LOGINمرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر
ترنّحت سيسيليا، كانت كؤوس النبيذ التي ارتشفَتها في المأدبة الملكية —كمحاولةً بائسة للهروب من توتر الليلة— قد حولت العالم حولها إلى ضبابٍ متأرجح. امتزج مفعول الخمر بغضبها العارم، ففقدت ما تبقى لها من حذر لكبح جماح لسانها. ضحكت ضحكة هازئة مريرة، ومالت برأسها إلى الخلف وهي تنظر إلى عينيه الباردتين، وقالت بنبرة حادة كالشفرة: — "ملكيتك؟ أظن أن غطرستك قد أعمتك يا نوح! يمكنك أن تغلق الأبواب، وتضع الحراس، لكنك لن تملك مني شيئاً سوى جسدٍ ميت. أنت لا شيء... مجرد ظلٍ خبيث يعيش في العتمة، هجين لعين يقتات على بقايا السلالات الطاهرة!" لم تتغير ملامح نوح، ولم ترف له عين، لكن فكه تحسس بضيق، وخرجت من صدره زمجرة خافتة، اهتزت لها هالة المكان من شدة قوتها المحبوسة. لم يكن لديه متسع من الوقت ليدخل في جدالٍ عقيم مع امرأة ثملة يمزقها العناد الحاقد. وبحركة خاطفة، صاعقة، لم تمنحها حتى فرصة للاستيعاب، انحنى وجذبها من خصرها، ليرفعها بمرونة ويرميها فوق كتفه كأنها لا تزن شيئاً. صرخت سيسيليا بصوتٍ مخنوق، وضربت على ظهره العريض بقبضتيها الصغيرتين، محاولةً التحرر دون جدوى: — "أنزلني أيها الوحش! أنزلني فوراً!
على الأرضية الرخامية، كان جسد داميان ممدداً كجثةٍ هامدة، لكن الموت لم يكن النهاية، بل كان العتبة التي عبر منها إلى جحيمٍ جديد. بدأت البرودة تتسلل إلى أعماق عظامه، ولم تكن برودة الغرفة، بل كانت برودة الموت البشري الذي جمد شرايينه. فجأة، انتفض جسده بعنف، وشهق شهقةً حادة مزقت صدره، وكأن روحه تُقتلع من جسده لتُولد من جديد في قالبٍ مظلم. كان يشعر بنيرانٍ سوداء مستعرة تلتهم كل ما تبقى من نقاء دمه الملكي. خلاياه كانت تتشوه، تتكسر، وتعاد صياغتها بقوة السحر الخبيث الذي ضخه نوح في عنقه. استقرت تلك النيران في قلبه الذي أطلق دقة واحدة، أخيرة... ثم توقف عن النبض تماماً. انفتحت عيناه لم تعد الرؤية كما كانت؛ بات يرى أدق تفاصيل الشقوق على السقف الرخامي، ويسمع أصواتاً لم يكن للبشر أن يدركوها: دقات قلوب الحرس في الرواق الخارجي، حفيف أثواب الخادمات في الطابق السفلي، وحتى تدفق الدماء في عروق الفئران خلف الجدران. كل هذا الضجيج الحيوي كان يضربه كالأمواج، يثير في داخله غريزة وحشية مباغتة، وجوعاً حارقاً لم يختبره من قبل. تملكه غضبٌ أعمى، امتزج بكبريائه الجريح. نوح لم يسلب منه سيسيليا فحسب، بل سلبه ب
كانت تتنفس بحدة، وصدرها يعلو ويهبط، وعيناها تتحديان عاصفة الألم التي كانت تعصف بكيانها.كانت تريد أن تهرب، أن تختفي، أن تقتلع صورته من عقلها وقلبها...لم يبالِ داميان بصراخها، ولم يترك لها مجالاً لتنهي كلماتها القاسية.في لحظةٍ خاطفة، أطبق بكلتا يديه على معصميها، وثبتهما بجانب رأسها على الحائط، ليحاصرها بجسده بالكامل، جاعلاً منها سجينةً بين ذراعيه.حين حاولت مقاومته، دفعته بصدرها وأشاحت بوجهها، لكنه لم يتراجع.اقترب أكثر، حتى استشعر دفء أنفاسها المضطربة.التقط شفتيها بقوةٍ تفيض بالاحتياج، في قبلةٍ تليق بجنون قلبه.لم تكن هذه القبلة عابرة؛ كانت زلزالاً عاطفياً، تجسيداً لكل اللحظات التي كبت فيها مشاعره.في البداية، قاومت سيسيليا، وحاولت إبعاد وجهها، لكنه كان مصراً، يلاحق شفتيها ببراعةٍ وتملك، حتى بدأت مقاومتها تتلاشى شيئاً فشيئاً، بفعل سحره وقربه لتتحول يداها من دافعةٍ لصدره إلى متمسكةٍ بياقة قميصه، مستسلمةً له.أغمضت عينيها، بينما كان يغوص في أعماق لحظتهما، يتلذذ بطعم شفتيها الذي لم يشبهه شيء، وكأنه يروي عطش سنين من الحرمان.لم يتركها حتى ضاقت أنفاسهما معاً، وكأن العالم الخارجي قد توقف
ارتجفت أنفاس نوح وهو يضم وجهها بين يديه، كأنّه يخشى أن تختفي من أمامه لو أفلتها لثانية واحدة. لأول مرة… كانت عيناه ممتلئتين بالرعب الحقيقي. هذا السم… يعرفه جيدًا. يعرف الألم الذي يسببه. ويعرف أيضًا أن مجرد تحمله لدقائق كان كافيًا لتمزيق جسده من الداخل… فكيف بها وهي سحبته كاملًا؟ — ل
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت
كانت سيسيليا تقف قرب النافذة الطويلة داخل غرفتها، بينما كانت العاصفة تبتلع الليل خارج القصر ببطء مخيف. أنفاسها معلقة بين ضلوعها، وعيناها لا ترمشان. كل ثانية صمتٍ كانت تثقل صدرها كحجر. المطر انهمر فوق الزجاج بعنف، وخلفه امتدت الحدائق الواسعة غارقة في الضباب والظلال، حتى بدت الأشجار العالية وكأنها أ







