Masukهرلين
دخلت غرفتي بسرعة وأنا أحاول أن أبدو منزعجة قدر الإمكان. لكن بصراحة؟ كنت أقاتل حتى لا أضحك. لأنني ما زلت أتذكر شكل هيفان عندما كانت ليندي متعلقة بقميصه. سمعت خطواته خلفي مباشرة قبل أن يُغلق الباب. — “هرلين.” تجاهلته تمامًا. مشيت نحو الأريكة الصغيرة قرب النافذة وأخذت أول كتاب وقع بيدي. ثم جلست وفتحته وكأن حياتي تعتمد عليه. رغم أنني لم أقرأ حرفًا واحدًا فعلًا. بعد ثوانٍ… شعرت به يقترب. لكني بقيت أحدق بالكتاب بعناد. وفجأة… جلس أمامي مباشرة. رفعت عيني ببطء. كان ينظر إليّ بتلك النظرة الهادئة التي تزيد استفزازي أكثر. — “هل أنتِ غاضبة؟” ضيقت عيني نحوه. — “هل يجب ألا أكون؟” رفع حاجبه الأبيض قليلًا. أما أنا فأغلقت الكتاب بعصبية خفيفة. — “بالمناسبة… أنا الوحيدة التي يحق لها الانزعاج هنا.” ظهر العبوس على وجهه فورًا. وهذا جعلني أكمل بانتصار: — “لأن طول الوقت كان أريان ينظر إليّ وكأنه سيأكلني بعينيه.” زمجر هيف داخله فورًا حتى شعرت به عبر الرابط. أما أنا فتابعت ببراءة مزيفة: — “أقسم أن عينيه كانتا ستتحولان إلى قلوب لو لم تكن واقفًا بجانبي.” ضاقت عيناه أكثر. — “هرلين.” ابتسمت بخبث صغير. — “ماذا؟ هذه الحقيقة.” اقترب مني أكثر بعدها حتى اضطررت لرفع رأسي نحوه. وكان واضحًا أنه بدأ يغار فعلًا. وهذا بطريقة ما… أعجبني كثيرًا. — “وأنتِ؟” سأل بصوت منخفض. — “هل أعجبك اهتمامه؟” فتحت فمي بسرعة. — “بالطبع لا!” لكنه بقي يحدق بي بصمت. وذلك الصمت بالذات جعلني أتوتر أكثر. — “هيفان…” لكنني توقفت عندما اقترب فجأة. ثم أمسك وجهي بيده وقبلني مباشرة. شهقت بخفة من المفاجأة. وفي ثانية نسيت تمامًا عمّا كنت أشتكي. كانت قبلته مليئة بالغيرة والانزعاج بطريقة واضحة. وكأنه يحاول تذكيري لمن أنتمي. وللأسف… نجح. ابتعد أخيرًا بعدما أصبحت أنفاسي مضطربة. أما أنا فعبست بخجل وضربت صدره بخفة. — “هذا غش.” ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتيه. ثم حملني بسهولة ووضعني فوق السرير قبل أن يستلقي بجانبي. وبعد دقائق… كنت مستلقية على صدره بهدوء بينما يده تمر داخل شعري ببطء. كان صامتًا. هادئًا. بطريقة جعلت سؤالًا قديمًا يعود لرأسي أخيرًا. رفعت رأسي قليلًا ونظرت إليه. — “هيفان…” نظر نحوي بهدوء. ترددت للحظة قبل أن أتكلم. — “لماذا عندما كنا صغارًا… كنت دائمًا باردًا معي؟” رمش ببطء. أما أنا فأكملت بسرعة: — “حتى عندما وجدتك مجروحًا وساعدتك… لم تشكرني حتى.” عبست فور تذكري للأمر. — “كنت لطيفة جدًا وقتها بالمناسبة.” ظهر شيء يشبه الندم داخل عينيه الزرقاوين للحظة قصيرة. ثم تنهد بهدوء. — “كنتِ تزعجينني.” فتحت فمي بصدمة. — “ماذا؟!” لكن قبل أن أغضب أكثر… مرر أصابعه على خدي برفق. — “لأنك كنتِ الوحيدة التي ألاحظها دائمًا.” تجمدت بمكاني. أما هو فأكمل بصوت هادئ: — “كنت أحاول الابتعاد عن الجميع…” سكت لحظة. — “لكن مهما حاولت… كنتِ دائمًا تدخلين إلى عالمي.” شعرت بقلبي ينبض بسرعة وأنا أستمع له. — “كنت أخاف.” همس أخيرًا. — “كلما اقتربتِ أكثر… شعرت أنني سأضعف.” اتسعت عيناي قليلًا. لأنني لم أتخيل يومًا أن هيفان قد شعر بهذا تجاهي منذ ذلك الوقت. حتى عندما كان يتجاهلني… كان يراقبني. عضضت شفتي بخفة. ثم همست بعد تردد طويل: — “وهل…” توقفت للحظة. — “هل يمكن أن تندم يومًا لأنك قبلت بي رفيقتك المقدرة؟” فور انتهاء سؤالي… شعرت بجسده يتصلب تحت رأسي. ساد الصمت للحظات طويلة. لدرجة أنني بدأت أندم لأنني سألت أصلًا. لكن فجأة… أحاط خصري بذراعيه بقوة أكبر. ثم دفن وجهه داخل شعري وهمس بصوت منخفض جدًا: — “لو عشت ألف حياة…” رفع رأسه بعدها ونظر مباشرة داخل عيني. — “في كل مرة سأختارك أنتِ.” شعرت بحرارة عيني مباشرة. أما هو… فطبع قبلة طويلة على جبيني وكأنه يختم وعدًا لن يكسره أبدًا.من وجهة نظر أفيني. كنت ما أزال أحاول استيعاب كل ما قاله قبل لحظات، لكن الجملة التالية كانت كفيلة بجعل عقلي يتوقف عن العمل تمامًا. "وأمر آخر." رفعت رأسي نحوه باستغراب. "نعم يا مولاي؟" نظر إليّ بهدوء قبل أن يقول وكأنه يخبرني عن حالة الطقس اليوم: "من اليوم فصاعدًا، سوف تشاركينني هذا الجناح." ... تجمدت. بل إنني متأكدة أن روحي خرجت من جسدي وعادت إليه ثلاث مرات في أقل من ثانية! "ماذا؟!" "أقصد... ماذا؟!" حتى كلارا داخل عقلي بدأت تصرخ بحماس: "اعترفي أنه يحبك! هذا الرجل لم يعد يخفي شيئًا!" أما أنا فكنت على وشك الإصابة بنوبة قلبية. "مولاي! أنا خادمة!" "أعلم." "وأنت ملك!" "أعلم." "وهذا جناحك الخاص!" "أعلم." "إذن لماذا؟!" نظر إليّ للحظات قبل أن يتنهد بخفة. "لأنكِ أصبحتِ هدفًا للكثير من الأشخاص." ثم أكمل بهدوء: "ولا يوجد مكان أكثر أمانًا لكِ من البقاء بجانبي." بلعت ريقي وأنا أحاول البحث عن أي حجة مناسبة، لكنه كان يبدو وكأنه اتخذ قراره منذ وقت طويل. وفي النهاية... خسرت المعركة كعادتي أمام هدوئه المخيف. --- بعد انتهاء حديثنا، قررت أن أعود إلى عملي كالمعتاد. ففي النهاية
من وجهة نظر أفيني. استيقظت ببطء وأنا أشعر بثقل غريب في جسدي، وكأنني كنت نائمة لأيام طويلة. كان أول ما استقبلني هو رائحة مألوفة جعلت قلبي يخفق دون إرادة مني. هذه الرائحة... فتحت عيني ببطء، وما إن بدأت الرؤية تتضح أمامي حتى تجمدت لثوانٍ. "هذه ليست غرفتي!" جلست بسرعة فوق السرير قبل أن أتأوه من الألم الذي انتشر في كتفي. كانت الغرفة واسعة جدًا ومزينة بألوان داكنة يغلب عليها الأسود والذهبي، والأثاث الفاخر المنتشر فيها جعلني أعرف فورًا أنني لست في جناح الخدم. لكن أكثر ما أكد شكوكي هو تلك الرائحة الهادئة التي تملأ المكان. رائحة الملك لايرس. "لماذا أنا في غرفته؟!" في اللحظة نفسها، بدأت ذكريات ما حدث تعود إليّ تدريجيًا. الهجوم. القتال. الخنجر. ثم... "مولاي!" تذكرت كيف اندفعت أمامه دون تفكير، ثم كل شيء أصبح مظلمًا بعد ذلك. قبل أن أتمكن من ترتيب أفكاري، فُتح باب الغرفة ودخلت إحدى الخادمات وهي تحمل صينية عليها بعض الطعام الساخن. وما إن رأتني مستيقظة حتى ابتسمت بسعادة. "أخيرًا استيقظتِ يا آنسة أفيني!" نظرت إليها بتوتر وسألت بسرعة: "لماذا أنا هنا؟ وهل الملك بخير؟" ابتسمت الخادمة
من وجهة نظر لايرس. لم أستطع تذكر آخر مرة شعرت فيها بهذا القدر من الخوف. كانت فاقدة للوعي بين ذراعي، وملابسها ملطخة بدمائها، بينما كنت أضغط على الجرح محاولًا إيقاف النزيف بأسرع ما يمكن. لم أفكر في شيء وأنا أعود إلى القصر. كل ما كنت أفكر به هو أنها يجب أن تستيقظ. وفور وصولنا، حملتها مباشرة إلى جناحي الخاص وأمرت باستدعاء أفضل معالج في المملكة. مرت الدقائق ببطء قاتل حتى انتهى من فحصها، لكن ما إن أخبرته بما حدث حتى تجمدت ملامحه. "هذا... مستحيل." ضيقت عيني وأنا أنظر إليه. "ما الذي تقصده؟" تنهد المعالج وهو ينظر إلى كأس الدم الذي أُخذ منها أثناء الفحص. "هناك ثلاثة احتمالات لا غير." رفع ثلاثة أصابع أمامي ثم أكمل: "إما أن السم الذي أصابها غريب وتفاعل مع دم الملك." "أو أنها تنتمي إلى سلالة خاصة لم نسمع عنها من قبل." توقف قليلًا قبل أن يشيح بنظره بعيدًا. "أو..." "أو ماذا؟" ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "الاحتمال الأخير ما زال مجرد فرضية، لذلك أفضل عدم التسرع في الحديث عنه." لم تعجبني إجابته، لكنني لم أجبره على المتابعة. "لن تخبر أحدًا بما حدث." "أمرك يا مولاي." وبعد أن غادر
من وجهة نظر لايرس. كانت الشمس قد اختفت خلف الجبال منذ ساعات، ولم يبقَ سوى ضوء القمر الذي ينير الطريق المؤدي إلى مملكة نايت فورد. كنت أجلس داخل العربة الملكية بصمت، أحاول إنهاء أحد التقارير التي أحضرها معي من إيلدارا، بينما كانت أفيني تجلس أمامي تقرأ أحد الكتب التي استعارتها من مكتبة القصر. الغريب في الأمر أن وجودها أصبح جزءًا من يومي خلال الأسابيع الماضية. حتى إنني أصبحت ألاحظ عندما لا تتحدث كثيرًا أو عندما تكون شاردة الذهن. "مولاي؟" رفعت نظري نحوها عندما نادتني. "نعم؟" ابتسمت بخفة وهي تشير إلى النافذة. "أعتقد أن نايت فورد ستكون جميلة تحت ضوء القمر أيضًا." لم أستطع منع نفسي من الابتسام قليلًا. "أعتقد ذلك." ساد الهدوء بيننا مرة أخرى، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فجأة! توقفت العربة بعنف جعل أفيني تسقط قليلًا من مكانها. وفي اللحظة نفسها، دوى صوت انفجار قوي خارج العربة. "احموا الملك!" صرخ أحد الحراس من الخارج. رفعت رأسي بسرعة، بينما اتسعت عينا أفيني بصدمة. "ما الذي يحدث؟" لم أجبها، بل فتحت باب العربة ونزلت بسرعة. كان أكثر من ثلاثين رجلًا مقنعًا ي
من وجهة نظر لايرس. لطالما كنت أعتقد أن أكثر ما أجيده في حياتي هو التحكم بمشاعري. فبصفتي ملك مملكة نايت فورد، لم يكن لدي ترف التصرف باندفاع أو السماح لغضبي بالسيطرة عليّ. تعلمت منذ طفولتي أن أخفي كل ما أشعر به خلف ملامح هادئة وقرارات عقلانية. إلى أن ظهرت أفيني. في ذلك الصباح، عندما دخلت قاعة الطعام مرتدية الفستان الذي طلبت أن يُصنع لها، أدركت أن قراري كان صائبًا. كان اللون الفضي مناسبًا لها بشكل جعلني أتساءل إن كانت إلهة القمر قد صنعت ذلك اللون خصيصًا لعينيها الزرقاوين. ولهذا السبب بالتحديد بدأت أشعر بالندم عندما سمحت لها بالذهاب إلى السوق. في البداية، كنت أظن أن الأمر لن يكون سوى نزهة قصيرة مع سيرين، لكن طوال الاجتماع الذي جمعني بألفا كايلان وكبار مستشاري المملكة، لم أستطع التركيز على نصف ما كانوا يقولونه. "مولاي، ماذا تظن بشأن الاتفاقية الجديدة؟" لم أسمع السؤال أصلًا. كنت أفكر إن كانت قد تناولت فطورها جيدًا قبل أن تذهب. وهل أحضرت معها العباءة التي أعطيتها إياها. وإن كان هناك من سيزعجها هناك. بل إنني وجدت نفسي أنظر من النافذة للمرة الخامسة خلال نصف ساعة. نظر إليّ ألفا كا
من وجهة نظر أفيني. استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بشيء غريب يملأ صدري. ولأول مرة منذ مدة طويلة، لم يكن أول ما خطر في بالي هو عائلتي أو مملكتي. بل... وجه الملك لايرس تحت ضوء القمر ليلة أمس. احمر وجهي فورًا ودفنت رأسي تحت الوسادة وأنا أتمتم بخجل: "مستحيل! لماذا أتذكر وجهه أول ما استيقظت؟!" ضحكت كلارا داخل عقلي ضحكة طويلة قبل أن تقول بسخرية: "أعتقد أنك وقعت في حبه." قفزت من السرير وكدت أسقط على الأرض من الصدمة. "ماذا؟! لا! مستحيل!" "أوه هيا! لقد رأيت هذا كثيرًا في القصص التي كانت تقرؤها إيلي! تبدأ الفتاة بالتفكير بوجه الرجل صباحًا ثم..." "كلارا!" ضحكت أكثر وهي تقول: "لقد أحببته!" "أنا لم أحبه!" قبل أن أستطيع متابعة شجاري معها، صدر صوت طرقات خفيفة على الباب. دخلت إحدى الخادمات وهي تحمل بين يديها فستانًا فضيًا جميلًا مطرزًا بخيوط بيضاء ناعمة. "الملك لايرس طلب مني تسليمه لكِ، وأخبرني أن أخبرك بألا تتأخري عن موعد الفطور مع ألفا كايلان." بعد أن غادرت الخادمة، بقيت أحدق بالفستان لبعض الوقت. "هل يهتم الملك فعلًا بما سأرتديه كل يوم؟" بعد أن استحممت وارتديته، نزلت بسر
هرلين كنت أقف قرب الطاولة الخشبية الصغيرة داخل غرفتي في وأنا أرتب الأعشاب المجففة بهدوء، وغارقه في التحضير. رائحة النعناع واللافندر ملأت المكان بينما كنت أسحق بعض الأوراق داخل الوعاء بحركات بطيئة. منذ حملي أصبحت أهتم أكثر بالأعشاب والمشروبات المهدئة. خصوصًا لأن هيفان بدا متوترًا طوال الأيا
هيفان كان الهواء البارد يضرب وجهي بينما ركض حصاني بسرعة بين أشجار غابة مملكة نورفاي. لكن عيني بقيتا معلقتين بها فقط. هرلين كانت تضحك وهي تسبقني بحصانها الأبيض، وشعرها الفضي يتطاير خلفها مع الرياح. حتى هيف داخلي كان مستمتعًا بالمشهد بشكل مزعج. — “لن تمسكني!” صرختها المليئة بالحماس جعلتني أرفع
هيفان كان صباح مملكة نورفاي هادئًا بشكل غريب. وقفت داخل الإسطبل أمرر يدي على عنق حصاني الأسود بينما كان ينفث الهواء بهدوء. رائحة القش والخشب والخيول كانت دائمًا تساعدني على تصفية رأسي. خصوصًا بعد كل ما حدث مؤخرًا. عودة لينيا. عالم الأرواح. وخوفي الذي كاد يفقدني هرلين للأبد. تنهدت بخفوت وأنا
لينيا نظرت إليه وأنا أحاول ألتقط أنفاسي، لكن نظراته وحدها كانت كافية لتجعل قلبي يرتبك. كان مختلفًا عن زاك الذي أتذكره. أهدأ من الخارج… لكن شيئًا في عينيه القرمزيتين صار أعمق. أكثر تعلقًا. وكأنه فعلًا خائف أن يتركني أبتعد عنه ولو للحظة. همست بخفة وأنا أراقبه: — “أنت… أصبحت مهووسًا أ







