LOGINأشرقت خيوطُ الصباح الأولى، وانسابت أشعةُ الشمس عبر ستائر الغرفة، لتوقظ غُفران من نومٍ لم يكن نومًا بقدر ما كان هروبًا مؤقتًا من ليلةٍ أثقل من أن تُحتمل.
فتحت عينيها ببطء، وظلت تحدق في السقف لثوانٍ طويلة، كأنها تحاول أن تتذكر أين هي. ثم وقعت عيناها على الفستان الملقى فوق المقعد. فعادت الحقيقة دفعةً واحدة. أغمضت عينيها مرةً أخرى، وزفرت زفرةً طويلة، ثم نهضت في هدوء. في تلك اللحظة... ارتفع طرقٌ خفيف على الباب. "تفضلي." دخلت الخادمة، وانحنت باحترام. " سيدي بانتظارك في الأسفل." لم تسأل غُفران، ولم تُبدِ فضولًا. قالت ببرودٍ خالٍ من أي انفعال: "حسنًا." خرجت الخادمة، بينما وقفت غُفران أمام المرآة للحظات. كانت تشعر أن ملامحها لم تعد تخصها. غسلت وجهها بالماء البارد، ثم ارتدت ملابسها بهدوء، وخرجت. كان البيت ساكنًا على غير عادته. لا أصوا، لا حركة، كأن ما حدث بالأمس لم يكن سوى مشهدٍ انتهى بإسدال الستار. هبطت الدرج بخطواتٍ بطيئة. ولمّا وصلت إلى غرفة الطعام...وجدته يجلس في صدر المائدة. كان يطالع بعض الأوراق الموضوعة أمامه. لم يرفع رأسه عندما شعر بدخولها. ولم يبدُ عليه أنه ينتظر تفسيرًا، أو اعتذارًا، أو حتى حديثًا. توقفت أمامه. ثم قال بصوتٍ هادئ، دون أن يرفع عينيه عن الورقة: " اجلسي." نظرت إليه لحظة. ثم جلست في المقعد المقابل له دون كلمة. عاد الصمت من جديد. صمتٌ لم يكن مريحًا، ولم يكن ثقيلًا..بل كان من النوع الذي يجعل الإنسان يسمع أفكاره بوضوحٍ مؤلم. وضعت غُفران يديها فوق الطاولة، وظلت تحدق في الرجل المقابل لها. ثم قالت، بصوتٍ خافت، لكنه ثابت: " من أنت؟" رفع الورقة بهدوء، وأغلقها. ووضعها إلى جواره. ثم رفع بصره إليها لأول مرة. كانت عيناه هادئتين على نحوٍ غريب..هدوء لا يشبه المنتصر، ولا المعتذر. بل يشبه رجلًا يعرف أن بعض الحقائق لا يمكن إصلاحها. قال بعد لحظة: " لستُ الرجل الذي عُقد قرانك عليه، ثم تابع بنفس النبرة الهادئة: ابني هو من عُقد قرانك عليه." لم تجبه. لم يتغير شيء في ملامحها. إلا أن أصابعها انغلقت ببطء حول حافة المقعد. نظر إليها محمود لحظة. ثم قال: "هذا يكفي الآن." رفعت عينيها إليه. لم يكن في نظرتها غضب. كان فيها شيء أكثر إرهاقًا. قالت: "يكفي... لمن؟" لم يجب ثم وقف من مقعده بهدوء. رتب الأوراق أمامه، ثم التقط سترته. وخرج وأُغلق الباب خلفه بهدوء. بقيت غُفران في مكانها. لا تزال تحدق في الباب المغلق. لم تحصل على تفسير. ولم تعرف شيئًا. لكنها خرجت من هذا اللقاء بحقيقةٍ واحدة... الرجل الذي ظنت أنه زوجها...لم يكن سوى والده. أما الباقي...فكان غارقًا في الضباب. عادت إلى غرفتها بخطواتٍ بطيئة. جلست على حافة السرير، وأخذت تسترجع كلماته. لم تكن كثيرة. لكنها تركت داخلها أسئلةً أكثر مما تركت أجوبة. أفاقت من أفكارها فجأة. يوسف أمسكت هاتفها بسرعة. كانت الشاشة سوداء. نفدت البطارية منذ الليلة الماضية. فتحت الدرج، وأخرجت الشاحن، ثم أوصلت الهاتف بالكهرباء. ظلت تراقب الشاشة حتى ظهر ضوء التشغيل. وقبل أن يكتمل تشغيل الهاتف... أغمضت عينيها. ولأول مرة منذ أمس... شعرت أن الحقيقة لم تبدأ بعد. في الجهة الأخرى من العالم... كانت قاعة الاجتماعات في الطابق الثامن والثلاثين تعجُّ بأعضاء مجلس الإدارة. انتهى العرض الأخير، وانطفأت شاشة العرض. أغلق آدم الملف أمامه، وقال بهدوء: "إذن أصبح الاتفاق نافذًا؟" أجاب عمر، وهو يدفع نسخة العقد نحوه: " نعم وقّع الجانب الياباني صباح اليوم، وبدأت المرحلة التنفيذية رسميًا، وستصل أول دفعة من الخوادم خلال ثلاثة أسابيع. قلّب آدم صفحات العقد بسرعة، ثم توقف عند إحدى الفقرات. أعاد قراءتها مرةً ثانية. ثم قال: "عدّلوا بند الصيانة." رفع عمر رأسه. " هناك مشكلة؟" قال دون أن يرفع رأسه: "ليست مشكلة، لكنهم ربطوا الدعم الفني بسقفٍ زمني لا يناسب حجم المشروع، وبعد ستة أشهر سيطالبون بتعديل العقد، فالأفضل أن نسبقهم إليها الآن." ابتسم عمر ابتسامةً خفيفة. " لهذا أصرّوا أن تكون أنت من يدير المفاوضات." أغلق آدم الملف.ثم قال: "سأرسل التعديلات قبل نهاية اليوم." نهض آدم واتجه نحو الواجهة الزجاجية المطلة على المدينة. تشابكت يداه خلف ظهره، وظل ينظر إلى الأفق. قال عمر بعد لحظة: " بقي أمر واحد." لم يلتفت آدم. " ما هو؟ " " متى ستعود إلى البلاد؟" ساد صمتٌ قصير. ثم أجاب وهو لا يزال ينظر إلى الخارج: "بعد انتهاء هذا المشروع." ابتسم عمر ابتسامةً جانبية. "تقول ذلك منذ عامين." قال آدم بهدوء: " لأن كل مرة يظهر مشروعٌ أهم." اقترب عمر منه قليلًا. " والأعمال لن تنتهي أبدًا." التفت إليه آدم أخيرًا. وفي عينيه هدوءٌ يخفي إرهاق سنوات. " أعلم." ثم أردف بصوتٍ منخفض: لهذا سأعود هذه المرة. لم يسأله عمر عن السبب. لكنه شعر..أن شيئًا ما ينتظر آدم في وطنه شيئًا...بعد نحو أربعين دقيقة...توقفت السيارة أمام المبنى الرئيسي لشركة السيوفي العالمية.ترجل آدم بهدوء.استقام السائق في وقفته وهو يغلق باب السيارة خلفه.في الداخل...كان الموظفون قد بدأوا يومهم منذ وقت.وما إن لمحوه يعبر البوابة الزجاجية، حتى انتبه الجميع لوجوده.وقف موظف الاستقبال أولًا."صباح الخير، سيد آدم."تبعه اثنان من الموظفين كانا يعبران الردهة." صباح الخير، سيد آدم."اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، دون أن يبطئ خطواته.كانت عيناه تتحركان في المكان بسرعة. لا يتأمل...بل يلاحظ.لوحة الإعلانات لم تُحدَّث منذ الأمس.أحد الشاشات الإعلانية في الردهة تعرض نسخةً قديمة من العرض التسويقي.تفاصيل صغيرة...لكنها لم تكن تمر أمامه دون أن تُسجَّل في ذهنه.فتح له أحد الموظفين باب المصعد.ضغط آدم زر الطابق الأخير. ظل المصعد يصعد في صمت.ولم يرفع آدم عينيه عن الجهاز اللوحي الذي كان بين يديه.كان يراجع ملاحظاته على العرض الخاص بالمشروع.توقفت أبواب المصعد. خرج بخطواتٍ ثابتة.كانت سكرتيرته تنتظره أمام مكتبه."صباح الخير، سيد آدم." ناولته جهازًا لوحيًا آخر، وقالت باحترافية:"جدول اليوم. اجتماع مجلس الإدارة بعد ع
دخل آدم إلى الحمام. ترك الماء البارد ينساب فوقه طويلًا، ثم خرج بعد دقائق وقد استعاد هدوءه المعتاد. ارتدى بدلته بعناية، ثبّت ساعة يده، ثم غادر جناحه بخطواتٍ ثابتة. في الوقت نفسه... كانت غُفران قد نزلت إلى الطابق السفلي. وجدت محمود يجلس وحده إلى مائدة الإفطار، يحتسي قهوته ويطالع بعض الأوراق. رفع رأسه فور أن رآها. وابتسم ابتسامةً هادئة. " صباح الخير يا غُفران." أومأت برأسها وجلست في هدوء." صباح النور." طوى محمود الأوراق التي أمامه، ثم نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول: "كنت أنوي أن أحدثك بالأمس، لكن الوقت لم يكن مناسبًا." رفعت بصرها إليه في انتظار أن يكمل. قال بهدوء: "الضيف الذي أخبرتكِ عنه... وصل بالفعل.ثم أردف بعد لحظة قصيرة إنه آدم زوجك." اتسعت عيناها قليلًا في دهشةٍ صامتة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. قالت ببرود:" حقًا؟" أومأ محمود برأسه." نعم." ساد بينهما صمتٌ قصير. ثم نظرت غُفران إلى ساعة يدها. وأغلقت حقيبتها. "لقد تأخرت على الجامعة سأذهب الآن." قال محمود بهدوء:"حسنًا... أتمنى لكِ يومًا موفقًا." نهضت من مقعدها. وما إن استدارت متجهةً نحو الباب... حتى سمعت وقع
حلَّ الليل على القصر. واحدًا تلو الآخر...انطفأت الأضواء، لم يبقَ مضاءً سوى جناحين. جناحها...وجناحه. كانت غُفران ما تزال مستيقظة.الكتاب مفتوح أمامها، وعيناها معلقتان بالصفحة نفسها منذ دقائق. لم تكن تقرأ. كانت تستعيد تلك النظرة. ذلك الرجل... لم تعرف اسمه، لكنها كانت متيقنة من شيء واحد. أنه يعرفها، وأنه...لم يكن سعيدًا برؤيتها. أغلقت الكتاب، ثم نهضت، أطفأت المصباح، ولم تُبقِ سوى ضوءٍ خافت يتسلل من الأباجورة القريبة. وقبل أن تتجه إلى فراشها...توقف بصرها عند باب الغرفة. لا تدري لماذا... راودها شعورٌ بأنها لم تعد وحدها في هذا المنزل. أُغلق الباب خلفه بهدوء. ساد الصمت. تقدَّم بخطواتٍ بطيئة حتى وقف أمام النافذة الممتدة على طول الجدار. في الخارج... كانت الحديقة غارقة في سكون الليل. أما في الداخل...فكان كل شيء على النقيض. عقد يديه خلف ظهره، وثبَّت بصره في نقطةٍ بعيدة، دون أن يراها حقًّا. كان يستعيد المشهد كله، كلمات والده...نظرته...وصمته، حتى تلك الفتاة... لم تغب صورتها عن ذهنه.لم يعرفها، ولم يسأل عنها. لكنه لم يستطع أن يتجاهل أنها أصبحت، في لحظةٍ واحدة، جزءًا من معادلةٍ لم يخت
انفتح باب المكتب بعنف. خرج آدم بخطواتٍ سريعة، حتى بدا وكأن الهواء من حوله قد تغيّر. كان الغضب ظاهرًا في ملامحه، لكنه لم يكن من ذلك النوع الذي يعلو صوته... بل من النوع الذي يجعل الصمت أكثر قسوة. تبعه عمر دون أن ينطق. في أسفل الدرج... كانت غُفران قد خطت لتوها إلى داخل القصر. رفعت رأسها على وقع الخطوات. توقفت، وتوقف هو الآخر، لم تكن بينهما سوى أمتار قليلة. رفع آدم بصره إليها. تأملها للحظة.لم يبدُ على وجهه أي انفعال. لكن نظرته كانت باردة... باردة إلى حدٍ جعلها تشعر وكأنها موضع اتهام، لا موضع لقاء. انزلقت عيناه عليها في هدوء، من دون عجلة، ثم أعاد النظر إلى وجهها. لم يقل كلمة، ولم يمنحها فرصة لتقول شيئًا، مرّ من جوارها، وحين أصبح بمحاذاتها، لم يلتفت. تابع طريقه كأن وجودها لا يستحق التوقف. أما غُفران، فبقيت مكانها، عقدت حاجبيها في حيرة، لم تعرف ذلك الرجل. لكن نظرته...لم تكن نظرة غريب، بدت وكأنها تحمل حكمًا سبق صدوره. التفتت خلفه للحظة، ثم صرفت بصرها، وصعدت إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها. خلعت معطفها، ثم اتجهت إلى الحمام، تركت الماء ينساب فوقها طويلًا، كانت تحاول أن تغسل عنها إره
داخل مقرِّ شركة السيوفي العالمية... كانت الحركة في أروقة الشركة تسير بإيقاعٍ منضبط، وكأن المكان يستعد لعودة نبضٍ غاب عنه طويلًا. توقف عمر أمام مكتب الاستقبال، ثم قال لأحد الموظفين: " تأكد من جاهزية قاعة الاجتماعات، وأعد إرسال جدول اليوم إلى جميع الإدارات... لا أريد أي تعديل بعد وصول السيد آدم." " حاضر، أستاذ عمر." ابتعد الموظف مسرعًا. وفي اللحظة نفسها، انفتحت أبواب المصعد. خرج آدم بخطواتٍ هادئة، مرتديًا بدلته السوداء. ساد صمتٌ عابر، ثم تعالت التحيات. "صباح الخير، سيد آدم." اكتفى بإيماءةٍ قصيرة، لم يكن من أولئك الذين يتوقفون عند كلمات الترحيب. كان يرى أن الوقت الذي يُهدر في المجاملات... يُسرق من العمل. دخل مكتبه، ولم تمضِ دقيقة حتى دخل عمر، يحمل ملفًا سميكًا، وضعه أمامه. " هذه تقارير الأداء الخاصة بآخر عامين." فتح آدم الملف. قلب عدة صفحات بسرعة، ثم توقف فجأة. سحب أحد التقارير جانبًا. رفع رأسه. "من أعدَّ هذا النموذج؟" " فريق هندسة البرمجيات." ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم قال بهدوء: " الفكرة جيدة... لكن نموذج التنبؤ مبنيٌّ على بياناتٍ ثابتة." اقترب عمر. "تقصد أ
إستعادت الشاشة ضوءها أخيرًا. تتابعت الإشعارات فوق بعضها حتى كادت تغطي خلفية الهاتف. رسائل، واتصالات فائتة،كلها من اسمٍ واحد. يوسف. حدقت في الشاشة لثوانٍ، ثم تنهدت بخفوت. فتحت نافذة المحادثة. ترددت أصابعها قليلًا قبل أن تكتب: "أنا بخير... لا تقلق." تأملت الرسالة لحظة. ثم ضغطت زر الإرسال. لم تنتظر ردًا. أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا، كأنها أغلقت معه كل ما يربطها بالعالم الخارجي. اتجهت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا. كانت الحديقة تمتد أسفلها في هدوءٍ يكاد يكون مستفزًا. الأشجار ساكنة، النافورة تواصل انسيابها، والعاملون يتحركون في نظامٍ معتاد، كأن شيئًا لم يحدث. أما هي... فكانت تشعر أن حياتها كلها خرجت عن مسارها في ليلةٍ واحدة. كيف يمكن لإنسان أن يستيقظ وهو يعرف الطريق الذي رسمه لنفسه...ثم ينام، فلا يبقى من ذلك الطريق شيء؟ أغمضت عينيها. وفجأة... عاد إليها صوتٌ تعرفه جيدًا. "أنتِ لا تعتمدين على الذكاء وحده يا غُفران، تعتمدين على الانضباط. وهذه ميزة لا تُكتسب بسهولة." كان ذلك في آخر فصل دراسي. عندما استدعاها رئيس القسم إلى مكتبه بعد إعلان النتائج. كانت تقف أمامه يومها، تحمل ملف







