登入الراوي
وقف هيفان قرب مدخل قصر مملكة نورفاي بصمت بينما كان الهواء البارد يمر بين شعره الأبيض الطويل. مرت عدة أيام منذ أخبره الملك الفريد عن الضيوف القادمين. صديقه القديم… إدمونت. وقد شرح له الملك كل شيء عن عائلته: زوجته كلاره… وابنه أريان… وابنته ليندي. ورغم أن الأمر بدا كزيارة عادية… إلا أن شعورًا غريبًا لم يتركه منذ أيام. حتى هيف داخله كان متوترًا بشكل مزعج. على العكس من هرلين ولينيا اللتين كانتا متحمستين جدًا لاستقبال الضيوف. أما زاك… فبدا وكأنه لا يهتم بالعالم كله أصلًا طالما لينيا قربه. حتى أن هيفان رآه قبل قليل يسحبها معه نحو غرفته بينما كانت تحاول التظاهر بالغضب واحمر وجهها بالكامل. رفع حاجبه بضيق. “من المزعج أن يكونا سعيدين لهذا الحد.” وفجأة… وصلت العربات أخيرًا. توقف الجميع عند مدخل القصر. ثم نزل رجل طويل بشعر بني غامق وعينين حادتين من العربة الأولى. اقترب فورًا من الملك الفريد وابتسم بقوة. — “أيها العجوز… ما زلت حيًا إذًا.” ضحك الملك الفريد بصوت مرتفع وعانقه بقوة. — “وأنت ما زلت وقحًا كما كنت.” خلفه نزلت امرأة جميلة ذات شعر كستنائي بابتسامة هادئة. ثم ظهر شاب طويل… أريان. كانت ملامحه هادئة لكن نظرته بدت فضولية وهو يتأمل القصر. وخلفه مباشرة نزلت فتاة بشعر أشقر طويل وعينين عسليتين. ليندي. اقتربت هرلين بحماس وهي تبتسم لهم بلطف. لكن… في اللحظة التي وقع فيها نظر أريان عليها… شعر هيفان بشيء داخله ينقبض. كانت نظرة طويلة أكثر من اللازم. وكأن الشاب نسي كل من حوله للحظة. أما هرلين… فلم تنتبه أصلًا وهي ترحب بهم بلطف. لكن هيفان لاحظ. بالطبع لاحظ. حتى هيف داخله بدأ يزمجر بانزعاج. اقترب بعدها الملك الفريد وبدأ يعرف الجميع على بعضهم. تحدثوا قليلًا وسط أجواء دافئة بينما الخدم ينقلون الأمتعة للداخل. لكن عيني أريان بقيتا تعودان نحو هرلين بين الحين والآخر. وذلك وحده كان كافيًا ليبدأ صداع هيفان. وبعد مدة… طلب منهم الملك أن يرافقوا الضيوف إلى غرفهم. لذلك مشت هرلين مع هيفان وأريان وليندي عبر الممرات الطويلة للقصر. كانت هرلين تشرح لهم بابتسامة أماكن القصر بحماس واضح. — “وهناك المكتبة… ولينيا دائمًا تختبئ فيها مع زاك.” ضحكت ليندي بخفة. أما أريان فابتسم وهو ينظر إلى هرلين أكثر من القصر نفسه. لاحظ هيفان ذلك مجددًا. وفجأة… وصل صوت هرلين داخل رأسه عبر رابطة العقل. — “لا تبدأ.” ضيق عينيه قليلًا. — “هو يحدق بك.” ردت بسرعة وهي تحاول منع ابتسامتها: — “لأنهم ضيوف جدد يا ألفا الغيور.” زمجر هيف داخله مباشرة. وفي تلك اللحظة بالذات… تعثر قدم ليندي فجأة بالسجادة. شهقت بخفة وسقطت نحو هيفان مباشرة ممسكة بقميصه حتى لا تقع. تجمد الجميع للحظة. أما هيفان… فقط شعر بانزعاج فوري. اقتربت ليندي منه أكثر دون قصد وهي تحاول استعادة توازنها. وللحظة قصيرة جدًا… استنشقت رائحته بخفة. ثم اتسعت عيناها قليلًا بطريقة غريبة. حتى هيف داخله نفر فورًا بانزعاج حاد. لكن قبل أن يبتعد… شعر بنظرة هرلين. التفت نحوها فورًا. كانت ترمش وهي تنظر إلى ليندي المتمسكة بقميصه. ثم رفعت حاجبها ببطء. — “آه…” قالتها بهدوء خطير جدًا. وهنا فقط… أدرك هيفان أن المشكلة الحقيقية لم تبدأ بعد. أكملو طريقهم وهيفان ينضر إلي هرلين بين الحين والآخر. وكأنه قلق أنها فهمت بشكل خطأ. وفي نهاية الجولة وصلو إلى غرفت ليندي ثم قالت هرلين:"هذه غرفتك اتمنى ان تعجبك." ابتسم ليندي ؛"شكرا لك." لكن قبل أن تدخل غرفتها نضرت إلى هيفان نضره ذات مغزى. سرت قشعريرة في جسد هيفان. ومن ناحية أخرى عندما اوصلو اريان إلي غرفته. أبتسمت له هرلين وهي تقول:"اتمنى ان تعجبك." أبتسم لها اريان وهو ينظر إليه وربما كانت عيونه على وشك أن تخرج قلوب لو لا وجود هيفان. ثم قال:"شكرا." وعندما غادرت هرلين وهيفان غرفته خرجت هرلين بخطوات سريعة وهيفان يتبعها بسرعة وكأنه مذنب.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ