Masukهيفان
مرّت عدة أيام داخل مملكة نورفاي… ومع كل يوم كان انزعاجي يزداد أكثر. ليندي أصبحت أكثر جرأة بطريقة واضحة. نظراتها… اقترابها… وحتى أعذارها السخيفة للمس يدي أو الوقوف بقربي. كل ذلك بدأ يستفز هيف داخلي باستمرار. وفي ذلك اليوم… كنت داخل مكتبة القصر أبحث عن كتاب لأجله هرلين. كانت متعبة قليلًا بسبب الحمل، وقالت إنها تريد شيئًا تقرؤه لتضيع الوقت. لذلك كنت أمرر يدي فوق الكتب بصمت… حتى شعرت فجأة بذراعين تلتفان حول خصري من الخلف. تجمدت مباشرة. وفي البداية… ظننتها هرلين. لكن الرائحة لم تكن رائحتها. ضيقت عيني فورًا. — “ابتعدي.” قلت ذلك ببرود حاد. لكن الذراعين بقيتا مكانهما. ورأس استند على ظهري بخفة. — “أنت قاسٍ جدًا معي.” صوت ليندي. استدرت بسرعة وأبعدتها عني فورًا. كانت تنظر إليّ بابتسامة خفيفة وكأن ما تفعله طبيعي. أما أنا فبدأ غضبي يرتفع أخيرًا. — “قولي بوضوح.” اقتربت خطوة مني. — “ماذا تريدين مني بالضبط؟” للحظة بقيت صامتة… ثم قالت دون تردد: — “أريدك أنت.” تصلب جسدي بالكامل. أما هي فأكملت وهي تنظر مباشرة داخل عيني: — “أنا أرى أن هرلين ليست مناسبة لك.” زمجر هيف داخلي بعنف فورًا. لكن قبل أن أتكلم… اقتربت أكثر ولفت يدها حول عنقي بخفة. ثم مررت أصابعها على وجهي وهي تبعد خصلة شعر بيضاء عن عيني بشكل حميمي. — “فكر بالأمر فقط…” وفجأة… انفتح باب المكتبة. التفتُّ مباشرة. كانت هرلين. دخلت وهي تقول بسرعة: — “هيفان لقد—” لكن كلماتها توقفت فجأة. تجمدت مكانها وهي تنظر إلينا. ثم ببطء… ابتعدت خطوة للخلف. يدها استقرت فوق بطنها دون وعي. وعيناها… تلك النظرة وحدها جعلت شيئًا داخلي ينكسر فورًا. كانت مجروحة. مصدومة. وكأنها لا تصدق ما تراه. — “هرلين—” لكنها لم تنتظر. استدارت وخرجت بسرعة. دفعت ليندي بعيدًا فورًا وخرجت خلفها. وبدأت أبحث عنها بجنون داخل القصر. الممرات. الحديقة. حتى الرابط العقلي بينها وبيني كان مليئًا بمشاعر متكسرة أربكتني أكثر. حتى وجدتها أخيرًا… في الحديقة الخلفية. كانت واقفة قرب الأشجار بهدوء غريب. ظهرها نحوي… لكنني استطعت شم رائحة دموعها. اقتربت منها ببطء. — “هرلين.” لم تلتفت. شعرت بقلبي ينقبض. ثم اقتربت أكثر حتى أصبحت خلفها مباشرة. — “انظري إليّ.” همست أخيرًا بصوت مرتجف: — “أنا أثق بك…” توقفت للحظة وكأن الكلمات تؤلمها. — “لكن عندما رأيتكما…” أغمضت عينيها بقوة. — “لم أستطع التفكير.” شعرت بغضب هيف داخلي تجاه ليندي يزداد أكثر. لكن رؤية هرلين بهذه الحالة… كانت أسوأ بكثير. لففت ذراعي حولها فجأة وضممتها بقوة إلى صدري. — “لن أخونك أبدًا.” قلت ذلك بوضوح شديد. — “هي من اقتربت مني.” دفنت وجهي داخل شعرها وأنا أتنفس رائحتها بعمق. — “أنتِ الوحيدة التي أريدها.” شعرت بجسدها يرتجف قليلًا بين ذراعي. ثم همست: — “حقًا؟” ابتعدت قليلًا فقط حتى أستطيع النظر إلى عينيها. ثم مسحت دموعها بإبهامي ببطء. — “أنا أحبك أنتِ.” قلت ذلك دون تردد. — “ولن أختار غيرك مهما حدث.” ارتجفت شفتاها قليلًا قبل أن تهدأ أخيرًا. لكن فجأة… شممت رائحة ليندي ما تزال عالقة على ملابسي. ظهر الاشمئزاز فورًا داخلي. وقبل حتى أن أفكر… سحبت هرلين نحوي وقبلتها بعمق وكأنني أحاول محو أي رائحة أخرى عني. تشبثت بقميصي بخفة بينما كنت أضمها أكثر. ثم رفعتها بين ذراعي بسهولة. شهقت بخفة وهي تنظر إليّ. أما أنا فلم أتركها. حملتها مباشرة نحو غرفتنا… وكأن وجودها وحده هو الشيء القادر على تهدئة كل الفوضى داخلي.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ