INICIAR SESIÓNديب!
قالتها "فرحه" بهلعٍ وصوتٍ منخفضٍ مرتعش، ثم اختبأت خلف ظهر "أحمد" الذي ظل ينظر إلى الذئب بنظراتٍ ثابتة وقال:
=إرجعي لورا بالراحة.
فعلت "فرحه" كما أمرها، وازداد خوفها فقال بسرعة: لازم نولّع نار بسرعة.. اجري وخدي أي جزع شجرة وولّعي فيه وهاتيه.. بسرعة.
قالت وهي ترتجف خوفًا: _أولّع فيه إزاي يعني؟!
رمقها بغيظ وقال: هاتِي حجرين من اللي على الأرض دول واحبكيهم في بعض، هيطلعوا شرارة نار.. ولا أقولّك، هاتي غصنين من اللي جنبك دول واحبكيهم في بعض جامد، وحطي بينهم ورق شجر.. اخلصي.
مدّت أناملها المرتعشة وأمسكت بغصنين ملقيَّين على الأرض، وفعلت كما أمرها، ثم فوجئت بالنيران تشتعل، فنظرت إليه بفرحة وقالت: _دي ولعت!
=بسرعة ولّعي جزع شجرة وهاتيه.
أمسكت بجزع شجرة ملقى على الأرض وأشعلته من النار التي صنعتها، ثم ناولته إياه، فأمسكه ودار حول الذئب، فدار الذئب حوله بدوره.
ظل يدور حول الذئب عدة مرات ممسكًا بالعصا المشتعلة، حتى تركه الذئب وانصرف.
نظرت إليه "فرحه" بتعجب، فابتسم وقال: الديب لما بيقرر يهاجم، تركيزه كله بيبقى في خط مستقيم قدامه.. زي السهم. لو فضلتي تلفّي عكس اتجاه حركته وتخليه يغيّر زاوية رؤيته كل شوية، وهو خايف من حرارة النار، توازنه بيختل وبيحس إنه فقد السيطرة على الموقف.. فبينسحب.
مصمصت "فرحه" شفتيها بإعجاب وقالت: يا حلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد!
نظر لها حانقًا وقال: أهو ده اللي باخده منكِ. ثم قال مقلدًا صوتها: يا حلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد.
قالت بغضبٍ طفيف: الله!! وأنا في إيدي إيه أعمله يعني ومعملتوش؟!
=لا، من اللحظة دي لازم نقسم المهام بينّا، وكل واحد يلتزم بالشروط اللي هنحطها دلوقتي.
اتفضل يا خويا.. قسّم وسمّعني!
نظر لها مذهولًا فقالت: مش أنا قولتلك متدقش معايا؟! إنجز يا اسمك إيه.. ألا إنت اسمك إيه صحيح؟!
=اسمي أحمد.. اسمعي يا "فرحه"، أنا هحاول أوفر ميه نشرب منها، وإنتِ تدوري على أكل أو العكس.. المهم نبدأ من دلوقتي قبل ما الليل يليل.
قالت ساخرة: حاضر يا أحمد أفندي.. هخطف رجلي لحدايت السوق اللي في آخر الغابة وأجيبلك اللي نفسك فيه.. حاضر.
لعن تحت أنفاسه وقال: بلاش سخرية، مش ناقصاكي. ثم تابع: خلاص، اختاري إنتِ السهل واعمليه.. هتعرفي تدوري على ميه؟!
منا بقولك نشرب من البحر قولتلي مينفعش! هجيب ميه منين أنا؟!
=لا، قولتلك هنقطّرها الأول.. بس لازم نلاقي حاجة نحط فيها الميه على النار.. دي هتكون مهمتك، وأنا هحاول أصيد سمك، لعل وعسى أنجح.
ولو منجحتش؟!
قالتها بتلقائية، فأجاب: ما شاء الله، كتلة طاقة سلبية متحركة.. يا بنتي تفاءلي شوية، مش كده!
طيب يا أحمد أفندي هتفائل.. روح يا رب تصطادلنا دنيس وشبار، هو أنا عايزة إيه يعني؟!
=اتريقي براحتك.. يلا، معاكي حوالي ساعة، على ما أرجع تكوني عملتي نار وقطّرتي ميه للشرب.
والحاجة اللي هقطر فيها الميه أجيبها منين؟!
=اتصرفي بقا، مش إنتِ المفروض ست بيت؟!
لا، وإنت الصادق، ده أنا بقيت ست غابة!
لم يستطع أن يمنع ضحكته، فأدار وجهه وذهب نحو الماء.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
اختفاء طائرة مدنية مصرية على متنها 62 شخصًا عن الرادارات بعد خمسٍ وأربعين دقيقة من انطلاقها إلى تركيا.
وقال موقع تتبع الرحلات الجوية إن الطائرة فقدت أكثر من 3000 متر من ارتفاعها في أقل من دقيقة.
وقال أحد البحارة إنه شاهد تحطم الطائرة، وإن قبطان سفينته قرر العودة إلى اليابسة، وأضاف:
"الطائرة سقطت مثل البرق وانفجرت في الماء"، مضيفًا أن الحادث وقع على "مسافة قريبة منا نسبيًا"، وأن بعض "الشظايا كادت أن تصيب السفينة".
وقال سكان جزيرة قريبة من مكان اختفاء الطائرة إنهم عثروا على أشياء يُعتقد أنها من الطائرة.
وأرسلت السلطات أكثر من عشر سفن وعددًا من الغواصين من سلاح البحرية إلى الموقع الذي يُعتقد أن الطائرة سقطت فيه.
ويفحص محققون أجسامًا يُعتقد أنها من حطام الطائرة المفقودة.
وصرّح المتحدث باسم وكالة البحث والإنقاذ بأنها تسلمت حقيبتين: "إحداهما بها أغراض مسافرين، والأخرى أشلاء.. ولا نزال نفحص ما نعثر عليه لتحديد هويته."
استمع والد "فرحه" وإخوتها و"رجب" إلى ذلك الخبر الذي ذاع على جميع قنوات الأنباء، فقال والدها بنياط قلبٍ ممزقة: أنا قولت إن في حاجة حصلت ومحدش صدقني.. ما هو مش طبيعي إن رضوان ميردش علينا أديله يومين.
قال "رجب" مطمئنًا: متقلقش يا عمي، إن شاء الله مجراش حاجة عفشة.. هما لسه بيدوروا، وإن شاء الله هيلاقوهم. أنا قلبي حاسس إنه خير والله.. وبعدين دي "فرحه" يا عمي، يعني قطة بسبع أرواح.
قال الأخيرة ممازحًا، فرمقه شقيق "فرحه"، "رامي"، بغيظ قائلًا: تعرف يا رجب يا ابن عمي "فرحه" كانت دايمًا تقول عنك إيه؟!
هز "رجب" رأسه متسائلًا بحماس، فأجاب "رامي": إنك عديم الإحساس!
قطب "رجب" حاجبيه بضيق وقال: تشكر يا ابن عمي.. طيب يا عمي ناوي على إيه دلوقتي؟!
هننزل مصر نستنى في المطار مع اللي بيستنوا.. ربنا يردك بالسلامة يا "فرحه" يا بتي.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
ظلت "فرحه" تبحث محاولةً إيجاد وعاء يصلح لوضع المياه به، لكنها فشلت.. جمعت أكوامًا من الحطب الجاف وقسمتها إلى ثلاثة أكوام، ثم ذهبت باتجاه البحر فوجدته يقف داخل الماء، فسألته: يا أحمد أفندي.. صيدت كام سمكة؟!
قال بيأس: ولا سمكة!
ولو فضلت واقف هنا طول السنة مش هتصيد حاجة.. السمك موجود في الميه القليلة اللي بين الصخور، مش موجود على الشط مطرح ما إنت واقف كده.
نظر لها باستهزاء ولم يعِرها انتباهًا، فتركته وذهبت بجوار المياه الضحلة ومدّت يدها، فابتعد السمك مسرعًا.. ثبّتت يدها داخل الماء حتى عاد ساكنًا مرةً أخرى، وعاد السمك يمر من فوق يديها، فالتقطت ما استطاعت الإمساك به ورمته على الرمل.
حثّه فضوله على الذهاب ليرى ما تفعل، لكنه تفاجأ قائلًا: يا بنت الإيه!! أربع سمكات؟! صيدتيهم إزاي دول؟!
نظرت له بفخرٍ وغرور وقالت: ملكش دعوة.
قال مغتاظًا: إيه ملكش دعوة دي؟! هو أنا جاي أشحت منك؟! كفّي نفسك يا ماما.
منا يدوب هكفي نفسي بالأربع سمكات يا أفندي.. حد قالك إني عازماك ولا حاجة؟!
ذهب باتجاه المياه حانقًا وقد بدأت أمعاؤه تستغيث.
ذهبت "فرحه" ناحية النار وبدأت حفلة الشواء الخاصة بها وهي تغني بخيلاء وفخر.
جلس هو أمام البحر بيأسٍ وحيرة، وشرد بخاطره ناحية شقيقته وما أصابها في غيابه، وعن خطيبته "نورا"، فقاطع شروده جلوس "فرحه" بجانبه وهي تمد يدها له بورقة شجرة غليظة فوقها ثلاث سمكات.
نظر لها باستفهام فقالت: إيه؟ بتبص كده ليه؟! يلا بسم الله.
=إيه ده؟!
قالها متعجبًا.
شوسي.. هيكون إيه يعني يا أحمد أفندي؟ سلامة الشوف.
ضحك ملء فمه وقال مصححًا: اسمه سوشي على فكرة.. وبعدين إنتِ جايبالي أكلك ليه؟!
لا، وهو أنا هديك أكلي ليه؟! عاشقاك في الضلمة مثلًا؟! ده منابك.. أنا صيدت ست سمكات، ودي قسمة العدل.
ربت على ظهرها بتقدير وقال: لا يا "فرحه"، شكرًا.. مش عايز، كلي إنتِ بألف هنا.
لا، ويمين الله ما أمد إيدي إلا لما تاكل معايا.. يلا، سمكة هنية تكفي مية.
ضحك بشدة وبدأ يشاركها الطعام، ثم قال: إلا قوليلي يا "فرحه".
أقولك يا "فرحه" ليه لا مؤاخذة؟!
نظر لها بتعجب وهز رأسه بيأس، فقالت: بضحك معاك يا أحمد أفندي.. أصل أنا بحب الهزار والضحك قد عنيا.. مبحبش النكد وشيلة الهم.
=معاكي حق.. مفيش حاجة مستاهلة.
أومأت بتأكيد وقالت: هاا، كنت عايز تسأل على إيه؟!
=أه.. إنتِ قولتيلي إنك كنتِ مسافرة تركيا عشان أختك بتعمل عملية هناك.. مظبوط؟!
هزت رأسها بنعم، فقال: بس سفر تركيا مكلف جدًا، وكمان العمليات هناك مش بسيطة!
آااه.. تقصد يعني عشان إنت شايفني بسيطة وكده، فإزاي جبنا مصاريف العملية والسفر.
=بصراحة آه.. عندي فضول أعرف.
بص يا أحمد أفندي.. إحنا فلاحين، يعني عيشتنا بسيطة جدًا، بس حالنا متيسر الحمد لله.. عندنا أطيان، ولا مؤاخذة مواشي، والحمد لله مستورين. فلما جه موضوع عملية "بدر"، أبويا باع أرض من اللي عنده لواحد فلاح قريبه برضه، و"بدر" سافرت وعملت العملية الحمد لله.. ولما جيت أنا أسافر، كان عنده "عجلة" صغيرة باعها لـ"رجب" ابن عمي وسافرت.. وياريتني ما سافرت، أهو خسرني وخسر العجلة.
انفجر هو ضاحكًا، فشاركتْه الضحك وقالت: الحمد لله، ده أنا كانت عصافير بطني صوتت من الجوع.. عقبال الميه يا رب.
=شكرًا يا "فرحه" على أكلة السمك المعتبرة دي.. الغدا بكرة عندي ها؟!
قال جملته ممازحًا، فقالت ضاحكة: لا، إنت بكرة تدور على حاجة نقطّر فيها الميه، وأنا يا سيدي عليّا الغدا.
أومأ مبتسمًا باقتضاب وأشاح بوجهه نحو البحر.
🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷
خلاص بقا يا "رضوي" يا بنتي، اهدي.. بيقولوا لسه البحث مستمر أهو، يعني إن شاء الله في أمل!
قالتها خالة "رضوي" محاولة تهدئتها، فقالت "رضوي" بنحيب: لا يا خالتو، أنا قلبي مقبوض من يوم ما سافر، وحاسة إنه جراله حاجة.. أنا لازم أروح أستنى في المطار، ممكن ييجي منهم أي خبر.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
ظل "أحمد" و"فرحه" يجلسان أمام البحر في صمتٍ لم يقطعه أيٌّ منهما، حتى تثاءبت "فرحه" بشدة وقالت:
خلاص مش قادرة.. عايزة أنام.
=وأنا كمان النوم غلبني.. قومي نروح هناك جنب النار، أأمن.
ذهبا وجلسا بجوار النار، فأحاطت "فرحه" نفسها بذراعيها تلتمس الدفء منهما، وأسندت رأسها إلى الشجرة من خلفها، وفعل هو المثل، وغطّا في سباتٍ عميق قطعته "فرحه" صارخةً فجأة...
إلتقطها فوراً بكفيه الغليظتين و رفعها عن الأرض ثم أجلسها علي المقعد أمامه بينما تحاول خالتها إفاقتها. أحضر زجاجة ميااه و نثر بضع قطرات علي وجهها بيديه فبدأت تفتح جفنيها بوهن شديد. حدٌثهم قائلاً: ربنا يصبركم و يصبرنا.. عن إذنكم. ثم إنصرف مصطحباً والده و أشقائه إلي الخارج ففاجئهم والدهم قائلاً: أنا مش هرجع البلد.. أنا هفضل في مصر. نظروا جميعهم إلي بعضهم البعض بتعجب و بادر رضوان متسائلاً: هتفضل في مصر إزاي يابا؟! و ليه؟! و فين؟! _هنرجع البلد من غير فرحه نعمل إيه؟! عايزنّي أرجع الدار و هي ريحتها و نفسها في ركن في البيت؟! و هرجع البلد ليه؟! آخد عزاها و أنا مش عارف أدفنها؟! إعتلي نحيبه فإلتف حوله أبناؤه يواسونه و هم يحتاجون لمن يقوم بذلك فقال رامي: إحنا كمان مش متقبلين الفكرة يابا و الموضوع صعب علينا زي ما هو صعب عليك.. بس علي الأقل نرجع البلد نساوي حالنا و نرجع تاني. قال والده. بإصرار: لا مش هرجع البلد تاني.. بعدين تسافر إنت و أخواتك تشوفوا هتعملوا إيه.. يلا يا رضوان كلم صاحبك المصراوي يشوفلنا سكن.. عليك العوض و منك العوض يا رب. ♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕مع صباح يومٍ جديد إستيقظت "فرحه" عن
— إستنّي!قالها "أحمد" صارخًا بـ"فرحه"، فألقت ما بيدها أرضًا ونظرت له بفزع، واضعةً يدها على صدرها، وقالت:— خضّتني يا أحمد أفندي، يخربيتك!رفع حاجبه بدهشة وقال:— هو إنتِ شبه الأطفال كده؟! كل حاجة على بؤك؟!نظرت له مغتاظة، وظلت تشهق وتزفر بعصبية، فقال:— لا تعالي خدي لكِ قلمين أحسن.. إنتِ تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمّم؟!رفعت شفتها بنزق وقالت:— اسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده.. وبعدين يعني ما هو كان بيطلع جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني.— بيطلع؟! بيطلع إيه؟! هو بلح؟! إنتِ هتجيبي أجلي قريب يا فرحه.— لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك.نظر لها حانقًا، ثم انحنى والتقط الفطر بيديه، ثم فركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهاب شديد.نظر لها بمعنى: "أرأيتي؟!" ثم قال:— كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحه هانم!قالت ببلاهة:— إنت عملت إيه؟!— زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فالجلد احمرّ واتهبّ.. معنى كده إنه سام وكان ممكن يسممك.— يحلاوة.....قاطعها مكملًا جملتها:— العلم نور يا ولاد.اتسعت ابتسامتها، فابتسم هو أيضًا وقال:— متبقيش
«إنتِ مين؟! إنتِ ميييييين؟!»قالتها «فرحة» صارخة، وهي تنهض بفزعٍ مسرعةً تبتعد عن ذلك الكائن الذي لا تعرف ماهيته.قام «أحمد» من نومه مفزوعًا عندما استمع إلى صراخها، فوجدها تصرخ قائلة: «إنت مين؟!» وتركض مبتعدة، فنظر إلى حيث كانت ترقد وانفجر ضاحكًا، ثم جرى خلفها فوجدها تختبئ خلف شجرة.جاهد كي يمتنع عن الضحك وقال: ده سنجاب يا فرحة.. إنتِ خايفة من سنجاب؟!نظرت له بأعين دامعة مذعورة، فرقّ قلبه لرؤيتها بهذا الحال، ومدّ يده لها فأمسكت بها وخرجت من خلف الشجرة.نظرت إلى السنجاب بخوف فقال: متخافيش يا فرحة.. السنجاب أليف.نظرت له بشك، فذهب بجوار السنجاب وأمسك بغصن شجرة وبدأ في مداعبته بلطف، ثم نظر لها قائلًا: ده صغير لسه.. ميتخافش منه، قربي.لا يا خويا شكرًا.. إلعبوا إنتوا واتبسطوا.. وبعدين يعني كائن زي ده عايش في جزيرة مهجورة زي دي بيعمل إيه؟! وبياكل إيه؟! صحيح فقري ابن فقرية!استرعت كلمتها انتباهه فقال بغتةً: برافو عليكي يا فرحة.. فعلًا وجود السنجاب هنا يدل إن في أشجار مثمرة في المكان.حتى لو في يعني.. هتطلع إنت الشجرة تجيب مثلًا؟!زفر بغيظ قائلًا: يبنتي مش كده.. مش كل حاجة تقفليها في وشي كده..
ديب!قالتها "فرحه" بهلعٍ وصوتٍ منخفضٍ مرتعش، ثم اختبأت خلف ظهر "أحمد" الذي ظل ينظر إلى الذئب بنظراتٍ ثابتة وقال:=إرجعي لورا بالراحة.فعلت "فرحه" كما أمرها، وازداد خوفها فقال بسرعة: لازم نولّع نار بسرعة.. اجري وخدي أي جزع شجرة وولّعي فيه وهاتيه.. بسرعة.قالت وهي ترتجف خوفًا: _أولّع فيه إزاي يعني؟!رمقها بغيظ وقال: هاتِي حجرين من اللي على الأرض دول واحبكيهم في بعض، هيطلعوا شرارة نار.. ولا أقولّك، هاتي غصنين من اللي جنبك دول واحبكيهم في بعض جامد، وحطي بينهم ورق شجر.. اخلصي.مدّت أناملها المرتعشة وأمسكت بغصنين ملقيَّين على الأرض، وفعلت كما أمرها، ثم فوجئت بالنيران تشتعل، فنظرت إليه بفرحة وقالت: _دي ولعت!=بسرعة ولّعي جزع شجرة وهاتيه.أمسكت بجزع شجرة ملقى على الأرض وأشعلته من النار التي صنعتها، ثم ناولته إياه، فأمسكه ودار حول الذئب، فدار الذئب حوله بدوره.ظل يدور حول الذئب عدة مرات ممسكًا بالعصا المشتعلة، حتى تركه الذئب وانصرف.نظرت إليه "فرحه" بتعجب، فابتسم وقال: الديب لما بيقرر يهاجم، تركيزه كله بيبقى في خط مستقيم قدامه.. زي السهم. لو فضلتي تلفّي عكس اتجاه حركته وتخليه يغيّر زاوية رؤيته
الأسوأ قد حدث... إنه يجد نفسه الآن وسط الماء، وقد تقطعت به السبل تمامًا.لا يعلم هل ما زالت هناك فرصة للنجاة أم لا، لكنه شعر وكأن الأمل انسحب من بين يديه، وكأن الموت البطيء يقترب منه شيئًا فشيئًا.ظل يلتفت حوله في جميع الاتجاهات، لا يدري هل يتقدم أم يتراجع، وأي الطرق يسلك، حتى مرّ فوقه سربٌ من طيور النورس، فسبح في الاتجاه ذاته، إلى أن لمح اليابسة أخيرًا.خرج من الماء، وألقى بجسده فوق الرمال المبتلة، وظل يلتقط أنفاسه المضطربة مغمض العينين، يحمد الله على نجاته.اعتدل في جلسته، ثم نهض فجأة وعاد إلى الماء مرة أخرى، محاولًا إنقاذ من يمكن إنقاذه.ظل يبحث طويلًا، لكن دون جدوى، حتى أيقن أن من بالطائرة قد سقطوا إلى القاع معها.همّ بالخروج من الماء، لكن بصره وقع على يدين ممتدتين فوق سطح البحر وكأنهما تستغيثان، فسبح نحوهما بأقصى سرعة، ثم جذب صاحبة اليدين إلى الأعلى.نظر إلى وجهها الشاحب المستكين، ثم أحاطها بذراعه وسبح بها حتى وصل إلى الشاطئ. وضعها على ظهرها، وجلس بجانبها هنيهة يلتقط أنفاسه، ثم تحسس نبضها فوجد أنفاسها ضعيفة ونبضها مضطربًا قليلًا.حاول إسعافها، فوضع يديه فوق صدرها ضاغطًا عدة مرات
في منزلٍ بسيط بإحدى القرى التابعة لمحافظة البحيرة...كانت "فرحة" تعمل بجدٍّ واجتهاد قبل عودة والدها من الحقل وعودة إخوتها من الخارج.عاد والدها إلى المنزل، فأسرعت نحوه تساعده على خلع ملابسه الملطخة بتراب الأرض، ثم انشغلت بانتظار عودة إخوتها.دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم بعد عودتها من المدرسة، وألقت بحقيبتها أرضًا، فقابلتها "فرحة" بوجهٍ مبتسم وذراعين ممدودتين، لترتمي "بدر" سريعًا بين أحضان أختها التي لا تعرف أمًّا سواها.قبّلتها "بدر"، ثم قالت بحماس: — فروحة، طبخالنا إيه بقى؟!ضحكت "فرحة" وقالت بحنان: — طبخالك كل حاجة إنتِ بتحبيها يا روح فروحة... يلا اطلعي اغسلي إيديكي ووشك كده وتعالي.— فوريرة!قالتها "بدر" بحماس، ثم وثبت للأعلى مسرعة.— السلام عليكم يا فرحتنا.طلّ "رضوان"، شقيق "فرحة" الأكبر، ناطقًا بتلك الكلمات، فاستقبلته بابتسامةٍ مشرقة وقالت: — وعليكم السلام يا حبيبي... يلا إنت كمان اغسل وشك وإيديك وتعالى. أخوك فين؟!— "رامي" طالع ورايا، بس مش عارف "كرم" غطسان فين، مش باين.ابتسمت بمشاكسة وهي تقول: — دلوقتي يظهر... يا أهلًا بالمعارك.قالتها فور دخول "رامي".جهزت "فرحة" طعام ال







