共有

19

作者: Fifi
last update 公開日: 2026-09-30 07:26:47

أحياناً يشعر الإنسان بوطأة العالم فوق كتفيه؛ تتباطأ الخطوات، وتضيق الأنفاس، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل. تضيع شيئاً فشيئاً مع كل يوم يمشي، وتتسع الفجوة في الداخل؛ تعرف تماماً ما فقدته، لكنك تعجز عن تذكر ما وجدته.

تكتفي أحياناً بدور المراقب لرحلتك من البعيد، بينما تظل الصرخات الحبيسة في صدرك على حالها. وحين تفرض عليك الأقدار مواجهة ظلال الماضي، يتضاعف ثقل كل شيء. في تلك اللحظة، عند فتح أبواب الخزانة، تدرك كيف تطوقك الذكريات بجسدك ومشاعرك. يتراكم كل شيء ليحاصرك، حتى يغدو خطو خطوة واحدة أمراً شبه مستحيل.

***

اغتسلتُ علّني أسترد بعض طافتي، وبعد الخروج بدأتُ بوضع المرهم على مواضع الجراح فوق جسدي. غداً موعد الزفاف، غير أن الفراغ الذي يسكنني كان يتسع. مهما بلغت استعدداتي، ما الذي ينتظرني غداً؟ وإلى أين سيمضي كل هذا؟

كانت أفكاري متضاربة، والمشاعر تتزاحم في رأسي. تصرفات باران المتوقعة تثير في نفسي ذعراً لا يهدأ. ماذا لو أقدَم على أمرٍ لا أرغبه؟ ماذا لو أُجبرتُ على شيء رغماً عني؟ كيف سأتصرف؟ ربما يتوجب عليّ القبول بالواقع، لكن كيف لي أن أتغلب على هذا الخوف الدفين؟

كيف سأتقاسم الغرفة والعيش مع رجل لا أستوعب وجوده؟ مشاركة مساحة واحدة مع شخص غريب، تفرضه الأيام أمام عيني في كل لحظة. أن أستلقي، أن أنام... ولكن هل سأعرف النوم أصلاً؟ أي طمأنينة سأجدها؟ أسئلة لا حصر لها تدور في ذهني. كيف أسلّم نفسي لغريب؟ 

جلتُ بعينيّ في المكان قبل الخطو إلى الداخل. أحس برغبة عارمة في الفرار من هذا البيت، لكن الخوف يكبّلني في الوقت ذاته. أتوسل ألا يحدث شيء سيئ.

النهوض من السرير كان شاقاً، فالإنهاك بلغ مبلغه، لكن لا بد من التحرك. أخذتُ نفساً عميقاً واستلقيتُ مجدداً. أعلم بضرورة الخروج من هنا، غير أن شيئاً ما يضغط على صدري. ماذا لو صادفتُ ما هو أشد قسوة؟ ماذا لو غرقْتُ أكثر بدلاً من النجاة؟ أغلقتُ عينيّ ببطء، بينما استمر الاضطراب في داخلي بلا توقف. لا ينبغي أن تكون السعادة بهذه الصعوبة.

تسلل صوت نيروز هادئاً:

— "ديلدا يا حبيبتي، هيا استيقظي."

فتحتُ عينيّ متألمة لتلتقي نظراتي بنظراتها. الحيرة الحبيسة في عينيها أثارات في داخلي اضطراباً. تأملتها لثوانٍ؛ كان في عينيها فراغ يشبه ما أحمله. لا أعلم مدى تشابه مشاعرنا، لكن قلبي همس بشيء ما. فتحتُ عينيّ بتركيز أكبر وهمستُ بصوت خافت:

— "صباح الخير يا أختاه."

— "صباح النور يا صغيرة."

لم يكن من الصعب ملاحظة الارتباك في نبرتها. استدرتُ نحوها متسائلة في سرّي عن السبب.

— "الوالدة تطلبكِ في غرفتها."

توقف ريقي في حلقي... ما الذي تدعوني لأجله الآن؟

— "لماذا؟ هل حدث شيء؟"

لم ألقَ جواباً، فانقبض قلبي. ابتسامتها الحزينة زادت التساؤلات في رأسي تعقيداً؛ كعادتها دائماً حين يقع أمرٌ ما.

— "لا أعلم يا حبيبتي. اغسلي وجهكِ واذهبي إليها."

ومأتُ برأسي وقضيتُ بضع لحظات على السرير. وسط هذا الركام من الضياع والقلق، شعرتُ وكأنني أُجبر على فتح عينيّ لمواجهة العالم من جديد. قمتُ ببطء متجهة نحو المغسلة.

مررتُ يديّ على وجهي؛ خفف الماء البارد بعضاً من التوتر، لكنه لم يردم الفراغ الذي أشعر به. وقفتُ أمام المرآة أرقب انعكاسي، ثم أخذتُ نفساً عميقاً وارتديتُ فستاني المزهر. اتجهتُ نحو غرفة والدتي في محاولة لتصفية ذهني من هذا الضباب.

***

عند دخولي، كانت والدتي تجلس مع زوجة ابنها. ساد الصمت بينهما، وكانت المسافة المعنوية جلية. نظرات والدي تتفحص الكنة التي أطرقت رأسها أرضاً. مع خطوتي الأولى للداخل، تحولت نظراتهما نحوي لبرهة. شردت برهة؛ انتابتني قشعريرة وكأن وجودي في حد ذاته كان خطأً. لكن لحسن الحظ، خرج صوتي بارداً بما يكفي ليحجب الألم:

— "طلبتِني يا أمي؟"

ارتجفت الكلمات في فمي، غير أن والدتي أشاحت بوجهها وكأنها لم تسمعني:

— "اجلسي هناك."

كانت نبرتها قاسية وجافة، لكن شيئاً ما في داخلي ألمسني الصمت هذه المرة ومنعني من الاعتراض. اتجهتُ إلى زاوية الغرفة وجلستُ بهدوء. مرت دقائق وأنا أحاول الاعتياد على السكون، حتى اخترقه صوت والدتي فجأة:

— "الزفاف قريب، ولن نجد فرصة للحديث."

نظرتُ إلى وجهها؛ كانت عيناها خاويتين، فراغٌ لم يستطع تفسير شيء، فراغٌ ربما ألفته لسنوات دون أن أدركه كاملاً. استمرت نبرتها تجمد أوصالي وهي تغض بصرها:

— "في ليلة الزفاف، ستكونين في فراش باران."

وقعت الكلمات عليّ كوقع الخنجر. أخذت الجملة تدور في عقلي، وبدأ إدراكي يتهاوى. أردتُ الصراخ: "لا، لا أستطيع... هذا فوق طاقتي"، لكن الصوت تحجر في حلقي، وصار حتى التنفس أمنية صعبة.

— "يا أمي..."

بسرعة، وضعت يدها على فمي بقسوة جعلتني أتردد خطوة إلى الخلف. رأت الخوف المرتسم على ملامحي، فأردفت:

— "اصمتي واستمعي إليّ جيداً. ستكونين زوجته، وستحملين منه كي لا تدعي مجالاً لأحد للحديث."

كانت كل كلمة تسقط بثقل أشد من سابقتها. شعرتُ بكينونتي تتفتت في الداخل. تجمعت الدموع في عينيّ ببطء، وعجزتُ عن نطق كلمة واحدة. 

لم أكن أريد الاستماع. يتحدثون وكأنني اخترتُ هذا الزواج بكامل إرادتي؛ يطالبونني بتقديم كل شيء وأن أصبح أماً بطلبه، وكأن كل لفظة صُممت لسحق روحي. يا إلهي، كدتُ أُفقد صوابي!

— "إن انتهى حديثكِ، فسأغادر."

لم أكن واثقة من ثباتي، لكنني استدرتُ للرحيل، لتتابع كلامها:

— "تذكري، تلك المرأة حملت منذ يومها الأول. أتمنى أن تتمكني من فعل الشيء نفسه."

قبضتُ على طرف تنورتي بشدة، وعصرتُ القماش بين يديّ بينما تتدفق المهانة في داخلي كالنهر. غادرتُ الغرفة دون رد. أغلقتُ عينيّ وأخذتُ نفساً عميقاً، غير أن نبضات قلبي ظلت متسارعة.

وفجأة استقبلني صوتٌ آخر:

— "أهلاً بالعروس."

كان المشهد مكتمل المرارة، ولم يكن ينقص سوى ظهور زوجة أبي.

— "لا بد أنكِ سعيدة، فاليوم ستصبحين عروس آل تميزر."

ابتسمت بسخرية طعنتني كالشوك، فنظرتُ إليها بنار الغضب المشتعلة في صدري:

— "روحي في أنفي، ولستُ بمزاج يسمح لي بالتعامل معكِ."

دون انتظار إجابتها، أسرعتُ بخطواتي نحو غرفتي. جلستُ على السرير وضغطتُ برأسي بين يديّ محاولة تفريغ أفكاري، لكن عبثاً. دخلت بهار ووضعت ثوب الزفاف على السرير وكأنها تغطي على غضبي:

— "سأعود فوراً يا أختاه."

هززتُ رأسي. شردتُ في فستان الزفاف؛ لم يكن يرمز لبهجة أو ذكريات سعيدة، بل كان يبدو لي كفناً أبيض لا أكثر.

عادت بهار مسرعة:

— "لقد عدت، لم يعد لدينا سوى القليل من الوقت، هيا لنستعد."

زاد صوتها من ضيقي. قمتُ من مكاني، فتابعت:

— "لقد أرسلت عائلة تميزر خبيرة تجميل."

توقف كل شيء للحظة. هذا ما كان ينقصني بالفعل! هل يجب أن يكون كل شيء بهذا القدر من التعقيد؟

— "لا داعي، سنجهز أنفسنا."

كنتُ أسمع صوتي لكنني لا أصدق ما أقول. لم يكن هناك داعٍ لأي شيء، فأنا أساساً لا أرغب في هذا الاستعداد.

— "كيف هذا يا أختاه؟ اليوم يوم زفافكِ."

اليوم؟ لا، اليوم هو النهاية لكل شيء. مررتُ أصابعي في شعري بضياع.

— "حسناً."

كانت إجابة مقتضبة، لتبتسم هي وتستدعي الفتيات. بعد فترة قصيرة، انتهين من تصفيف شعري ومكياجي، لكن كل ذلك كان مجرد قشور لا معنى لها. ارتديتُ الثوب ونظرتُ في المرآة بفراغ تام؛ لم يعد يهمني إن كنتُ أبدوات جميلة أو قبيحة.

قاطع ذهولي صوت والدتي الحاد:

— "هيا يا ابنتي."

كان عليّ النزول إلى الباحة لربط حزام الزفاف. وقوفي إلى جوار جيفان وإجباري على خفض بصري عنه كان يمزق قلبي مع كل خطوة.

— "أريد من أخي سيدار أن يربط حزامي."

خرجت الكلمات من بين شفتاي دون وعي مني.

— "شقيقكِ الحقيقي هو جيفان."

جاء رد والدي يطحن ما تبقى في داخلي. ألقيتُ عليه نظرة ضائعة، فرؤية جيفان بالقرب مني كانت تدفعني للابتعاد أكثر.

— "ليس لي أخ يُدعى جيفان. سيدار هو من سيربط الحزام."

أغلقتُ الأبواب أمام أي نقاش. انحنى رأس أبي قليلاً بنظرة خاوية وذهول لم يتوقعه مني.

— "سيدار، قم بربطه هيا، أهل العريس يقتربون."

أخذ سيدار الحزام من يد جيفان واقترب من خصري. كانت حرارة يديه أبعد من أن تصل إلى برودة روحي. عقد الحزام ثلاث مرات، وأنا أصارع الظلمة التي تطبق على أنفاسي. انتهى من العقد، لكن الضيقة التي في صدري ظلت معقودة لا تنحل.

ابتسمتُ للحزام في النهاية، لكن الابتسامة كانت مجرد قناع يخفي الجرح.

— "أتمنى لكِ السعادة يا أختاه."

قبّل جبيني، وكانت تلك القبلة دافئة بدرجة لم أستطع وصفها.

— "هيا بنا."

***

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • قَيد من حَرير ودم   20

    عند خروجنا من القصر، التقت عيناي بعيني باران. ألقى عليّ نظرة ثقيلة تفحصني فيها من رأسي إلى قدمي، مع برودة غريبة تجسدت في عينيه. كان بالنسبة لي شخصاً غريباً بكل ما تعنيه الكلمة. صعدنا إلى السيارة، وساد صمتٌ أطبق على المكان؛ لا هو ينطق ولا أنا أتكلم. كسر هو الصمت قائلاً:— "لو كانت امرأة أخرى مكانكِ، لما وسعتها الأرض من الفرح."ترددت كلماته في صدري. لقد بدأتُ أعتاد على تحمّل هذا الجفاء. كان يتصرف وكأنه يستحق كل شيء، بينما أنا مجبورة على كل شيء.— "ولكن وجهكِ يقطر حزناً."كان يشيح بوجهك بعيداً. لم أعد أبحث عن إجابات، فقد تقبلتُ الانكسار المرتسم على ملامحي.— "ولماذا يتوجب عليّ أن أكون سعيدة؟"خرجت العبارة مني تلقائياً. تعدل هو في جلسته، وفتح قدميه بجمود واستند إلى الخلف براحة لم أألفها. كان يتصرف وكأن لا شيء يمسه، في حين أن كل تفصيلة كانت تطحنني.— "لأنكِ تزوجتِ بي."وقعت كلماته كالمطرقة، لكنني لم أعد أشعر بالمزيد من الألم. لقد أدركتُ مدى خاوية هذه الجوازة.تطلعتُ إليه بثبات وارتجاف مكتوم:— "أنا لم أتزوجكِ بإرادتي."التفت إليّ وعيناه تنضحان بالحنق:— " محقة. ولو كنتُ سأتزوج أحداً برغبت

  • قَيد من حَرير ودم   19

    أحياناً يشعر الإنسان بوطأة العالم فوق كتفيه؛ تتباطأ الخطوات، وتضيق الأنفاس، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل. تضيع شيئاً فشيئاً مع كل يوم يمشي، وتتسع الفجوة في الداخل؛ تعرف تماماً ما فقدته، لكنك تعجز عن تذكر ما وجدته.تكتفي أحياناً بدور المراقب لرحلتك من البعيد، بينما تظل الصرخات الحبيسة في صدرك على حالها. وحين تفرض عليك الأقدار مواجهة ظلال الماضي، يتضاعف ثقل كل شيء. في تلك اللحظة، عند فتح أبواب الخزانة، تدرك كيف تطوقك الذكريات بجسدك ومشاعرك. يتراكم كل شيء ليحاصرك، حتى يغدو خطو خطوة واحدة أمراً شبه مستحيل.***اغتسلتُ علّني أسترد بعض طافتي، وبعد الخروج بدأتُ بوضع المرهم على مواضع الجراح فوق جسدي. غداً موعد الزفاف، غير أن الفراغ الذي يسكنني كان يتسع. مهما بلغت استعدداتي، ما الذي ينتظرني غداً؟ وإلى أين سيمضي كل هذا؟كانت أفكاري متضاربة، والمشاعر تتزاحم في رأسي. تصرفات باران المتوقعة تثير في نفسي ذعراً لا يهدأ. ماذا لو أقدَم على أمرٍ لا أرغبه؟ ماذا لو أُجبرتُ على شيء رغماً عني؟ كيف سأتصرف؟ ربما يتوجب عليّ القبول بالواقع، لكن كيف لي أن أتغلب على هذا الخوف الدفين؟كيف سأتقاسم الغرفة والعيش مع رج

  • قَيد من حَرير ودم   18

    كان هناك فراغ ينهك روحي، وكأن كل شيء في حياتي بُتر قبل أن يكتمل. رغم أن كل من حولي يبدون مكتملين، إلا أنني طالما شعرتُ بأنني القطعة المفقودة خارج اللوحة. للجميع في هذه الحياة وجهة؛ حب، أحلام، أو أمل... أما أنا فكنتُ أعيش دومًا في هامش بعيد. تارةً أشعر بوجود الشيء قبالة عيني ثم يختفي فجأة، وتارةً لا أكون سوى أثر باهٍ تخلف عن الراحلين.المشاعر التي يمتلكها الآخرون كالحب، والسعادة، والطمأنينة... كانت تبدو لي دومًا غريبة وبعيدة، أعرفها دون أن أذوقها. كَبُر هذا الفراغ في صدري يومًا بعد يوم، وكان أشد ما يمزقني أنني لم أفهم السبب قط؛ لم أدرك متى أضعتُ نفسي، أو كيف غدوتُ ناقصة إلى هذا الحد. كل ما عشته هو هذا الشعور الثقيل الذي يتفاقم مع كل ذرة أكسجين أستنشقها.جافاني النوم، فخرجتُ إلى فناء المنزل. جثوتُ على ركبتيّ ووسدتُ رأسي إلى يديّ كعادتي. كانت أحداث اليوم تتزاحم في مخيلتي كشريط لا يتوقف. الصفعة التي تلقيتها من "جيفان" ظلت شاخصة أمام عيني بوضوح مرعب. تذكرتُ نظرات أمي الباردة، وصوتها القديم وهو يتردد في أذني: "ليتكِ لم تكوني ابنتي". كانت تكررها دومًا حتى اعتاد قلبي الندبة. لم تحبني يومًا؛ أ

  • قَيد من حَرير ودم   17

    شعرتُ بضيق في صدري وانقباض في قلبي. تنفستُ بصمت وابتلعتُ كلماتي بصعوبة.— ثم...التفتُّ إليه، ولابد أنه لاحظ الفراغ ونظرات التشتت في وجهي. لم أعرف ما أقول، وصارعتُ لأتمالك نفسي.— ثم جاء أبي، ومسكني من شعري، وظل يضرب جسدي الصغير في الفناء لساعات. قضيتُ يومين في العناية المركزة. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، والأمر يتكرر.عندما نظر إلى وجهي لم أجد فيه شيئًا، كان جمودًا وبرودًا تامين. لكن مهما حاولتُ، لم أستطع إخفاء مشاعري. طالما كنتُ هكذا؛ أجد صعوبة في التعبير عما أشعر به، لكن إخفاء الألم المتراكم لم يكن أبدًا بالأمر السهل.— وهل هذا الأحمق "جيفان" يفعل ذلك أيضًا؟وضعتُ يدي على وجهي دون وعي. ألمه هو قد مضى، أما ألمي فلم يمضِ بعد، أستشعر وجوده في منتصف صدري، في نقطة تحترق دومًا بنفس الطريقة.— لا، لم يكن كذلك... حتى اختطفتْ أختُك.قادني فضولي للالتفات نحو "باران". كان يشعل سيجارة أخرى من بقايا الأولى، وكل حركة منه تزبد من تشتت أفكاري.— ماذا فعل أبي لعمك؟ ما سبب هذه العداوة؟ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها احتوت على شيء آخر غير الغضب؛ حيرة وغرابة. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها شعورًا مختلف

  • قَيد من حَرير ودم   16

    قبل أن أكمل كلماتي، لطمني على وجهي بقوة. اندفع رأسي جانباً، وبدأ طنين حاد في رأسي. أظلمت رؤيتي، وطعم المعدن ملأ فمي. رفعتُ رأسي ولمستُ شفتي لأشعر بالدم على أصابعي، لكنني لم أستطع فعل شيء، بقيتُ ملقاة على الأرض.— إن تطاولتِ على زوجتكِ أو كدرتِ صفوها مجدداً، فلن أعتبركِ أختي وسأطأ عليكِ بقدمي!ترددت هذه الكلمات في أذني وأنا أشعر بالضياع. لم تكن تلك الصفعة مجرد ضربة جسدية، بل كانت نهاية كل شيء وتغيّر كل شيء. شاخصت عيناي إلى زاوية الغرفة وجسدي عاجز عن الحركة، وكأنني أسقط في هاوية لا قاع لها، وسط أصوات تتطاحن في رأسي.عندما استندتُ بجسدي إلى السرير، شعرتُ بألم الجروح التي فتحتها الصفعة، لكن الأشد ألمًا كان الأثر النفسي الذي تركته... أثر لن تمحوه السنون، وجرحٌ يبدو أنه لن يندمل أبدًا.دون أن أبالي بحفاتي، فتحتُ النافذة وقفزتُ منها إلى الفناء. كانت شفتي تنزف، لكن ألم الجسد لم يكن شيئًا مقارنة بمن تسبب به. تسللتُ من الباب الخلفي دون أن يراني أحد، وركضتُ في الطريق الخالي حتى ابتعدتُ عن القصر. لم تمنعني الحصى التي تغرس في قدمي العاريتين، فكل خطوة تبتعد بي عن ذلك المكان كانت تريح صدري قليلاً.ت

  • قَيد من حَرير ودم   15

    كان قبول فكرة أن شيئًا لن يتغير هو الأصعب على الإطلاق. مهما بذلت من جهد، لم أتمكن من العثور على ذاك الجزء المفقود في روحي؛ كان ينخر داخلي كالفراغ، ويزداد اتساعًا مع كل يوم يمر. الاستسلام... ربما كان هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. أعرِفُ أنني أضيع أكثر مع كل خطوة، لكنني لن أتوقف بعد الآن؛ فلحدث ما يحدث، وكأنني أقترب من نهاية كل شيء. الأفكار المتناثرة في عقلي اختلطت بمشاعري، وكل كلمة تركت أثرًا عميقًا في روحي.الحقائق كانت تغمرني ببطء، أدرك ذلك وأشعر به. بحثتُ عن مخرج ولم أجد، فسلمتُ أمري. هذا الفراغ، هذا التردد... كله ملكي. الفوضى التي بداخلي ليست سوى انعكاس لي بكل تفاصيلها. تقبُّل ذلك هو كل ما عليّ فعله الآن. سلمتُ وخطوتُ خطوة واحدة... مجرد خطوة، لكنها بدت وكأنها ستغير مجرى الأحداث تمامًا.طُرِق باب غرفتي فجأة. بسرعة، حشرتُ الكتاب الذي بيدي خلف الوسادة. قفز إلى ذهني سؤال متوتر: "أمرة أخرى؟" ليخفق قلبي بسرعة. في آخر مرة ضبطني فيها والدي وأنا أقرأ، سلبني نقودي وأخذ كل كتبي. منذ ذلك اليوم، شاب شغفي بالقراءة بعض النقص. كنتُ أتدبر أمري بصعوبة بالغة عبر المصروف الذي آخذه من إخوتي الكبار، فوق

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status