Share

67

last update publish date: 2026-05-26 03:09:39

هرلين

اشتعلت الشجرة الفضية فجأة بضوء قوي…

ضوء لدرجة أن عالم الأرواح كله أصبح أبيض للحظات.

حتى الأرواح التي كانت تطفو حولها بدأت تدور بسرعة، وكأنها تستجيب لشيء مقدس.

رفعت رأسي ببطء وأنا أضم هيفان الفاقد للوعي بين ذراعيّ.

وكان قلبي ينبض بسرعة من الخوف عليه.

لكن فجأة…

شهق زاك بصوت مرتجف.

التفتنا جميعًا نحوه.

وكان الضوء يلتف حول لينيا.

في البداية كان مجرد خيوط بيضاء صغيرة…

ثم بدأ يزداد.

ويزداد.

حتى أصبح جسدها بالكامل داخل وهج فضي ناعم.

شعرت بطاقة دافئة تنتشر بالمكان.

حتى الأرواح توقفت عن الصراخ.

ثم…

بدأ جسد لينيا يصبح أكثر وضوحًا.

لون بشرتها عاد طبيعيًا.

وشعرها الفضي الطويل تحرك بخفة مع الضوء.

وكأن الحياة نفسها تعود إليها ببطء.

اتسعت عينا زاك بعدم تصديق.

حتى أنفاسه أصبحت متقطعة.

وببطء شديد…

نزل جسد لينيا من الهواء.

هبطت على الأرض بهدوء وكأن القمر نفسه وضعها هناك بحذر.

وفي اللحظة التالية—

ركض زاك نحوها بسرعة.

حتى أنه تعثر تقريبًا من شدة خوفه.

ركع أمامها فورًا.

ويداه ارتجفتا وهو يلمس وجهها.

وكأنه خائف أن تختفي إذا لمسها بقوة.

أو تنكسر.

— “لينيا…”

خرج اسمها منه مكسورًا بشكل جعل قلبي يؤلمني.

ثم فجأة…

ارتجفت رموشها.

وتنفست.

شهق زاك بقوة.

وعيناه الحمراوان امتلأتا بالدموع فورًا.

— “لا…”

همسها بعدم تصديق.

ثم ضمها إليه بقوة.

وهو يبكي فعلًا.

ليس بصمت…

بل كأن كل السنوات التي تحمل فيها ألم خسارتها انهارت دفعة واحدة.

دفن وجهه بعنقها وهو يرتجف.

أما لينيا…

فرفعت يدها ببطء شديد ولمست شعره.

وهمست بصوت ضعيف ومتعب:

— “اشتقت إليك…”

أغلق زاك عينيه بقوة وكأنه لا يستطيع تحمل المشهد من شدة المشاعر.

ثم ضمها أكثر وهو يضحك ويبكي بنفس الوقت.

حتى نايت أبعد نظره عنهم بصمت.

أما أنا…

فشعرت بدموعي تنزل دون توقف.

لأنها عادت فعلًا.

عادت بعد كل هذا الوقت.

ثم فجأة شعرت بيد دافئة تلمس شعري.

رفعت رأسي بسرعة.

وكانت إلهة القمر واقفة أمامي.

عيناها الفضيتان كانتا هادئتين بشكل غريب.

ابتسمت لي بخفة…

ثم مسحت على شعري بحنان جعلني أشعر بالدفء داخل روحي نفسها.

— “أنتِ مميزة يا هرلين.”

همستها بصوت ناعم يشبه ضوء القمر.

نظرت إليها بذهول بينما أكملت:

— “أنتِ ولينيا لم تكونا عاديتين منذ ولادتكما.”

شعرت بجوليا داخلي تهدأ تمامًا قربها.

أما إلهة القمر فأكملت وهي تنظر نحو لينيا:

— “لهذا سمحت لها أن تعيش بعيدًا عن عالمكم.”

اتسعت عيناي قليلًا.

ثم نظرت إليّ مجددًا.

— “روحها كانت مختلفة…”

خفضت يدها نحو بطني بلطف.

— “وروح طفلك أيضًا.”

شعرت بقلبي ينبض بقوة.

لكنها ابتسمت هذه المرة.

ابتسامة صغيرة دافئة.

ثم قالت شيئًا جعلني أتجمد:

— “وأنا فخورة بكِ.”

رمشت بصدمة.

أما هي فأكملت وهي تنظر نحو هيفان بين ذراعيّ:

— “لم أكن متأكدة من قراري عندما ربطتكِ بـ هيفان.”

شعرت بالذهول.

حتى جوليا شهقت داخلي.

ثم قالت إلهة القمر بخفة وكأنها تتذكر شيئًا قديمًا:

— “كان بارد القلب.”

نظرت إلى هيفان الفاقد للوعي.

— “ميت المشاعر تقريبًا.”

ثم عادت تنظر إليّ.

— “لكنكِ جعلته يحب.”

شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع فورًا.

لأنني تذكرت كل شيء…

كيف كان ينظر إليّ بالبداية.

بروده.

قسوة صوته.

ثم كيف تغير تدريجيًا.

كيف أصبح يحميني.

ويغار عليّ.

ويحبني بطريقة جعلتني أشعر أنني عالمه كله.

ثم نظرت إلهة القمر نحو زاك الذي كان يحمل لينيا وكأنها أغلى شيء بالعالم.

وقالت بهدوء:

— “أما هو…”

ابتسمت بخفة.

— “فقد عوضته أخيرًا عن سنوات الوحدة.”

رفع زاك رأسه نحوها ببطء.

وعيناه ما زالتا مليئتين بالدموع.

لكن هذه المرة…

لم يكن فيهما ألم فقط.

بل راحة أخيرًا.

ثم أغمض عينيه وهو يسند جبينه على جبين لينيا…

وكأن قلبه عاد للحياة معها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    132

    من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت

  • قلب من جليد    131

    من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه

  • قلب من جليد    130

    من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم

  • قلب من جليد    129

    من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر

  • قلب من جليد    128

    من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها

  • قلب من جليد    127

    الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status