LOGINالراوي
لم تعد ساحة المعركة تشبه ساحة معركة. كانت أقرب إلى أطلال عالمٍ كامل. الدخان يملأ السماء. والأرض مغطاة بآثار القتال. والجميع يقاتلون بما تبقى لديهم من قوة. كان لوكا وإيفان يقفان جنبًا إلى جنب، يواجهان آخر المهاجمين الذين بقوا من رجال سيلفورد. تبادل الاثنان نظرة سريعة. ثم اندفعا معًا. تحرك لوكا من اليمين. وإيفان من اليسار. وخلال دقائق قليلة كان آخر المهاجمين يسقطون واحدًا تلو الآخر. حتى الذئب الضخم الذي سبب لهم المتاعب طوال المعركة لم يعد قادرًا على الوقوف. وبعد قتال مرهق... ساد هدوء ثقيل. لأول مرة منذ ساعات. شعر الجميع أن النهاية اقتربت. أمام الدائرة السحرية وقف ألفريد. وخلفه زاك. ولوكا. وأيان. ينظرون إلى سيلفورد الذي كان راكعًا على الأرض. يتنفس بصعوبة. وقد استنزفت الدائرة معظم قوته. نظر ألفريد إلى أخيه طويلًا. ثم قال بصوت متعب: "كنت أخي يومًا." "ولو عاد بي الزمن... لما كررت الخطأ نفسه." رفع سيلفورد رأسه ببطء. بينما أكمل ألفريد: "أكبر خطأ ارتكبته... أنني تركتك حيًا بعد خيانتك الأولى." ساد الصمت. ولأول مرة منذ سنوات... لم يجد سيلفورد ردًا. في الجهة الأخرى... دخل إيفان إلى القصر ليتفقد والده. كان يعتقد أن الخطر انتهى. لكن فجأة... انطلق سهم من الظلام. تحرك بسرعة. وتفاداه في اللحظة الأخيرة. اصطدم السهم بالحائط خلفه. استدار فورًا. لتظهر أمامه هيئة ذئب يحمل قوسًا. آخر رجال سيلفورد. آخر من بقي مختبئًا. بدأت الأسهم تتطاير مجددًا. واحدًا تلو الآخر. وكان إيفان يتفاداها بصعوبة. لكن خصمه كان يختفي بين الممرات والأعمدة بسرعة كبيرة. في الوقت نفسه... كانت لافندر مع لينيا وهرلين وإيلينا ولورين داخل القصر. يحاولن مساعدة هيفان. لكن فجأة... شعرت لافندر بانقباض غريب في صدرها. شيء ما لم يكن صحيحًا. رفعت رأسها نحو الأعلى. نحو طوابق القصر. ونحو المكان الذي شعرت بوجود إيفان فيه. وفجأة... اختفت. مستخدمة قوتها. ظهرت قرب الممر الذي كان فيه إيفان. وفي اللحظة نفسها... شعر الرامي بوجودها. فاستدار. وأطلق سهمًا جديدًا. لكن قبل أن يصل... اندفع إيفان نحوها. وسحبها معه خلف أحد الأعمدة. اصطدما بالأرض. وأحاطها بذراعيه دون تفكير. "هل جننتِ؟!" صاح بها. "لماذا أتيتِ إلى هنا؟!" لكنها لم تستطع الإجابة. لأنها كانت تنظر حولها. تحاول تحديد مكان الرامي. ثم... اختفى كل شيء لثانية واحدة. هدوء غريب. وقف إيفان. وأخذ يبحث بعينيه. يمينًا...يسارًا....فوقه.....خلفه. ولم يجد شيئًا. ثم فجأة.... خرج السهم الأخير من الظلام. بسرعة خاطفة. متجهًا مباشرة نحوه. لم يره إلا متأخرًا. متأخرًا جدًا. لكن شخصًا آخر رآه. شخص لم يتردد حتى للحظة. اندفعت لافندر. واتسعت عينا إيفان. "لافندر!" وصل إليها قبل أن تسقط. وأمسكها بين ذراعيه. كان السم قد اخترق منطقة قرب القلب. تجمد العالم كله حوله. لم يعد يسمع أصوات القتال. ولا الصراخ. ولا حتى أنفاسه. فقط هي. هي بين ذراعيه. أما الرامي... فقد حاول الهرب. لكن شيئًا ما انكسر داخل إيفان في تلك اللحظة. شيء لم يعرفه من قبل. وقف ببطء. وسلم لافندر إلى الأرض برفق. ثم استدار. ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا. أمسك إيفان بعنقه وفي الوقت نفسه غرس مخالبه بقلبه . وخلال ثواني كان قد نزع ذالك القلب الذي كان ماذال ينبض بين أصابعه ،وفي ثانيه سحقه بلا رحمة. كان المهاجم الأخير قد سقط. وانتهى كل شيء. لكن إيفان لم يكن ينظر إليه. ولم يكن يهتم بما حدث. عاد راكضًا. وركع بجانب لافندر. ووضع يده المرتجفة على وجهها. بينما بدأت المملكة كلها تدرك... أن شيئًا أسوأ من الحرب نفسها قد حدث. وهنا تبدأ اللحظات التي ستغيّر حياة إيفان إلى الأبد. .الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.
من وجهة نظر لينيا كنت أجلس في قاعة القصر مع أمي، هرلين، زاك، أيان، وهيفان. كان الجو هادئًا بشكل غريب. هرلين كانت تتحدث عن شيء فعله إيفان صباحًا وجعلها تضحك. وأيان كان يحاول إقناع أمي أن لوكا هو سبب نصف مشاكل المملكة. حتى زاك كان يبدو مرتاحًا قليلًا. ثم فجأة... دوى صوت صرخة في أنحاء القصر. ص
من وجهة نظر لافندر مرّت عدة أيام منذ عيد ميلادي. عدة أيام حاولت فيها أن أتصرف بشكل طبيعي. أن أضحك. أن أمزح. أن أزعج لوكا. أن أهرب من أبي زاك قبل أن يبدأ محاضراته الطويلة. لكن الحقيقة... لم أكن بخير. أبدًا. كان الدوار يزداد يومًا بعد يوم. وأحيانًا كنت أرى الدنيا تدور لثوانٍ.
من وجهة نظر إيفان استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أشعر أن رأسي أثقل من صخرة. فتحت عيني ببطء. وبقيت أحدق في سقف الغرفة عدة لحظات. أحاول تذكر ما حدث الليلة الماضية. ثم تذكرت. لافندر. هي من أعادتني إلى غرفتي. أغمضت عيني فورًا. — "رائع." تمتمت بسخرية. — "بالتأكيد تصرفت كالأحمق.
من وجهة نظر لافندر لم أستطع إخفاء سعادتي طوال الحفل. كلما نظرت إلى الجوهرة الحمراء التي أهداها لي إيفان... شعرت بأن قلبي يصبح أخف. لم تكن مجرد هدية. بل دليلًا على أنه تذكر. تذكر شيئًا قلته منذ سنوات. ولهذا السبب كانت أغلى من أي شيء آخر حصلت عليه في عيد ميلادي. ومع بداية الموسيقى... بدأ ال







