Share

57

last update publish date: 2026-05-25 23:02:40

زاك

لم أستطع التنفس.

كنت أحدق بها فقط.

لينيا.

بعد كل هذه القرون…

ها هي أمامي أخيرًا.

حتى لو كانت مجرد روح خلف بوابة من الضوء.

شعرت بأن يدي ترتجفان فوق ركبتي وأنا أحاول التمسك بعقلي.

لأن جزءًا مني كان خائفًا من أن تختفي لو رمشت فقط.

كانت تنظر إليّ هي أيضًا.

وعيناها الرماديتان امتلأتا بالمشاعر نفسها التي أتذكرها.

الاشتياق.

الألم.

الحب.

حتى صوتها عندما همست اسمي…

حطم شيئًا داخلي بالكامل.

— “زاك…”

أغمضت عيني للحظة وأنا أحاول منع نفسي من التقدم نحوها.

لكنني رفعت رأسي بسرعة وسألتها بصوت مبحوح: — “كيف أعيدك؟”

ساد الصمت للحظة خلف البوابة البيضاء.

ثم نظرت نحو هرلين الواقفة قرب هيفان.

وبعدها عادت تنظر إليّ.

— “أنا لم أختفِ بالكامل…”

كان صوتها غريبًا قليلًا، وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا.

— “بقيت عالقة بين العالمين.”

عقدت حاجبي بعدم فهم.

أما والدة هرلين فتجمدت وهي تستمع.

تابعت لينيا بهدوء: — “عندما عبرت الحاجز وأنا صغيرة… سحبني عالم الأرواح بدل عالم مصاصي الدماء.”

بدأ الضوء حولها يهتز قليلًا.

— “وكان يجب أن تتلاشى روحي منذ زمن طويل…”

ثم رفعت يدها ببطء نحو هرلين.

— “لكن هرلين كانت ما تزال حية.”

اتسعت عينا هرلين بصدمة.

أما أنا فشعرت بقشعريرة تمر في جسدي.

— “رابطة الدم بين التوأم أبقتني موجودة.”

همستها لينيا بهدوء مؤلم.

حتى والدة هرلين بدأت تبكي بصمت.

— “لهذا كنت قادرة على الوصول إليها في الأحلام.”

سألتها بسرعة: — “إذاً هناك طريقة لتعودي؟”

للحظة…

ظهر الأمل داخل عينيها.

ثم أومأت ببطء.

— “المعبد القديم.”

اهتزت القاعة كلها فجأة عندما قالت الكلمات.

حتى الرموز تحت قدمي بدأت تضيء بقوة أكبر.

— “في ليلة اكتمال القمر القادمة…”

تنفست بصعوبة وهي تكمل: — “يجب أن تصلوا إلى معبد إلهة القمر.”

عقد الملك الفريد حاجبيه فورًا.

— “المعبد القديم؟”

أما لينيا فتابعت بسرعة أكبر، وكأن الوقت ينفد.

— “لكن هناك حارس.”

شعرت بالهواء يبرد فجأة.

حتى هيفان شد هرلين نحوه بغريزة.

— “حارس عالم الأرواح.”

همستها لينيا بصوت منخفض.

ثم نظرت إليّ مباشرة.

— “إذا لم تهزموه… فلن أستطيع العبور.”

اشتعل شيء مظلم داخل صدري فورًا.

— “سأقتله.”

خرج صوتي ببرود جعل حتى هيفان يلتفت نحوي.

لكن لينيا ابتسمت بحزن خفيف.

نفس الابتسامة التي كانت تجعلني أضعف دائمًا.

— “ما زلت كما أنت…”

ثم فجأة…

بدأت البوابة خلفها تضطرب بعنف.

الضوء الأبيض صار أغمق قليلًا، وكأن شيئًا يحاول سحبها بعيدًا.

اتسعت عيناها بخوف.

لكنها رغم ذلك نظرت إليّ بسرعة وقالت: — “كنت أراك…”

تجمدت.

— “رأيتك وأنت تعاني وحدك كل هذه السنوات.”

شعرت بأنفاسي تختنق.

حتى قلبي بدأ يؤلمني بطريقة مرعبة.

— “كنت أتمنى لو أستطيع العودة إليك…”

بدأ صوتها يضعف أكثر.

أما أنا فنسيت الجميع حولي.

نسيت القاعة.

ونسيت نفسي.

كل ما كنت أراه هو هي.

ثم همست أخيرًا…

والدموع تلمع داخل عينيها:

— “أنا أحبك يا زاك.”

وفي اللحظة التالية—

انفجرت البوابة البيضاء بعنف.

صرخت هرلين.

حتى الرموز على الأرض تحطمت دفعة واحدة.

وشعرت بموجة طاقة مرعبة تضرب جسدي مباشرة.

الألم اجتاحني بشكل مفاجئ وعنيف لدرجة أنني لم أستطع حتى الصراخ.

ثم اندفعت للخلف بقوة هائلة.

واصطدم جسدي بالحائط الحجري بعنف.

سمعت صوت العظام يتشقق قليلًا.

لكنني بالكاد شعرت بالألم.

لأن كل ما كنت أراه…

هو اختفاء لينيا أمام عيني.

— “زاك!”

سمعت صوت هرلين بعيدًا.

أما أنا فسقطت على ركبتي بصعوبة بينما الدم ينزل من طرف فمي.

حتى صدري كان يحترق من أثر الطاقة.

اقترب الجميع نحوي بسرعة.

لكنني رفعت يدي أوقفهم.

ثم نظرت ببطء نحو المكان الذي اختفت فيه لينيا.

وكانت الكلمات الأخيرة ما تزال تتردد داخل رأسي.

“أنا أحبك يا زاك.”

أغلقت عيني للحظة…

ثم نهضت رغم الألم.

رفعت رأسي أخيرًا وقلت بصوت بارد لكنه مليء بالعزم:

— “سنذهب إلى المعبد.”

اشتعلت عينا هيفان فورًا.

أما هرلين فاقتربت مني بقلق.

لكنني تابعت وأنا أنظر نحو القمر خلف النوافذ:

— “وفي اكتمال القمر القادم…”

قبضت يدي بقوة.

— “سأعيدها مهما كان الثمن.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    319

    من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن

  • قلب من جليد    318

    من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح

  • قلب من جليد    317

    من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل

  • قلب من جليد    316

    من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا

  • قلب من جليد    315

    من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.

  • قلب من جليد    314

    من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن

  • قلب من جليد    128

    من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات

  • قلب من جليد    127

    الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بين

  • قلب من جليد    126

    الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو

  • قلب من جليد    125

    من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status