Compartir

الخامس

last update Fecha de publicación: 2026-05-20 16:51:28

— إستنّي!

قالها "أحمد" صارخًا بـ"فرحه"، فألقت ما بيدها أرضًا ونظرت له بفزع، واضعةً يدها على صدرها، وقالت:

— خضّتني يا أحمد أفندي، يخربيتك!

رفع حاجبه بدهشة وقال:

— هو إنتِ شبه الأطفال كده؟! كل حاجة على بؤك؟!

نظرت له مغتاظة، وظلت تشهق وتزفر بعصبية، فقال:

— لا تعالي خدي لكِ قلمين أحسن.. إنتِ تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمّم؟!

رفعت شفتها بنزق وقالت:

— اسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده.. وبعدين يعني ما هو كان بيطلع جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني.

— بيطلع؟! بيطلع إيه؟! هو بلح؟! إنتِ هتجيبي أجلي قريب يا فرحه.

— لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك.

نظر لها حانقًا، ثم انحنى والتقط الفطر بيديه، ثم فركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهاب شديد.

نظر لها بمعنى: "أرأيتي؟!" ثم قال:

— كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحه هانم!

قالت ببلاهة:

— إنت عملت إيه؟!

— زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فالجلد احمرّ واتهبّ.. معنى كده إنه سام وكان ممكن يسممك.

— يحلاوة.....

قاطعها مكملًا جملتها:

— العلم نور يا ولاد.

اتسعت ابتسامتها، فابتسم هو أيضًا وقال:

— متبقيش مستهترة كده يا فرحه.. فكري الأول قبل ما تعملي أي تصرف.

— معاك حق يا أحمد أفندي!

زفر بملل وقال:

— وإيه أحمد أفندي دي يا فرحه؟! اسمي أحمد بس.. ارفعي الألقاب.

فاجأته عندما قالت:

— لااا يا أحمد أفندي، ما هو أنا مش بقولك يا أفندي احترامًا ليك لا سمح الله.. لا، ده لساني واخد على كده.. يعني حتى كل يوم الصبح عندنا في البلد، لما كنت أشوف عمي "حمدان" راكب الحمارة، كنت أقول له: صباح الخير يا حمدان أفندي!.. الموضوع ملوش علاقة بيك، متقلقش.

نظر لها نظرات فارغة وقال:

— قدامي يا فرحه.. امشي!

♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

في بيت أهل فرحه.. دق الباب، فأسرع "كرم" بفتحه، وكان الطارق "رضوان" بصحبة "بدر".

أسرع "كرم" في احتضانهما بشوق ولهفة.

بعد دخولهم واستقبال الجميع لهما بحفاوة، قال والد فرحه:

— مفيش أخبار برضه يا رضوان؟!

هز "رضوان" رأسه بأسف وقال:

— لسه يا با مفيش خبر.. لسه البحث شغال، بس كل اللي طلّعوهم مش عارفين يحددوا هويتهم.. بس أنا حاسس يا با إن فرحه بخير.. والله هترجع إن شاء الله.

هز والده رأسه بحزن شديد وقال:

— يااارب.. ملناش غيرك يا رب.. وإنتِ عاملة إيه يا بدر البدور؟

قالها مقبلًا تلك الصغيرة التي تجلس فوق قدميه، فقالت:

— أنا شوفت فرحه وأنا نايمة.

استرعت انتباه الجميع، فأسرع والدها يسألها:

— شفتي إيه يا بدر؟!

— شوفتها بتعوم في الميه، ومبسوطة وفرحانة، وعمالة تضحك.. وكان معاها حد كمان بيضحك.

— أكيد رجب.

قالها "رامي" متأففًا.

— لا، مش رجب.. ده كان واحد حلو أوي.

ابتسم الجميع، فقال رضوان:

— بكرة هنزل مصر يا با.

ثم أكمل بتلعثم:

— بعد بكرة آخر يوم في البحث.. إن شاء الله هرجع بفرحه.. متقلقش يا با.

قال والده:

— اللي ربنا رايده هيكون يا رضوان.

∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆

— وبعدين يا أحمد أفندي؟! بقالنا أسبوعين على الجزيرة دي، ولا حد قال لنا إنتوا فين.

قالتها فرحه متسائلة بيأس، فأجابها بيأس مماثل:

— على الأغلب يا فرحه، فرص النجاة بالنسبة لنا بقت معدومة.. النهارده بقالنا أسبوعين.. يعني أكيد سفن البحث هترجع، لأنهم مبيقعدوش أكتر من أسبوعين.

— طب ما أنا عندي فكرة.. ليه نستناهم هم يلاقونا؟!

هز رأسه بتساؤل، فأكملت:

— نروحلهم إحنا!

— نروحلهم فين؟!

— مكان ما الطيارة وقعت!

— إنتِ عبيطة يا فرحه؟! هو إنتِ مفكرة إن إحنا واقعين في بول؟!

— وإحنا إيه اللي هيوقعنا في البول؟! ده إيه القرف ده؟!

— بول إيه يخربيت تفكيرك المعاق.. بول يا بنتي اللي هو حمام السباحة.

— آااه.. البسيم يعني.

— بسيم؟! أيوه هو البسيم ده بالظبط.. أهو إحنا بقى مش واقعين في البسيم.. إحنا واقعين في بحر ملوش أول من آخر.. يعني لو دخلنا، احتمال منخرجش تاني.

وضعت يدها على خدها بإحباط وقالت:

— طب وبعدين.. هقضي بقية عمري في الجزيرة كدهون.. بين السناجب والقرود!

خطرت بباله فكرة فجأة، فقال متمتمًا:

— إشارة الاستغاثة...

ثم قال بسرعة:

— قومي بسرعة يا فرحه.

— على فين يا أحمد أفندي؟!

— لازم نجمع حطب كتير ونقسمه على 3 كومات ونرصّهم على شكل مثلث.. دي إشارة استغاثة ممكن الطيارات تشوفها لو قربت مننا.. بسرعة يا فرحه.

ركضت "فرحه" بحماس شديد تجمع ما تستطيع جمعه من الحطب، وفعل هو المثل، حتى انتهيا بعد ساعة كاملة.

قسّم "أحمد" الحطب إلى ثلاث مجموعات ووضعهم على هيئة مثلث، ثم جلس ينتظر برفقة "فرحه" مرور أي طائرة.

وحدث ما تمنّياه.. إذ استمعا إلى صوت مروحية تلوح في الأفق، فوقفا يصرخان، وارتفع صوتاهما بطلب النجدة، مشيرين إلى أنهما هنا.. ما زالا حيَّين يُرزقان.

لكن محاولاتهما خابت عندما اختفت الطائرة، وعاد الجو ساكنًا كما كان.

لأول مرة يشعر هو بالعجز الشديد، ولأول مرة تشعر هي بأن النهاية تقترب.

ألقت بجسدها إلى الأرض، وانفجرت باكية فجأة، فنظر لها، وقد أصاب قلبه شيء لرؤيتها تبكي هكذا. جلس بجوارها وربّت على ظهرها محاولًا مواساتها وقال:

— متعيطيش يا فرحه.. إن شاء الله هترجعي لأهلك بالسلامة.

قالت بنشيج:

— إمتى يا أحمد أفندي؟! بقالنا أسبوعين ومحدش لاحظ إننا موجودين هنا.. إذا كانت الطيارات والسفن وهي جنبنا ملقوناش.. أومال لما يمشوا هيحصل إيه؟!

— متفقديش الأمل يا فرحه وسيبيها لله..

ثم قال ممازحًا:

— وبعدين يعني هتعوزي إيه أكتر من كده.. ماء وخضرة ووجه حسن.

قال الأخيرة مشيرًا إلى نفسه، فضحكت بخفة، فأكمل:

— ولا خطيبك وحشك ومبقتيش قادرة على بعده؟!

سألها، فأجابت:

— وحشني؟! ويوحشني ليه؟!

أجابت بجدية، فضيّق بين حاجبيه متعجبًا وقال:

— يعني إيه يوحشك ليه؟! مش المفروض أي اتنين بيحبوا بعض لما بيبعدوا عن بعض بيشتاقوا لبعض؟! ولا إنتِ مش بتحبيه من الأساس؟!

أطلقت لسانها وقالت:

— لا بحبه.. وأنا هكرهه ليه؟!

تعجب من منطقها وقال:

— لا، تفرق يا فرحه.. بين إنك مش بتكرهيه وبين إنك بتحبيه!

— تفرق في إيه؟! ما هو نفس المعنى.

— لا يا فرحه، مش نفس المعنى.. إنك تكوني بتحبيه ده يعني إنك بتشتاقيله، وبتتهتمي لأمره، وبتتمنيه زوج ليكِ وأب لأولادك.. بتتمني يشاركك حياتك بكل تفاصيلها.. ده الحب يا فرحه.. لكن "مش بكرهه" دي كلمة مائعة، متعرفيش تفسريها.. يعني إنسان عادي في حياتك، لا بتحبيه ولا بتكرهيه.. وجوده زي عدمه.. مش فارق لكِ من الآخر.

وكأن كلماته لمست وترًا حساسًا بداخلها، فقالت:

— يمكن كلامك صح.. بس برضه أنا عمري ما فكرت بالطريقة دي.. أنا عمري أصلًا ما فكرت في رجب.. يعني هو بالنسبة لي ابن عمي اللي متعودة عليه من صغري، وحافظة شكله وكلامه وتصرفاته وطباعه.. بس.

ثم أكملت بحيرة:

— بس عمري ما فكرت فيه إنه هيبقى جوزي وأبو عيالي والكلام اللي بتقوله ده.. ومتهيألي هو كمان مفكرش فيّا كده خالص.. مش عارفة.

— يعني عمره ما قالك مثلًا...

وصمت قليلًا يفكر، ثم أردف:

— أنا بحبك يا فرحه!

ارتعدت أوصالها وارتبكت.. لأول مرة تختبر ذلك الشعور.. لأول مرة تستمع إلى تلك الكلمات.

أشار بيده أمام وجهها للفت انتباهها وقال:

— هييييه.. روحتي فين؟!

— هاا.. لا معلش، سرحت شوية!

— سرحتي في إيه؟!

ثم أكمل بابتسامة متلاعبة:

— يبقى أكيد قالها.

— هي إيه دي؟!

— أكيد قالك: بحبك يا فرحه!

قالت بمزاح ساخر:

— هه.. لا والله يا أحمد أفندي، أنا أول مرة أسمع الكلمة دي منك دلوقتي.

— معقولة!.. أومال لما بتقعدوا مع بعض بتقولوا إيه؟!

— لا ما إحنا مبنقعدش سوا.. ولو قعدنا سوا بنتخانق!

— أومال هتتجوزوا إزاي؟!

قالها مستنكرًا، فقالت:

— في إيه يا أحمد أفندي؟! إحنا هنقضي النهار كله نتكلم عن رجب.. زمانه مات شرقَان.

شعر بأن شيئًا ما قد أصابها بالضيق، فغيّر مجرى الحديث قائلًا:

— طيب قومي يلا نشوف هنتغدى إيه؟!

قالت ممازحة ساخرة:

— إيه رأيك لو أعزمك على أكلة جديدة؟!

— يسلااام.. يبقى كتر خيرك.. ها هتأكليني إيه؟!

— هأكلك سمك.

أطلق صفيرًا بإعجاب وقال:

— سمك.. ياااه من زمان مكلتش سمك.. بجد مش عارف أشكرك إزاي.

— لا خد التقيلة بقى.

ضحك وقال:

— هااا؟!

— سمك مشوي كمان.

— يا وعدي يا وعدي.. بجد إنتِ عظيمة.. عايز أقولك إني مكلتش سمك مشوي ييجي من 7 ساعات كده.

أطلقت ضحكة رنانة انشرح لها قلبه، فظل ينظر لها بابتسامة، ثم تركها وسار ناحية المياه الضحلة.

♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

أمام مطار القاهرة الدولي..

ينتظر أهالي الغرقى ذويهم بين بكاء وعويل وقلق ودعاء.

تقف عائلة "فرحه" تدعو من كل قلبها بأن تعود سالمة، وكذلك جميع العائلات التي تنتظر أي خبر.

تقدم منهم أحد المختصين بالبحث وقال بأسف:

— للأسف، بعد بحث استمر أسبوعين مقدرناش ننقذ أي حد من اللي كان على الطيارة، حتى طاقم الطائرة..

ثم أكمل بعملية شديدة قائلًا:

— في جثث تم انتشالها كاملة، وفي أشلاء، وفي جثث مقدرناش نوصل لها.. أقرب تقدير إنها اتحللت.. إحنا آسفين جدًا.. البقاء لله.

تقدم والد فرحه بوهن وقال له:

— عايز أستلم جثة بتي عشان أدفنها..

ثم انفجر باكيًا.

ربّت الرجل على كتفه بأسف وقال:

— للأسف يا حج، الجثث اللي تم انتشالها مفيش فيها سيدات.. شد حيلك.

هوى والد فرحه أرضًا، وارتفع صوت نحيبه وعويله، وأخذ يردد:

— إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي.

وعلى الجانب الآخر.. وثبت "رضوي" ناحية رئيس فريق البحث وسألته باكية بخوف، وقالت بتلعثم:

— أحمد إدريس.. أخويا أحمد إدريس.. هو طويل وعريض كده.. أخويا.. على الأقل أستلم جثته!

فتح ملفًا بيده يحتوي على أسماء الضحايا وقال:

— للأسف.. الجثث اللي تم التعرف على هويتها مش موجود فيها الاسم ده.. البقاء لله.. عن إذنكوا.ع

توقفت حواسها، وأظلم الكون من حولها.. سارت إلى الخارج برفقة خالتها بعدم استيعاب.. كانت تنظر أمامها بنظرات فارغة.. لا تبكي.. لا تنطق.. لا تصرخ.

اصطدمت بصاحب الطول الفارع الذي لم يكن يرى أمامه من كثرة البكاء.. نظرت له، فتمتم معتذرًا، فسقطت تحت قدميه مغشيًا عليها.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • غريق على البر   السادس

    إلتقطها فوراً بكفيه الغليظتين و رفعها عن الأرض ثم أجلسها علي المقعد أمامه بينما تحاول خالتها إفاقتها. أحضر زجاجة ميااه و نثر بضع قطرات علي وجهها بيديه فبدأت تفتح جفنيها بوهن شديد. حدٌثهم قائلاً: ربنا يصبركم و يصبرنا.. عن إذنكم. ثم إنصرف مصطحباً والده و أشقائه إلي الخارج ففاجئهم والدهم قائلاً: أنا مش هرجع البلد.. أنا هفضل في مصر. نظروا جميعهم إلي بعضهم البعض بتعجب و بادر رضوان متسائلاً: هتفضل في مصر إزاي يابا؟! و ليه؟! و فين؟! _هنرجع البلد من غير فرحه نعمل إيه؟! عايزنّي أرجع الدار و هي ريحتها و نفسها في ركن في البيت؟! و هرجع البلد ليه؟! آخد عزاها و أنا مش عارف أدفنها؟! إعتلي نحيبه فإلتف حوله أبناؤه يواسونه و هم يحتاجون لمن يقوم بذلك فقال رامي: إحنا كمان مش متقبلين الفكرة يابا و الموضوع صعب علينا زي ما هو صعب عليك.. بس علي الأقل نرجع البلد نساوي حالنا و نرجع تاني. قال والده. بإصرار: لا مش هرجع البلد تاني.. بعدين تسافر إنت و أخواتك تشوفوا هتعملوا إيه.. يلا يا رضوان كلم صاحبك المصراوي يشوفلنا سكن.. عليك العوض و منك العوض يا رب. ♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕مع صباح يومٍ جديد إستيقظت "فرحه" عن

  • غريق على البر   الخامس

    — إستنّي!قالها "أحمد" صارخًا بـ"فرحه"، فألقت ما بيدها أرضًا ونظرت له بفزع، واضعةً يدها على صدرها، وقالت:— خضّتني يا أحمد أفندي، يخربيتك!رفع حاجبه بدهشة وقال:— هو إنتِ شبه الأطفال كده؟! كل حاجة على بؤك؟!نظرت له مغتاظة، وظلت تشهق وتزفر بعصبية، فقال:— لا تعالي خدي لكِ قلمين أحسن.. إنتِ تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمّم؟!رفعت شفتها بنزق وقالت:— اسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده.. وبعدين يعني ما هو كان بيطلع جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني.— بيطلع؟! بيطلع إيه؟! هو بلح؟! إنتِ هتجيبي أجلي قريب يا فرحه.— لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك.نظر لها حانقًا، ثم انحنى والتقط الفطر بيديه، ثم فركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهاب شديد.نظر لها بمعنى: "أرأيتي؟!" ثم قال:— كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحه هانم!قالت ببلاهة:— إنت عملت إيه؟!— زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فالجلد احمرّ واتهبّ.. معنى كده إنه سام وكان ممكن يسممك.— يحلاوة.....قاطعها مكملًا جملتها:— العلم نور يا ولاد.اتسعت ابتسامتها، فابتسم هو أيضًا وقال:— متبقيش

  • غريق على البر   الرابع

    «إنتِ مين؟! إنتِ ميييييين؟!»قالتها «فرحة» صارخة، وهي تنهض بفزعٍ مسرعةً تبتعد عن ذلك الكائن الذي لا تعرف ماهيته.قام «أحمد» من نومه مفزوعًا عندما استمع إلى صراخها، فوجدها تصرخ قائلة: «إنت مين؟!» وتركض مبتعدة، فنظر إلى حيث كانت ترقد وانفجر ضاحكًا، ثم جرى خلفها فوجدها تختبئ خلف شجرة.جاهد كي يمتنع عن الضحك وقال: ده سنجاب يا فرحة.. إنتِ خايفة من سنجاب؟!نظرت له بأعين دامعة مذعورة، فرقّ قلبه لرؤيتها بهذا الحال، ومدّ يده لها فأمسكت بها وخرجت من خلف الشجرة.نظرت إلى السنجاب بخوف فقال: متخافيش يا فرحة.. السنجاب أليف.نظرت له بشك، فذهب بجوار السنجاب وأمسك بغصن شجرة وبدأ في مداعبته بلطف، ثم نظر لها قائلًا: ده صغير لسه.. ميتخافش منه، قربي.لا يا خويا شكرًا.. إلعبوا إنتوا واتبسطوا.. وبعدين يعني كائن زي ده عايش في جزيرة مهجورة زي دي بيعمل إيه؟! وبياكل إيه؟! صحيح فقري ابن فقرية!استرعت كلمتها انتباهه فقال بغتةً: برافو عليكي يا فرحة.. فعلًا وجود السنجاب هنا يدل إن في أشجار مثمرة في المكان.حتى لو في يعني.. هتطلع إنت الشجرة تجيب مثلًا؟!زفر بغيظ قائلًا: يبنتي مش كده.. مش كل حاجة تقفليها في وشي كده..

  • غريق على البر   الثالث

    ديب!قالتها "فرحه" بهلعٍ وصوتٍ منخفضٍ مرتعش، ثم اختبأت خلف ظهر "أحمد" الذي ظل ينظر إلى الذئب بنظراتٍ ثابتة وقال:=إرجعي لورا بالراحة.فعلت "فرحه" كما أمرها، وازداد خوفها فقال بسرعة: لازم نولّع نار بسرعة.. اجري وخدي أي جزع شجرة وولّعي فيه وهاتيه.. بسرعة.قالت وهي ترتجف خوفًا: _أولّع فيه إزاي يعني؟!رمقها بغيظ وقال: هاتِي حجرين من اللي على الأرض دول واحبكيهم في بعض، هيطلعوا شرارة نار.. ولا أقولّك، هاتي غصنين من اللي جنبك دول واحبكيهم في بعض جامد، وحطي بينهم ورق شجر.. اخلصي.مدّت أناملها المرتعشة وأمسكت بغصنين ملقيَّين على الأرض، وفعلت كما أمرها، ثم فوجئت بالنيران تشتعل، فنظرت إليه بفرحة وقالت: _دي ولعت!=بسرعة ولّعي جزع شجرة وهاتيه.أمسكت بجزع شجرة ملقى على الأرض وأشعلته من النار التي صنعتها، ثم ناولته إياه، فأمسكه ودار حول الذئب، فدار الذئب حوله بدوره.ظل يدور حول الذئب عدة مرات ممسكًا بالعصا المشتعلة، حتى تركه الذئب وانصرف.نظرت إليه "فرحه" بتعجب، فابتسم وقال: الديب لما بيقرر يهاجم، تركيزه كله بيبقى في خط مستقيم قدامه.. زي السهم. لو فضلتي تلفّي عكس اتجاه حركته وتخليه يغيّر زاوية رؤيته

  • غريق على البر   الثاني

    الأسوأ قد حدث... إنه يجد نفسه الآن وسط الماء، وقد تقطعت به السبل تمامًا.لا يعلم هل ما زالت هناك فرصة للنجاة أم لا، لكنه شعر وكأن الأمل انسحب من بين يديه، وكأن الموت البطيء يقترب منه شيئًا فشيئًا.ظل يلتفت حوله في جميع الاتجاهات، لا يدري هل يتقدم أم يتراجع، وأي الطرق يسلك، حتى مرّ فوقه سربٌ من طيور النورس، فسبح في الاتجاه ذاته، إلى أن لمح اليابسة أخيرًا.خرج من الماء، وألقى بجسده فوق الرمال المبتلة، وظل يلتقط أنفاسه المضطربة مغمض العينين، يحمد الله على نجاته.اعتدل في جلسته، ثم نهض فجأة وعاد إلى الماء مرة أخرى، محاولًا إنقاذ من يمكن إنقاذه.ظل يبحث طويلًا، لكن دون جدوى، حتى أيقن أن من بالطائرة قد سقطوا إلى القاع معها.همّ بالخروج من الماء، لكن بصره وقع على يدين ممتدتين فوق سطح البحر وكأنهما تستغيثان، فسبح نحوهما بأقصى سرعة، ثم جذب صاحبة اليدين إلى الأعلى.نظر إلى وجهها الشاحب المستكين، ثم أحاطها بذراعه وسبح بها حتى وصل إلى الشاطئ. وضعها على ظهرها، وجلس بجانبها هنيهة يلتقط أنفاسه، ثم تحسس نبضها فوجد أنفاسها ضعيفة ونبضها مضطربًا قليلًا.حاول إسعافها، فوضع يديه فوق صدرها ضاغطًا عدة مرات

  • غريق على البر   الأول

    في منزلٍ بسيط بإحدى القرى التابعة لمحافظة البحيرة...كانت "فرحة" تعمل بجدٍّ واجتهاد قبل عودة والدها من الحقل وعودة إخوتها من الخارج.عاد والدها إلى المنزل، فأسرعت نحوه تساعده على خلع ملابسه الملطخة بتراب الأرض، ثم انشغلت بانتظار عودة إخوتها.دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم بعد عودتها من المدرسة، وألقت بحقيبتها أرضًا، فقابلتها "فرحة" بوجهٍ مبتسم وذراعين ممدودتين، لترتمي "بدر" سريعًا بين أحضان أختها التي لا تعرف أمًّا سواها.قبّلتها "بدر"، ثم قالت بحماس: — فروحة، طبخالنا إيه بقى؟!ضحكت "فرحة" وقالت بحنان: — طبخالك كل حاجة إنتِ بتحبيها يا روح فروحة... يلا اطلعي اغسلي إيديكي ووشك كده وتعالي.— فوريرة!قالتها "بدر" بحماس، ثم وثبت للأعلى مسرعة.— السلام عليكم يا فرحتنا.طلّ "رضوان"، شقيق "فرحة" الأكبر، ناطقًا بتلك الكلمات، فاستقبلته بابتسامةٍ مشرقة وقالت: — وعليكم السلام يا حبيبي... يلا إنت كمان اغسل وشك وإيديك وتعالى. أخوك فين؟!— "رامي" طالع ورايا، بس مش عارف "كرم" غطسان فين، مش باين.ابتسمت بمشاكسة وهي تقول: — دلوقتي يظهر... يا أهلًا بالمعارك.قالتها فور دخول "رامي".جهزت "فرحة" طعام ال

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status