LOGINزاك
لم أستطع إبعاد عيني عن لينيا. حتى وسط الفوضى… وسط الأرواح والصراخ والطاقة المرعبة التي ملأت المكان… كنت أراها فقط. بعد كل هذه السنوات… ما زالت هنا. قريبة جدًا مني… لكن بعيدة بطريقة تؤلم أكثر من الموت نفسه. شعرت بصدري يضيق وأنا أتذكر آخر مرة لمست فيها يدها. آخر مرة سمعت صوتها. آخر مرة وعدتها فيها أنني سأحميها للأبد… وفشلت. قبضت يدي بقوة حتى شعرت بأظافري تغرز بجلدي. أما الحارس نايت… فكان ينظر إلينا بعينيه القرمزيتين الباردتين. ثم قال بصوت هزّ المكان كله: — “إذا رفضتم إعطاء روح…” فتح جناحيه السوداوين بالكامل. وفجأة بدأت الأرواح البيضاء حول الشجرة تصرخ بعنف. — “فسأحبس أرواحكم هنا للأبد.” شعرت بطاقة مرعبة تضرب المكان. ثم هاجمنا. اندفع نحونا بسرعة غير طبيعية. حتى أنا بالكاد استطعت رؤيته. اصطدم سيفي بسيفه الأسود، لكن القوة التي خلف الضربة جعلت ذراعي تؤلمني فورًا. أما هيفان فتحول إلى ذئبه الأبيض العملاق وقفز عليه مباشرة. لكن نايت كان مرعبًا. كل ضربة منه كانت تشق الأرض السوداء. كل رفرفة من أجنحته كانت ترمي الأرواح بكل الاتجاهات. حتى هرلين لم تستطع الاقتراب بسبب الطاقة التي تحيط به. قاتلنا طويلًا. جرحت كتفي. وهيفان تلقى عدة ضربات قوية أيضًا. لكننا لم نتوقف. لأن فكرة خسارة لينيا مرة أخرى… كانت أسوأ من الألم. ثم فجأة— صرخ نايت بغضب. وفي لحظة واحدة ظهر خلف هيفان مباشرة. اتسعت عيناي. — “هيفان انتبه!” لكن الوقت كان متأخرًا. ضربه نايت بقوة هائلة. حتى الأرض اهتزت تحتنا. ورأيت جسد هيفان يطير بعنف قبل أن يصطدم بالأرض الحجرية. تجمدت هرلين وهي تصرخ باسمه. أما هيف… فقد زمجر بصوت متقطع قبل أن يختفي صوته بالكامل. هيفان فقد وعيه. شعرت بالغضب يشتعل داخلي فورًا. لكن قبل أن أصل إليه… رفع نايت يده. وفجأة ارتفع جسد هيفان الفاقد للوعي في الهواء. شهقت هرلين برعب. حتى أنا تجمدت. كان الدم ينزل من جبين هيفان بينما جسده معلق بلا حركة أمام الحارس. ثم قال نايت بهدوء مرعب: — “هذا الألفا أيضًا يملك روحًا قوية.” نظر إلى هيفان كما لو أنه شيء ثمين. — “قد يكون ثمنًا أفضل.” اتسعت عينا هرلين فورًا. — “لا!” ركضت نحوه وهي تبكي بهستيريا. — “أرجوك… أي شيء إلا هو…” حتى جوليا داخلها كانت تصرخ بجنون. أما نايت فظل ينظر إليها بصمت. ثم قال: — “أعطني روحه…” خفض عينيه نحو لينيا المعلقة قرب الشجرة. — “وسأعيدها لكم.” بدأت هرلين تنهار فعليًا. ركعت على الأرض وهي تبكي بقوة. — “لا… أرجوك…” حتى أنا شعرت بالعجز لأول مرة منذ سنوات طويلة. لأنني عرفت… أن نايت قادر فعلًا على فعلها. ورأيت هرلين تفتح فمها وكأنها ستعرض حياتها بدلًا عنه. لكن فجأة— اهتز عالم الأرواح بالكامل. توقف الجميع. حتى الأرواح توقفت عن الصراخ. ثم… نزل ضوء أبيض من القمر. ضوء نقي وقوي لدرجة أنني اضطررت لإغلاق عيني للحظة. أما نايت… فتجمد مكانه فورًا. ولأول مرة… رأيت الخوف يمر بعينيه. ثم ظهرت هي. امرأة… لا تشبه أي شيء بشري. كانت جميلة بشكل يفوق الوصف. شعرها الرمادي الطويل يطفو حولها كضوء القمر نفسه. وفستانها الأبيض يتحرك بهدوء وسط الأرواح. حتى الهواء أصبح أهدأ فور ظهورها. شعرت بطاقة دافئة تغمر المكان. اتسعت عينا هرلين بصدمة. أما أنا… فشعرت بركبتي تضعفان دون وعي. لأن الجميع عرف من هي. إلهة القمر. حتى نايت أنزل هيفان ببطء على الأرض… ثم انحنى رأسه باحترام. أجنحته السوداء انخفضت خلفه بينما قال بصوت منخفض لأول مرة: — “مولاتي…” اقتربت إلهة القمر ببطء. وكان الضوء يحيط بها بالكامل. ثم نظرت إلى نايت بعينيها الفضيتين الهادئتين. لكن صوتها عندما تكلمت… جعل حتى الأرواح ترتجف. — “مهمتك كانت حماية الأرواح.” ساد الصمت. ثم أكملت بهدوء مخيف: — “لا أخذ الأرواح بالقوة.” خفض نايت رأسه أكثر. أما هي… فنظرت نحو هرلين الباكية قرب هيفان. ثم نحو لينيا. وأخيرًا نحوي. شعرت وكأنها ترى كل شيء بداخلي. كل السنوات… كل الألم… كل اشتياقي للينيا. ثم قالت أخيرًا: — “لقد اختبرتكم بما يكفي.” وفجأة… بدأت الشجرة الفضية خلفها تتوهج بقوة.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
الراوي منذ اللحظة التي اختفى فيها المهاجم بين الظلال، شعرت لافندر أن شيئًا ما ليس صحيحًا. كان هناك ذلك الإحساس الثقيل في صدرها. الإحساس الذي يسبق الكارثة. رأت إيفان يبحث بعينيه في المكان. ورأت السهم. خرج من الظلام بسرعة خاطفة. متجهًا نحوه مباشرة. في تلك اللحظة لم تفكر. لم تتردد.
الراوي كان إيفان لا يزال يركع على الأرض. كأنه غير قادر على استيعاب ما يراه. يداه ترتجفان وهو يمسكها. دمها يغطي ملابسها. حتى أن رائحتها امتزجت بالدم في الهواء. لكنه لم يشعر بأي شيء غير الصدمة. "لا... لا... هذا غير حقيقي..." كان يكررها بصوت منخفض، كأنه يحاول إقناع نفسه أن هذا مجرد كا
الراوي لم تعد ساحة المعركة تشبه ساحة معركة. كانت أقرب إلى أطلال عالمٍ كامل. الدخان يملأ السماء. والأرض مغطاة بآثار القتال. والجميع يقاتلون بما تبقى لديهم من قوة. كان لوكا وإيفان يقفان جنبًا إلى جنب، يواجهان آخر المهاجمين الذين بقوا من رجال سيلفورد. تبادل الاثنان نظرة سريعة. ثم اندفعا معًا.
الراوي بعدما حمل إيفان والده إلى داخل القصر، كان قلبه يصرخ عليه أن يبقى. أن يبقى قرب هيفان. أن يتأكد أنه سيفتح عينيه مجددًا. لكن الحرب لم تنتهِ بعد. ولهذا ضغط على أسنانه. وأدار ظهره. وعاد إلى ساحة القتال. في الداخل... كانت لينيا ومعها المعالجون والساحرات يحاولون إنقاذ هيفان. ال







