Masukهيفان
استيقظتُ مع أول خيوط الصباح داخل غرفت نومي أنا وهرلين. وكانت هرلين ما تزال نائمة قرب صدري بهدوء. شعرها الفضي منتشر فوق الوسادة… ويدها الصغيرة متشبثة بقميصي وكأنها تخاف أن أختفي. بقيت أتأملها للحظات طويلة. ثم مررت يدي برفق فوق بطنها المنتفخ قليلًا. ما زلت أجد صعوبة في استيعاب أن طفلنا هناك فعلًا. أنا… الذي لم يهتم يومًا بشيء سوى القتال. أصبحت أعود كل ليلة فقط لأتأكد أنها بخير. انحنيت بعدها وطَبعت قبلة خفيفة على جبينها قبل أن أنهض بهدوء حتى لا أوقظها. ثم خرجت نحو ساحة التدريب. --- صوت السيوف الخشبية واصطدامها ملأ المكان بينما كنت أتدرب وحدي. الهواء البارد جعل شعري الأبيض يلتصق قليلًا بوجهي بينما العرق يغطي جلدي. كنت غارق في التفكير وانا أناقش هيف. —"أنت تبالغ في الأمر متأخراً." قال. أجبته وأنا الوح بسيفي:"ربما ،لكن حاست ألالفا لا تخطئ." رفع حاجبه:"أو ربما لأننا سوف نصبح اباء." ابتسمت . لأني كنت اعرف كم كان سعيداً بمعرفت أننا ننتظر جرو. لكن فجأة… شعرت بشيء. أو بالأحرى… بشخص يراقبني. توقفت عن الحركة فورًا. ثم شممت الرائحة. ليندي. أدرت رأسي بهدوء نحو الأشجار القريبة. — “إلى متى ستبقين مختبئة؟” بعد ثوانٍ خرجت أخيرًا من خلف الشجرة وهي تبتسم بخفة محرجة. — “كنت فقط أشاهد التدريب.” أعدت السيف الخشبي لمكانه دون اهتمام. لكنها بقيت تحدق بي بطريقة جعلت هيف داخلي ينزعج. — “هرلين محظوظة.” قالتها فجأة. رفعت عيني نحوها. أما هي فأكملت وهي تراقبني: — “لأنها لديها رفيق مثلك… وايضا تحمل طفلًا منك.” ضاقت عيناي مباشرة. لم يعجبني أسلوبها. ولا الطريقة التي اقتربت بها من الموضوع. حتى هيف زمجر بانزعاج داخلي. لكنني تجاهلت الأمر واتجهت نحو المنشفة الموضوعة قرب السور الخشبي. بدأت أجفف شعري المبلل والعرق عن جسدي بصمت. وكان صدري ما يزال عاريًا بعد التدريب. وفجأة… شعرت بيد تلامس صدري. تجمدت للحظة. التفت بسرعة لأجد ليندي واقفة قريبة جدًا. قريبة أكثر مما يجب. وكانت تنظر نحوي بطريقة غريبة. أبعدت يدها فورًا ببرود. ثم قلت بصوت منخفض لكنه حاد: — “لا تفعلي هذا مجددًا.” ارتبكت قليلًا وتراجعت خطوة للخلف. أما أنا فتركتها وغادرت مباشرة دون كلمة إضافية. لأن مجرد رائحتها القريبة جعلت هيف ينفر بانزعاج حاد. --- وعندما عدت أخيرًا إلى غرفتنا… توقفت عند الباب للحظة. كانت هرلين تقف أمام المرآة وهي تنشف شعرها الطويل بهدوء. وترتدي أحد قمصاني البيضاء الكبيرة التي تصل إلى فخذيها. وبطنها الصغير أصبح واضحًا أكثر الآن. بقيت أتأملها بصمت. ثم خطرت ببالي فكرة واحدة فقط: كيف يمكن لأحد أن ينظر لامرأة غيرها بينما هي موجودة؟ اقتربت منها. ثم لففت ذراعي حول خصرها من الخلف ووضعت قبلة فوق رأسها. ابتسمت فورًا عندما رأتني عبر المرآة. — “عدت.” همست بنعاس خفيف. دفنت وجهي قليلًا قرب شعرها وأنا أغمض عيني. رائحتها وحدها كانت كافية لإزالة كل انزعاج الصباح. التفتت نحوي بعدها وهي تضحك بخفة. — “لكن يجب أن تتحمم بسرعة.” رفعت حاجبًا نحوها. فأشارت نحوي بإصبعها. — “رائحتك كلها عرق وتدريب.” ظهر تذمر خافت مني فبدأت تضحك أكثر. ثم قالت بلطف: — “الفطور بعد قليل والجميع سيكون بالأسفل.” تنهدت باستسلام أخيرًا. لكن قبل أن أبتعد… أمسكت يدها وقبلت أصابعها بهدوء. ثم نظرت مباشرة داخل عينيها. وفي تلك اللحظة فقط… اختفى ذلك الشعور الغريب الذي رافقني منذ وصول الضيوف.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ