Masukهيفان
أخيرًا جاء يوم احتفال مباركة إلهة القمر. ومنذ الصباح كان قصر مملكة نورفاي في حالة فوضى كاملة. الخدم يركضون في كل مكان… الورود البيضاء والزرقاء تُعلّق على الأعمدة الحجرية… والشموع الفضية تُرتب داخل القاعة الكبرى. حتى الهواء نفسه بدا مختلفًا اليوم. الجميع كان يستعد للاحتفال. أما أنا… فكنت أراقب كل شيء بصمت بينما شعور غريب يضغط صدري منذ الصباح. وفي الأعلى… كانت هرلين ولينيا تستعدان معًا. ضحكاتهما كانت تصل أحيانًا عبر الممرات. وحين نزلتا أخيرًا مساءً… ساد الصمت القاعة للحظة. هرلين كانت ترتدي فستانًا أبيض مزينًا بخيوط فضية ناعمة، وبطنها الصغير بدا واضحًا أكثر الآن. أما لينيا فارتدت فستانًا بلون رمادي داكنًا جعل عيني زاك لا تبتعدان عنها لحظة. اقتربت هرلين مني فورًا. ثم لفت يدها حول ذراعي بابتسامة صغيرة. لكن في اللحظة نفسها… شعرت بنظرات ليندي نحونا. كانت تنظر إلى يد هرلين الملتفة حولي بنظرة مليئة بالغيرة. لذلك شددت هرلين أقرب نحوي دون وعي. حتى التصقت بجانبي تمامًا. رفعت رأسها نحوي باستغراب خفيف. أما أنا فاكتفيت بوضع يدي فوق يدها وكأنني أوضح للجميع لمن تنتمي. وبدأت المراسم بعدها. وقف الملك الفريد في مقدمة القاعة بينما ضوء القمر انعكس من النوافذ العالية. أولًا… تقدمت أنا وهرلين. وقفنا داخل دائرة فضية مرسومة على الأرض بينما الكاهنة تبارك رابطنا وحياتنا وطفلنا القادم. شعرت بأصابع هرلين تتمسك بيدي أكثر عندما لمع الضوء حولنا للحظة قصيرة. ثم جاء دور زاك ولينيا. وكان واضحًا أن زاك بالكاد يصدق أنها ما تزال بجانبه حقًا. وبعد انتهاء المراسم… بدأت الموسيقى والاحتفال. الضحكات ملأت القاعة. والجميع بدأ يرقص ويتحدث. لكن بعد ساعات طويلة… اقتربت هرلين مني بهدوء. — “أنا متعبة…” همست وهي تضع يدها فوق بطنها. ضيقت عيني فورًا. — “سأذهب معك.” لكنها ابتسمت بخفة وهزت رأسها. — “أنت ألفا… لا تستطيع ترك الحفل الآن.” ثم وقفت على أطراف أصابعها وطَبعت قبلة صغيرة على شفتي قبل أن ترحل. راقبتها حتى اختفت من القاعة. وفور اختفائها… اقتربت ليندي. شعرت بأصابعها تنزلق فوق ذراعي المستندة على الطاولة ببطء حتى وصلت إلى وجهي. أبعدت يدها فورًا ببرود. — “توقفي.” لكنها ابتسمت بخفة وكأنها لا تهتم. — “ما زلت لا أفهم كيف اخترت هرلين.” اقتربت أكثر. — “أنا أستطيع أن أكون أفضل منها لك.” نظرت إليها ببرود قاسٍ هذه المرة. — “لا تحلمي حتى.” تجمدت ابتسامتها قليلًا. أما أنا فأكملت بصوت منخفض حاد: — “لن تأخذي مكان هرلين أبدًا.” اقتربت خطوة منها. — “ومن المستحيل أن أفكر حتى بعلاقة مع شخص مثلك.” ثم تركتها وغادرت دون انتظار ردها. لكن بعد مدة… وبينما كنت أصعد نحو جناحي أنا وهرلين… بدأت رؤيتي تتشوش فجأة. توقفت في الممر. شعرت بدوار قوي يضرب رأسي. تنفسي أصبح أثقل… وخطواتي غير مستقرة. حاولت التركيز. لكن كل شيء حولي بدأ يضيع. وفجأة… شعرت بشخص يسحبني. ثم… الظلام. --- عندما فتحت عيني صباحًا… كان رأسي يؤلمني بشدة. ورؤيتي ما تزال ضبابية. عبست فورًا. هذه ليست غرفتي. شممت رائحة غريبة… ثم أدركت فجأة أنني بلا قميص،عاري تماماً. تجمد جسدي بالكامل. أنزلت نظري بسرعة… وصدمت. كانت ليندي نائمة فوق صدري،وهي عاري. والكارثة أن شكل الغرفة جعل كل شيء يبدو وكأنه ليلة كاملة مرت بيننا. دفعتها بعيدًا فورًا ونهضت بسرعة. قلبي بدأ يضرب بعنف. — “ماذا حدث؟!” صرخت بها بغضب. فتحت عينيها بتظاهر مرتبك. ثم جلست وهي تضم الغطاء حولها. — “هيفان…” همست بصوت ضعيف متصنع. — “أنت من جاء إليّ الليلة الماضية…” شعرت بالغثيان فورًا. هززت رأسي بعنف. — “مستحيل.” لكنها اقتربت قليلًا وهي تتظاهر بالحزن. — “كنتَ بحالة غريبة… وأنا لم أعرف ماذا أفعل…” قبضت يدي بقوة حتى ظهرت عروقي. عقلي كان فوضى. لا أتذكر شيئًا. ولا أعرف ماذا حدث فعلًا. لكن الشيء الوحيد الذي كان يدور برأسي… هو كيف سأواجه هرلين الآن.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ