ログインالرواي
بعد عودتهم إلى مملكة نورفاي، بدا وكأن القصر بأكمله عاد للحياة من جديد. الخدم كانوا يتحركون بسرعة في كل مكان، والحراس يتحدثون بحماس عن عودة الأميرة المفقودة، وحتى الهواء داخل القصر بدا أخف من السابق. أما الملك الفريد… فلم يستطع إخفاء سعادته رغم هيبته المعتادة. منذ سنوات طويلة لم يره أحد يبتسم بهذه الطريقة. كان ينظر إلى لينيا وكأنه يخشى أن تختفي لو أبعد عينيه عنها. حتى والدتها لم تتوقف عن لمس شعر ابنتها أو وجهها وكأنها تتأكد في كل مرة أنها حقيقية. أما والد هرلين… فبدا صامتًا أغلب الوقت. لكن كلما مرت لينيا بقربه، كانت عيناه تمتلئان بشيء يشبه الندم والراحة معًا. وكأنه أخيرًا استعاد قطعة ضائعة من قلبه. بينما أيان كان يحاول التصرف بشكل طبيعي… لكنه لم يتوقف عن مراقبة أخته. وفي كل مرة تبتسم فيها لينيا، كان يبتسم هو أيضًا دون وعي. أما زاك… فبقي قريبًا منها طوال اليوم. هادئًا كعادته. لكن نظرته وحدها كانت كافية لتوضح كم يعني له وجودها. وفي المساء… قرر الملك الفريد إقامة احتفال ضخم داخل القصر. احتفال لم تشهده المملكة منذ سنوات. للاحتفال بعودة لينيا. والإعلان رسميًا أنها أخت هرلين التوأم… ورفيقة أمير مصاصي الدماء. امتلأت القاعة بالأضواء الذهبية والثريات العملاقة، بينما الموسيقى الهادئة عزفت في أنحاء المكان. وكان الجميع ينتظر بداية الحفل بحماس. لكن فجأة… ساد الصمت. لأن أنظار الجميع اتجهت نحو الدرج الكبير. وهناك… ظهرت هرلين. كانت ترتدي فستانًا أزرق طويلًا بلون عيون هيفان الزرقاء. الفستان التف حول جسدها بنعومة، بينما انسدل شعرها الطويل حول كتفيها كضوء فضي تحت الإنارة. حتى هيفان نفسه… توقف عن التنفس للحظة. شعره الأبيض كان مرتبًا للخلف، وعيناه الزرقاوان بقيتا معلقتين بها دون أن تتحركا. ثم بعد لحظات… ظهرت لينيا خلفها. وكانت القاعة على وشك الانفجار من شدة الانبهار. فستانها الأحمر الداكن كان يشبه لون عيون زاك القرمزية تمامًا. ومع شعرها الطويل وملامحها المشابهة لهرلين… بدتا الاثنتان وكأنهما لوحة فنية خرجت من أسطورة قديمة. حتى الهمسات بدأت تنتشر بين الحضور. — “إنهما متشابهتان جدًا…” — “وكأنهما انعكاسان…” أما زاك… فبقي يحدق بلينيا وكأنه عاد سنوات إلى الماضي. بينما اقترب هيفان من هرلين ببطء ومد يده لها دون أن يقول شيئًا. ابتسمت هرلين بخفة وأمسكت يده. ثم نزلتا معًا إلى القاعة. وبعد لحظات… رفع الملك الفريد كأسه عاليًا. فساد الصمت فورًا. — “اليوم… لا نحتفل فقط بعودة لينيا.” نظر نحو لينيا بابتسامة واضحة. — “بل بعودة جزء ظننا أننا فقدناه للأبد.” ثم أكمل بصوت قوي: — “الأميرة لينيا… ابنة نورفاي… ورفيقة أمير مصاصي الدماء زاك.” تعالت التصفيقات فورًا داخل القاعة. حتى لينيا بدت متوترة قليلًا من كل الأنظار عليها. لكن زاك أمسك يدها بهدوء فهدأت فورًا. وبعد بداية الموسيقى… بدأت الرقصات. قاد هيفان هرلين إلى وسط القاعة. ورغم مظهره الهادئ والبارد… كان واضحًا أنه لا يرقص كثيرًا. لأنه بعد أقل من دقيقة— دعس على قدم هرلين. شهقت وهي تنظر إليه بصدمة. أما هو… فقط عبس قليلًا وكأن المشكلة ليست مشكلته أصلًا. — “لقد فعلتها عمدًا؟” سألته وهي تضحك. فنظر إليها ببرود مزيف. — “الأرض هي من تحركت.” انفجرت هرلين ضاحكة فورًا. حتى لينيا بدأت تضحك هي الأخرى بينما زاك يهز رأسه باستسلام. لكن بعد فترة قصيرة… بدأ الجميع يبدلون شركاء الرقص كجزء من ألعاب الحفل التقليدية. فجأة وجدت هرلين نفسها أمام زاك. بينما انتقلت لينيا لترقص مع هيفان. رفع زاك حاجبه بخفة وهو يمد يده لهرلين بطريقة رسمية. — “هل لي بهذه الرقصة؟” ضحكت هرلين وأعطته يدها. أما على الجهة الأخرى… فكان المشهد مضحكًا قليلًا. لأن لينيا كانت تحاول منع نفسها من الضحك بينما هيفان يراقب زاك بعينين ضيقتين طوال الرقصة. حتى لينيا همست له: — “إنه لا يسرقها منك.” زمجر هيفان بخفة. — “أعرف.” لكنه بقي يراقبهما رغم ذلك. أما أيان… فكان مستمتعًا بالمشهد أكثر من اللازم. حتى إنه بدأ يراهن مع بعض النبلاء حول عدد المرات التي سيغار فيها هيفان خلال الحفل. ومع استمرار الموسيقى والضحكات… امتلأت القاعة أخيرًا بالحياة من جديد. وكأن كل الألم الذي مروا به… انتهى أخيرًا في هذه الليلة.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
هرلين بعد أيام طويلة داخل سيلفرا، حان وقت العودة أخيرًا إلى نورفاي. ورغم أنني كنت سعيدة بالعودة إلى موطني… شعرت بشيء صغير داخلي يحزن لأن الرحلة قاربت على النهاية. طوال الطريق، كان هيفان يسير بجانبي بهدوئه المعتاد، لكن الفرق الآن أن المسافة بيننا اختفت تمامًا. أحيانًا يمد يده ليساعدني على النزو
هيفان منذ أن أصبحت هرلين معي… بدأ كل شيء داخلي يتغير بطريقة لم أعتدها. حتى هيف لاحظ ذلك. أصبحت أعود إلى غرفتها دون تفكير، أبحث عن رائحتها أو صوتها أو مجرد وجودها بقربي. وكان الأمر يزعجني أحيانًا… كيف يمكن لشخص واحد أن يجعل ألفا مثلي يشعر بهذا الهدوء؟ لكنني في الوقت نفسه لم أعد أريد الابتعاد
هرلين مرت خمسة أيام كاملة منذ عودتي مع هيفان إلى سيلفرا… لكن كل شيء أصبح مختلفًا بعدها. مختلفًا بطريقة جعلت قلبي يضيع أكثر كل يوم. هيفان لم يعد باردًا كما كان في البداية. لا… بل أصبح أكثر قربًا مني بشكل واضح، حتى الجميع داخل القصر بدأ يلاحظ ذلك. كان يغار بطريقة مضحكة أحيانًا. إذا تحدث معي أح
هرلين بقيت وحدي داخل الكوخ بعد خروج هيفان، بينما كان صوت الرياح الباردة يمر بين الأشجار خارجًا. بعد أن ارتديت فستاني بهدوء، جلست قرب النافذة الصغيرة أنتظر عودته. قلبي كان هادئًا بطريقة غريبة، وكأن وجوده وحده جعل كل خوفي يختفي. وبعد مدة، انفتح الباب أخيرًا. رفعت رأسي بسرعة لأراه يدخل وهو يحمل جرة







