LOGINهرلين
كنت أقف قرب الطاولة الخشبية الصغيرة داخل غرفتي في وأنا أرتب الأعشاب المجففة بهدوء، وغارقه في التحضير. رائحة النعناع واللافندر ملأت المكان بينما كنت أسحق بعض الأوراق داخل الوعاء بحركات بطيئة. منذ حملي أصبحت أهتم أكثر بالأعشاب والمشروبات المهدئة. خصوصًا لأن هيفان بدا متوترًا طوال الأيام الأخيرة. رفعت الإبريق الصغير وسكبت الماء الساخن فوق الأعشاب. وفجأة… فُتح الباب. التفتُّ نحوه مباشرة. كان هيفان. لكن فور ما رأيته عرفت أن هناك شيئًا يزعجه. ملامحه كانت هادئة كعادتها… لكن خلف عينيه الزرقاوين كان يوجد شرود غريب. دخل بصمت، ثم بدأ يخلع قميصه الأسود ببطء وكأنه غارق في أفكاره. عضضت شفتي بخفة وأنا أراقبه. ثم أخذت له قميصًا آخر من الخزانة وأعطيته إياه بهدوء. أخذه دون أن ينظر حتى. — “هل حدث شيء؟” سألته وأنا أقترب منه أكثر. اقترب بعدها من الكرسي قرب النافذة وجلس عليه بتعب واضح. ثم تنهد وهو يمرر يده داخل شعره الأبيض الطويل. — “سيصل ضيوف بعد أيام.” رمشت بدهشة. — “حقًا؟ هذا رائع!” لكنني توقفت عندما لم يبدُ متحمسًا مثلي. اقتربت أكثر وأنا أراقب وجهه. — “ما المشكلة إذًا؟” رفع عينيه نحوي للحظة قصيرة. — “لا أعلم…” سكت قليلًا قبل أن يكمل: — “لدي شعور غريب فقط.” تنهدت باستسلام. أحيانًا كانت غرائز الألفا لديه تبالغ فعلًا. ابتسمت بخفة ثم وقفت خلفه مباشرة. وبدأت أدلك كتفيه ببطء. شعرت بجسده يتصلب للحظة قبل أن يزفر أخيرًا وكأنه بدأ يهدأ تحت لمساتي. — “أنت متوتر كثيرًا مؤخرًا.” همست وأنا أضغط بخفة على كتفه. — “حتى هيف يبدو عصبيًا.” أغلق عينيه قليلًا واستند برأسه للخلف. ورغم أنه لم يقل شيئًا… إلا أنني كنت أعرف أنه يرتاح بقربي. ابتسمت بانتصار صغير عندما شعرت بعضلاته ترتخي أخيرًا. ثم ابتعدت عنه قليلًا واتجهت نحو الطاولة. سكبت المشروب العشبي داخل كوب وأعطيته له. — “اشرب.” نظر إلى الكوب بشك واضح. — “ما هذا؟” وضعت يدي على خصري بفخر. — “مشروب أعشاب مهدئ.” ثم أشرت إليه بإصبعي. — “ورجاءً لا تقل إن رائحته غريبة هذه المرة.” ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتيه. أخذ الكوب أخيرًا وبدأ يشربه بهدوء. راقبته بترقب شديد. — “حسنًا؟” بقي صامتًا للحظة. ثم قال ببرود تام: — “طعمه سيئ.” فتحت فمي بصدمة. — “هيفان!” لكنني توقفت عندما لاحظت أنه شربه كاملًا رغم كلامه. ضيقت عيني نحوه بشك. — “إذا كان سيئًا لماذا أنهيته؟” رفع عينيه الزرقاوين نحوي أخيرًا. — “لأنكِ صنعته.” تجمدت للحظة كاملة وأنا أحدق به. ثم شعرت بحرارة وجهي ترتفع بسرعة. أما هو… فأمسك يدي فجأة وسحبني نحوه حتى وقفت بين ساقيه. شهقت بخفة وأنا أضع يدي على كتفيه. ثم دفن وجهه قرب بطني بهدوء وأغلق عينيه. وكأنه أخيرًا وجد المكان الوحيد الذي يستطيع أن يرتاح فيه فعلًا. وضعت يدي بين خصلات شعره ،كم كنت اعشقه ناعم كالحرير وأبيض كالثلج . قلت وأنا أمرر أصابعي بين خصلات شعره:"لأ بأس أن تشعر بالقلق أمر طبيعي لكن انضر نحن بخير أنا وأنت وحتى طفلنا." رفع عينيه نحوي ،رغم كل هذا الوقت ماذال يخفق قلبي بسرعة كلما نضرت في عينيه. —"أنتي محقا.... ربما أنا قلق كثيراً." مسحت على وجهه وأنا أبتسم له. —لكن كل هذا الأشياء تجعل من الصعب على عدم القلق." قال وهو يزفر ثم وضع رأسه على بطني. —"اجل أنت محقاً ." لأن كل ما وجهانه هذه الفترة كان كثيرا. —"حسنا لا باس.... لن يحدث شيء أتعرف لم؟" —"لماذا؟" قال باستغراب. —"لانك موجود دائما لهذا أنا لا أشعر بالقلق." قلت وأنا العب بغصلت شعره. رفع رأسه الي ثم ابتسم وهو يقول:" أنت معجزه تتعرفين ذلك." ابتسمت وأنا أقول:'لم افعل شئ كبير." ابتسم ثم سحبني إليه ودفن وجهه في شعري وهو يقول:"لقد هدئتي القلق الذي بداخلي هل هذا ليس شيء كبير." ابتسمت وأنا استمع بانتصار اخر أني الوحيدة القادرة على تحسين مزاجه.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ