذا يعني أنه سيعطيني اهتماماً، والاهتمام، في عالم الإجرام المنظم، هو العملة الأكثر قيمة.نهضتُ ومشيتُ نحو النافذة، المطر لم يتوقف، رأيتُ سيارة سوداء متوقفة على بعد مبنى واحد من شقتي، لم يحاولوا إخفاء وجودهم تماماً، كانوا يريدونني أن أعرف أنهم هناك.
رفعتُ كأس النبيذ في تحية صامتة نحو الظلام في الخارج.
"أهلاً بك في رقصة الموت، كارلو ريتشي"، همستُ لنفسي، "أنت تظن أنك الصياد، لكنك نسيتَ شيئاً واحداً...أنا التي تشّرح الجثث."
أدرتُ ظهري للنافذة، وخطوتي كانت ثابتة هذه المرة، لم أعد الضحية التي وجدت جثة في مشرحتها، أصبحتُ اللاعب الذي يملك الورقة الرابحة، حتى لو لم يعرف خصمي ذلك بعد.
أسيرة في منزل الشيطانكارلوصوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشري
رقصة مع الشيطان ايلاراكان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة.وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي.كارلو ريتشي.كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة.لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها. عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد.لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر
الفصل الرابععقل مشتتإيلارااستيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً."أنتِ لستِ خائفة؟" "الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.لكنني كنتُ خائفة.اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية
الفصل الثالثظلال العالم السفلي كارلوكانت الرياح الباردة تهب على نوكيرا أومبرا عندما هبطت الهليكوبتر السوداء في باحة المنزل الآمن الذي أقيم فيه مؤقتاً، السماء لا تزال تمطر، لكن هنا في الجنوب كان المطر أقل رأفة، كأنه يحاول غسل الدماء القديمة المرسومة على أرض كالابريا.نزلتُ من الهليكوبتر دون أن أنتظر المساعدة، معطفي الأسود يتمايل مع الريح، الشريحة الإلكترونية كانت لا تزال في جيبي، تحرق صدري كقطعة فحم، لم أنم منذ ساعات، ولم أكن بحاجة إلى النوم، الوحوش لا تنام؛ هي تراقب فقط.في المدخل الرئيسي للقصر الحجري القديم الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، كان ينتظرني ألسترو بيتروتشي، رجل في اوائل الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، جسده لا يزال قوياً كما كان في أيامه مع والدي، كان ذراع والدي الأيمن، والآن ذراعي أنا الأيمن، عيناه الداكنتين لم تتركا وجهي لحظة واحدة."سيدي." انحنى قليلاً، صوته خشن كالرمال. "التقارير جاهزة، الكمين كان مدبراً بعناية." دخلتُ القصر وأنا أتجه إلى مقعدي "أحضروا الخائن."لم يسأل ألسترو كيف عرفت، أمر بإشارة سريعة إلى أحد الرجال، بعد دقائق، سُحب رجل مكبل اليدين والقد
الفصل الثانيرائحة الدم والمطرايلاراسحب يده فجأة، واستقام في وقفته، موجهاً نظره مرة أخرى إلى الجثة، وأردف بصوت بارد "سأخذ الجثة، وفريقك سينظف المكان، لن يكون هناك تقرير رسمي للشرطة الليلة."لم يكن سؤالاً...كان أمراً.فهمت المغزى، هو لا يريد فضيحة، هو يريد تنظيف داخلياً بنفسه، وهو الآن يشك في أنني أعرف أكثر مما أقول، لكنه قرر إبقائي حية مؤقتاً.لماذا؟ هل لأني مفيدة؟ أم لأنه يريد مراقبتي؟"أفهم"، قلت ببساطة، ترددتُ لثانية واحدة فقط، "لكن هناك تفاصيل أخرى."رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أنا أصغي."أردفت بصوت مهزوز قليلاً "وجدتُ شيئاً مدفوناً في جسده." أخرجتُ الشريحة ببطء من جيبي وعرضتُها له على راحة يدي، "لقد أخفيتُها قبل قدومكم، لو فتش أحد آخر الجثة، كان سيكتشفها."نظر إلى الشريحة ثم إليّ، نظرة جديدة ظهرت في عينيه الرماديتين: مزيج من الدهشة والتقييم."وأخفيتِها لأنكِ...؟" سأل بهدوء مخيف.أجبت سريعاً بدون تردد "لأنني أعرف من أنتَ، وأعرف ما يعنيه هذا الوشم وهذه الشريحة، الجثة وصلت إليّ بهدوء، كأن أحداً أراد أن أراها أنا بالذات، إما أن يكون هذا فخاً، أو اختباراً، في الحالتين، أنا
الفصل الأولالتشريح الصامتفي مشرحة مستشفى نوكيرا أومبرا، الطابق السفلي، إقليم أومبريا، إيطاليا، ليلة ممطرة، الساعة تشير إلى 02:15 صباحاً.كان المطر ينهمر بغزارة على زجاج النوافذ العالية، كأن السماء نفسها تبكي على ما يحدث في هذا القبو البارد.أنا إيلارا فيتالي، ولم أخفَ الموت يوماً، كنت أجده أصدق من الأحياء، هنا، بين الجدران المبلطة بالأبيض المزرق والأضواء النيون القاسية، لا كذب ولا أقنعة، فقط حقيقة اللحم والعظم.وقفتُ أمام طاولة التشريح الفولاذية، مرتدية معطفي الطبي الأبيض النظيف، وقفازاتي الزرقاء.شعري الأشقر الطويل مربوط بذيل حصان مشدود، يكشف عن رقبتي الطويلة وملامح وجهي التي يقول الناس إنها تشبه أمي، يقولون أنني أشبه تماثيل الآلهة اليونانية القديمة: عظام واضحة، بشرة فاتحة تشع بنعومة باردة، وعينان زرقاوان حادتان كالجليد الذائب، جمالي لم يكن نعمة دائماً؛ في عالمي هذا، أصبح سلاحاً وهدفاً في الوقت نفسه.الجثة أمامي أيضاً لم تكن عادية، لم تكن مجرد جثة ضحية جريمة عشوائية في أزقة أومبرا المظلمة، كان الرجل موضوعاً على الطاولة يرتدي بدلة حريرية باهظة الثمن، ممزقة عند الكتف الأيسر، حيث دخلت







