LOGINجلست «آسيا» على الأريكة الواسعة في الصالة الكبيرة الملحقة بالجناح، وقد بدا جسدها مستسلمًا تمامًا للإرهاق الذي أثقلها منذ بداية اليوم.كانت قد أنهت لتوّها مكالمة فيديو مع والدتها، التي حالت ظروف سفرها برفقة خالتها المريضة دون حضور مراسم الزفاف. ورغم غيابها، لم تشعر آسيا بالوحدة؛ فقد كانت كلمات والدتها وملامحها المبتسمة عبر الشاشة كفيلتين بأن تمنحاها شيئًا من الطمأنينة التي احتاجتها في يوم كهذا.وضعت الهاتف إلى جوارها، وأسندت رأسها إلى ظهر الأريكة، ثم أطلقت زفرة طويلة.كان عقلها لا يزال عالقًا في تفاصيل اليوم.الزحام، التهاني، الضحكات، نظرات العائلة، ذلك الكم الهائل من المشاعر التي لم تجد وقتًا لتستوعبها، ثم ظهور ريم المفاجئ الذي قلب مزاج مازن رأسًا على عقب.وللمرة الأولى منذ أن صعدت إلى الجناح، بدأت تفكر في الأمر بهدوء.كانت لا تزال ترتدي فستانها الأبيض، وقد انسدل طرفه حول قدميها في فوضى بسيطة بعدما جلست دون أن تهتم بمظهره. لم تكن قد انتبهت حتى إلى المكان الذي أحضرها إليه مازن.كل ما فعلته منذ صعودها إلى الطابق كان أن تبعته بصمت، وعقلها مشغول بما حدث في الأسفل.لم تتأمل الجناح.لم تنظر
وبعد قليل، خفتت الموسيقى.ثم تغير اللحن إلى موسيقى هادئة.اقترب مازن منها ومد يده. ــ هل تسمحين لي؟ نظرت إلى يده.ثم إليه. ــ الآن؟ ــ الآن. ــ لكنني لا أجيد الرقص. ــ وأنا لم أطلب منكِ أن ترقصي. رفعت حاجبها. ــ ماذا طلبت إذن؟ ــ أن تقفي معي فقط....هذا أفضل من أن اقبلك وسط الحضور دون خجل وضعت يدها في يده سريعا، تخفي ابتسامتها، ووجها تلون باللون الوردي قادها إلى منتصف المساحة الصغيرة المخصصة للرقص، وسط نظرات العائلة وابتساماتهم. وضع يده حول خصرها بحذر، بينما استقرت يدها فوق كتفه. بدأا يتحركان ببطء.خطوة صغيرة.ثم أخرى. لم يكن هناك شيء استعراضي.مجرد زوجين يرقصان للمرة الأولى في ليلتهما الأولى. رفعت آسيا عينيها إليه. ــ الجميع ينظر إلينا. ــ دعِيهم. ــ أشعر بالخجل. ابتسم. ــ وأنا أشعر بالفخر. ــ الفخر؟ ــ نعم. نظر إليها طويلًا. ــ لأن أجمل امرأة في المكان كله ترقص معي. اتسعت ابتسامتها. ــ أنت مبالغ. ــ إطلاقًا. ثم اقترب قليلًا وقال: ــ هل تعلمين أنني منذ دخلت المكان وأنا أحاول ألا أحدق بكِ طوال الوقت؟ ضحكت. ــ وفشلت. ــ فشل ذريع. ضحكت أكثر.فضحك معها.وبينما كان
ما إن انتهت كلمات عقد القران، حتى تبدّل وجه المكان كله.كأن البيت الذي ظل طوال اليوم منشغلًا بالاستعدادات، قرر أخيرًا أن يحتفل.أُضيئت المصابيح الصغيرة المعلقة على امتداد الشرفة، وانعكست أضواؤها الدافئة على زجاج النوافذ، بينما تدلت سلاسل من الأضواء البيضاء بين أغصان الأشجار الصغيرة المحيطة بالحديقة.لم تكن الزينة فاخرة إلى حد المبالغة.بل كانت بسيطة، أنيقة، تشبه حفلات الزفاف الأوروبية التي تُقام في الحدائق الهادئة؛ طاولات صغيرة مستديرة، مفارش بيضاء ناعمة، شموع داخل أوعية زجاجية شفافة، وباقات من الزهور البيضاء موزعة هنا وهناك، بينما تناثرت بتلات الورد على بعض جوانب الممر المؤدي إلى الحديقة.كانت الموسيقى تنساب في الخلفية بنعومة، لا تطغى على أصوات الضحكات والأحاديث.وفي المنتصف، وُضعت مساحة صغيرة للرقص، تحيط بها الأضواء من كل جانب.وقفت آسيا للحظات، تتأمل المكان وكأنها تراه للمرة الأولى.لم تكن تتخيل أن ليلة زفافها ستكون هكذا.بسيطة.هادئة.جميلة.وممتلئة بتلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل القلب يصدق أن شيئًا جديدًا قد بدأ بالفعل.خفضت عينيها نحو ثوبها.كان فستانها أبيض ناعمًا، طويلًا ينسدل ح
مرّت الأيام التالية بهدوءٍ أسرع مما توقعت آسيا. انشغلت والدتها ووالدة مازن بتفاصيل الزواج الصغيرة، بينما تولّت سلمى معظم الأمور التي كانت ترى أن آسيا لا ينبغي أن تشغل نفسها بها. موعدٌ هنا، ومقاسٌ هناك، وبعض الزيارات القصيرة التي كانت تنتهي دائمًا بعبارة من نوع: «لم يبقَ إلا القليل». أما آسيا، فكانت تعيش الأيام وكأنها تقف على عتبة شيء لا تزال غير قادرة على استيعابه بالكامل. كلما نظرت إلى الخاتم في إصبعها، تذكرت أنها لم تعد تفكر في الزواج بوصفه احتمالًا بعيدًا. لقد أصبح موعدًا. وبيتًا. ورجلًا ينتظرها في الجهة الأخرى من هذا اليوم. ومع ذلك، لم يحاول مازن أن يجعل الأيام السابقة للزواج أثقل عليها. ظل كما اعتادته؛ قريبًا دون أن يضيّق عليها، حاضرًا دون أن يطالبها بشيء، ويكتفي أحيانًا برسالة قصيرة أو مكالمة سريعة يسأل فيها عن يزيد، ثم ينتهي به الأمر إلى سؤالها هي أيضًا عن يومها. وبمرور الوقت، بدأت رهبة الأمر تخف قليلًا. لم تختفِ تمامًا. لكنها لم تعد تخيفها كما كانت. وفي صباح يوم الفرح، استيقظت آسيا قبل موعدها بوقت طويل. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدّق في السقف دون أن تتحرك.
مرّ اليومان التاليان لموافقة آسيا بصورة لم تتوقعها.لم يحدث فيهما شيء استثنائي بالمعنى الذي كانت تتخيله، ومع ذلك شعرت أن البيت كله تبدّل قليلًا.لم تعد كلمة الزواج تُقال بحذر كما كانت في السابق، ولم تعد والدة مازن تتجنب الحديث عن المستقبل أمامها، بل صار الأمر حاضرًا في تفاصيل صغيرة جدًا؛ موعد يُقترح، اسم يُذكر، اتصال تجريه إحدى الخادمات، أو ورقة تضعها والدته أمامها لتسألها عن رأيها.حتى سلمى حضرت في اليوم التالي، وقضت معها ساعات طويلة، تتحدثان عن أشياء لا علاقة لها بالزواج، ثم تعودان إليه فجأة، وكأن الحديث كان ينتظر الفرصة المناسبة.وكانت آسيا، رغم ارتباكها، تشعر بشيء لم تعتده.أن هناك من ينتظرها معه.لم تعد وحدها في التفكير في الغد.وحتى يزيد، الذي ظل يحتل معظم ساعات يومها، بدأ وجوده داخل البيت يأخذ شكلًا مختلفًا؛ فالمربية تساعدها أكثر، ووالدة مازن تتولى عنها أحيانًا بعض التفاصيل الصغيرة، حتى تجد آسيا وقتًا لنفسها دون أن تشعر بأنها مقصرة في حقه.أما مازن، فلم يتغير معها بطريقة واضحة.وهذا تحديدًا ما أراحها.لم يبدأ في معاملتها وكأنها أصبحت زوجته بالفعل، ولم يطالبها بمشاعر أكبر من قدر
استيقظت آسيا في ذلك الصباح على غير عادتها.لم يكن هناك بكاء يزيد، ولا صوت المربية وهي تحاول تهدئته، ولا حتى ذلك الهدوء الثقيل الذي اعتادت أن تستيقظ عليه منذ جاءت إلى هذا البيت.كان هناك شيء آخر.أصوات.حركة تأتي من الطابق السفلي، خطوات متعجلة تتردد فوق الدرج، أبواب تُفتح ثم تُغلق، وضحكات مكتومة تتسلل بين حين وآخر إلى الغرفة.بقيت للحظات مستلقية، تحدق في السقف، تحاول أن تفهم ما يحدث.ثم التفتت إلى يزيد.كان نائمًا بهدوء، فابتسمت دون إرادة منها، ومدت يدها تمرر أصابعها على وجنته الصغيرة قبل أن تنهض.ارتدت ثوبها على عجل، وحملت يزيد بين ذراعيها، ثم خرجت من الغرفة.كلما اقتربت من الدرج، ازدادت الأصوات وضوحًا.وحين وصلت إلى آخر درجة، توقفت.كانت الصالة مختلفة تمامًا عن المعتاد.الستائر مفتوحة، والشمس تملأ المكان، وعلى الطاولة الكبيرة تراصت فناجين القهوة وأطباق الحلوى، بينما تحركت الخادمات بين المقاعد في نشاط غير مألوف.كانت والدة مازن تجلس في المنتصف.وإلى جوارها...سلمى.ما إن وقعت عيناها عليها حتى رفعت سلمى رأسها، وابتسمت ابتسامة واسعة.ــ صباح الخير، يا عروس.توقفت آسيا مكانها.نظرت إليها،
بقيت في مكانها دون حركة تُذكر، وأصابعها ما زالت تستقر على المقبض، وبعيون لمع فيها الدمع، راقبت المشهد في مجال رؤيتها. كان كرسي مكتبه الضخم شاغرًا، بينما رنّت في الأرجاء أصوات طفلة تضحك عاليًا بمرح، تكسر قتامة المكتب الداكن المرتب على نحو مثالي. تخلّى "مازن" عن هيبته ومكانته وسط العاملين لديه، وجث
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد
سبق خطواتها، صوت رنة خلخالها الشرقي الرنان، يعلن عن حضورها، وقفت بزاوية مائلة تستند بجزعها علي باب المكتب المفتوح...، رفعَ رأسه عن الأوراق امامه، وعطرها الفرنسي الباهظ يتغلغل إلي أنفه عنوةً. توقع خطوتها التالية، أذ أخذت تقترب منه تتمايل برشاقة قوامها الممشوق، تتعمد أن تكشف عن ساقيها السمراء الطو
أنتظرت لساعة كاملة علي الاريكة الجلدية، في غرفة الأنتظار، وسط عشرات من النساء، معظمهن ببطن منتخفة،وعلي مايبدو أنهن بلغن شهورهن الأخيرة من الحمل...كانت متوترة،وصوت جهاز التكييف الذي يلفظ هواءً باردًا يحمل رائحة الكحول الطبي والمعقمات النفاذة يخنقها حاولت أشغال نفسها بتفحص هاتفها مرات عديدة، لكن ال







