مشاركة

قبل العاصفة

مؤلف: وتين
last update تاريخ النشر: 2026-07-27 21:04:25

أكملت غُفران مراسم التكريم وسط تصفيق الحاضرين، ثم نزلت عن المنصة وهي تضم شهادتها إلى صدرها كأنها تخشى أن تنتزعها الأيام منها كما انتزعت منها أشياء كثيرة من قبل.

توالى الأساتذة في تهنئتها، وصافحها عددٌ من أعضاء هيئة التدريس، بينما قالت لها إحدى الأستاذات بابتسامة صادقة:

«أبارك لكِ يا غفران. لقد كنتِ من أكثر الطالبات اجتهادًا، وأثق بأنك ستكونين إضافةً مميزةً للقسم.»

انحنت غفران باحترام، وقالت وقد غلبها التأثر:

«شكرًا لكم... ما وصلتُ إلى هذه اللحظة إلا بفضل الله، ثم بدعمكم وتشجيعكم.»

ابتسمت الأستاذة وربتت على كتفها برفق قبل أن تنصرف.

وقفت غفران للحظات تتأمل الشهادة بين يديها، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها.

حدقت في الشاشة قليلًا...

كانت تتمنى أن تجد رسالةً من والدها، أو مكالمةً من والدتها، أو حتى كلمةً قصيرة تقول:

«مبارك يا غفران.»

لكن شاشة الهاتف بقيت خالية.

ابتسمت ابتسامةً باهتة، وأعادت الهاتف إلى حقيبتها.

وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة قصيرة.

«أنا في انتظارك عند البوابة الرئيسية.»

كان المرسل...

يوسف.

ارتسمت ابتسامةٌ صادقة على وجهها، ثم أسرعت بخطواتها نحو الخارج.

ما إن خرجت من بوابة الجامعة، حتى لمحته يقف غير بعيد عنها.

كان يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا أسود، وقد علت وجهه ابتسامة واسعة بمجرد أن وقعت عيناه عليها.

اقترب منها وهو يصفق بخفة وقال ضاحكًا:

«مباركٌ يا دكتورة غفران.»

ضحكت لأول مرة منذ بداية ذلك اليوم، وقالت وهي تهز رأسها:

«لا تنادني بهذا الاسم، فما زلت لا أصدق ما حدث.»

ابتسم يوسف بثقة وقال:

«بل اعتادي عليه من الآن، لأن الجميع سيناديك به قريبًا.»

خفضت بصرها إلى الشهادة التي تحملها بين يديها، ثم قالت بصوت خافت:

«كنت أتمنى لو كان أبي وأمي هنا.»

تغيرت ملامحه للحظة، ثم قال برفق:

«سيأتي اليوم الذي يفتخران فيه بكِ، حتى وإن تأخر ذلك اليوم. المهم ألا تتوقفي عن الإيمان بنفسك.»

نظرت إليه بعينين امتلأتا امتنانًا.

«أشكرك... وجودك اليوم جعلني أشعر أنني لست وحدي.»

ابتسم وقال:

«وهل أتركك في أهم يومٍ في حياتك؟ هيا، هناك مكان أريد أن آخذك إليه.»

توجها إلى مقهى صغير يطل على حديقة هادئة، بعيدًا عن صخب الاحتفال.

جلسا متقابلين، ولم تتوقف غفران عن النظر إلى الشهادة الموضوعة أمامها فوق الطاولة.

قال يوسف وهو يتأمل ملامحها:

«هذه أول مرة أراكِ تبتسمين بهذه الطريقة.»

ابتسمت في خجل وقالت:

«لأنني أشعر أن سنوات التعب لم تذهب سدى.»

أومأ برأسه، ثم أدخل يده في جيب سترته، وأخرج علبة صغيرة مكسوة بالمخمل الأسود.

توقفت غفران عن الكلام، وحدقت في العلبة بدهشة.

قال وهو يناولها إياها:

«هذه هديتي لكِ بمناسبة نجاحك.»

تناولتها بيدين مرتجفتين، ثم فتحتها ببطء.

اتسعت عيناها عندما رأت خاتمًا فضيًا بسيطًا يتوسطه فص صغير يلمع تحت ضوء الشمس.

رفعت بصرها إليه في دهشة.

«يوسف... هذا جميلٌ جدًا، ولكن لمَ كل هذا؟»

ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:

«لأنه يليق بكِ.»

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم أردف بصوت اختلط فيه الصدق بالحنان:

«أعلم أنني لا أملك الكثير الآن، لكنه ليس مجرد هدية... أريدك أن تحتفظي به دائمًا.»

تناول الخاتم من العلبة برفق، ثم قال:

«هل تسمحين لي؟»

مدت يدها إليه في خجل، فألبسها الخاتم برفق.

ثم قال وهو يبتسم:

«لا تخلعيه من يدكِ أبدًا. اعتبريه وعدًا مني... ووعدًا بأنني سأظل إلى جوارك.»

لم تستطع غفران منع دموعها.

همست بصوت مرتجف:

«لا أعرف كيف أشكرك.»

ابتسم يوسف وقال:

«لا أريد شكرًا. أريد فقط أن أراكِ سعيدة.»

سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:

«أنا أحبك يا غفران... ومنذ زمن. وبعد اليوم لن أؤجل الأمر أكثر. سأتحدث مع أسرتي، وعندما تستقر أموري سأطلب يدكِ رسميًا. أريد أن تكوني شريكة حياتي.»

شعرت غفران بأن قلبها يخفق بعنف.

لم تجد كلماتٍ ترد بها، فاكتفت بابتسامةٍ امتزجت بدموع الفرح.

خفضت رأسها، وهمست:

«أسأل الله أن يتمم لنا الخير.»

ابتسم يوسف، ثم أشار إلى كوبَي القهوة اللذين وُضعا على الطاولة لتوِّهما، وقال ممازحًا:

«أما الآن... فلنحتفل بأول إنجاز في رحلة الدكتورة غفران، فما زال أمامنا مستقبلٌ طويل.»

ابتسمت وهي تنظر إلى الخاتم في إصبعها، غير مدركةٍ أن هذا الوعد الذي ملأ قلبها طمأنينةً في تلك اللحظة... سيكون أول ما ستتشبث به حين تنقلب حياتها رأسًا على عقب.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لم يكُن اتفاقًا   قبل أن يتغير كل شئ

    صعدت غُفران إلى غرفتها بعدما انتهت من تناول العشاء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. جلست إلى مكتبها، وأخرجت الحاسوب المحمول وبعض الأوراق، ثم بدأت تُراجع ما تبقى من المحاضرات التي ستلقيها على طلابها في اليوم التالي.كانت تُعدّل بعض الملاحظات، وتضيف أمثلة جديدة، حتى لا يشعر الطلاب بالملل، فقد أرادت أن تكون مختلفة منذ يومها الأول.مرّت الساعات سريعًا، ولم تنتبه إلى الوقت إلا عندما شعرت بثقلٍ في عينيها.أغلقت الحاسوب، ورتبت أوراقها بعناية، ثم اتجهت نحو سريرها.وما إن وضعت رأسها على الوسادة، حتى ترددت في أذنيها كلمات السيد محمود:«آدم سيعود مع نهاية هذا الشهر.»أغمضت عينيها، لكن الاسم ظل يتردد داخل عقلها.لم يتبقَّ سوى عشرة أيام...عشرة أيام فقط تفصلها عن الرجل الذي أصبح زوجها على الورق، دون أن تعرف عنه شيئًا، ودون أن يعرف هو بوجودها أصلًا.تنهدت وهي تتقلب في فراشها يمينًا ويسارًا.ماذا ستكون ردة فعله عندما يعلم بالحقيقة؟هل سيرفضها؟هل سيكرهها؟أم سيحملها مسؤولية أمرٍ لم يكن لها يد فيه؟أسئلة كثيرة أخذت تتزاحم داخل رأسها، حتى غلبها النعاس أخيرًا، واستسلمت للنوم.في صباح اليوم التالي...رنّ المن

  • لم يكُن اتفاقًا   حماية لم أعتدها

    خرجت غفران من بوابة الجامعة بعد انتهاء يومها الأول، وقد شعرت بشيءٍ من الرضا. كان اليوم مرهقًا، لكنه منحها إحساسًا بأنها ما زالت قادرة على الوقوف من جديد.وما إن خطت بضع خطوات، حتى سمعت صوتًا مألوفًا يناديها.«غفران!»توقفت في مكانها، ثم التفتت ببطء.كان يوسف يقف أمامها، وقد بدت على وجهه آثار الإرهاق، وكأنه لم ينم منذ أيام.اقترب منها بخطوات مترددة، وقال بصوتٍ يملؤه العتاب:«لماذا حظرتِ رقمي؟ ولماذا لم تتركي لي فرصة لأفهم ما حدث؟»خفضت غفران بصرها، ثم قالت بهدوء:«لأن كل ما بيننا قد انتهى يا يوسف.»هز رأسه رافضًا كلامها.«لا... لم ينتهِ شيء. أخبريني فقط أنكِ تريدينني، وسأواجه الدنيا كلها من أجلك. لن أتركك مهما حدث.»أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحت حقيبتها ببطء.أخرجت العلبة المخملية، ووضعتها في يده.نظر إليها في دهشة.فتحها...فرأى الخاتم الذي أهداه لها.قال بصوتٍ مرتجف:«غفران... ماذا تفعلين؟»رفعت عينيها إليه، وقد امتلأتا بالدموع.«لم يعد لهذا الخاتم مكان في يدي.»تجمد في مكانه.وأكملت بصوتٍ متماسك، رغم انكسار قلبها:«لقد أصبحت زوجة رجلٍ آخر. ولا أريدك أن تؤذي نفسك بسببي مرةً أخرى. أرجوك

  • لم يكُن اتفاقًا   قرارها ان تبدأ من جديد

    أغلقت غفران باب غرفتها بهدوء، ثم جلست على طرف السرير، وقد أثقل التعب جسدها، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بلا توقف.أخرجت هاتفها من حقيبتها، وما إن فتحته حتى وجدت رسالة جديدة من يوسف.ترددت لحظة قبل أن تضغط عليها، ثم بدأت تقرأ:«غفران... هل أنتِ بخير؟ أخبريني فقط أنكِ بخير. أقسم لكِ أنني لن أترككِ، وإن اضطررت فسآتي إليكِ لنرحل من جديد. لن أسمح أن أخسرك، ولن أتخلى عنكِ مهما حدث.»شعرت بغصةٍ تخنقها، وأغمضت عينيها بقوة.كانت تعلم أن أي محاولة جديدة منه قد تعرضه للخطر مرة أخرى، وقد كادت تفقده بالأمس.تنهدت طويلًا، ثم أمسكت الهاتف وكتبت:«أنا بخير... وقد أصبح لكلٍّ منا طريقه. لقد تزوجت، ولم يعد يحق لي أن أكون معك. ما كان بيننا كان جميلًا، لكن القدر لم يكتب له الاكتمال. أرجوك، انسني، وابدأ حياتك من جديد. أتمنى لك مستقبلًا سعيدًا.»ظلت تنظر إلى الرسالة لثوانٍ، قبل أن تضغط زر الإرسال.وما إن أرسلتها، حتى سارعت إلى حظر رقمه.ألقت الهاتف جانبًا، ثم أجهشت بالبكاء.كانت تعلم أنها لم تحظره لأنها كرهته...بل لأنها أرادت أن تحميه.وبعد دقائق طويلة، مسحت دموعها ونهضت من مكانها.وقفت أمام خزانة ا

  • لم يكُن اتفاقًا   خلف الابواب المغلقة

    ما إن انتهى المأذون من عقد القران، حتى شعرت غفران بأن كل شيء قد انتهى.لم تعد تسمع الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى دموعها التي حجبت عنها الوجوه.اقترب الرجل الخمسيني منها بهدوء، ثم قال:«هيا.»تحركت خلفه كمن يسير بلا روح، بينما كانت نظرات الشفقة تلاحقها من بعض الحاضرين.استقلت السيارة إلى جواره، ولم ينبس أيٌّ منهما بكلمة طوال الطريق.كانت تنظر من النافذة، تتأمل الطرقات التي تبتعد بها عن حياتها القديمة، وتتساءل في صمت:«كيف انقلب أسعد أيام حياتي إلى أكثرها قسوة؟»وبعد قرابة الساعة، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة.ارتفعت البوابة ببطء، لتكشف عن قصرٍ فخم تحيط به الحدائق من كل جانب.اتسعت عينا غفران في دهشة.لم تكن قد رأت مكانًا بهذه الفخامة من قبل.ترجل الرجل أولًا، ثم تبعته بهدوء. وقال: «تفضلي.»دخلت خلفه، فاستقبلهم عددٌ من الخدم.انحنوا جميعًا باحترام، ثم أخذ أحدهم حقيبتها.ازدادت دهشتها.لم يرفع أحدٌ صوته عليها.لم يأمرها أحد.لم ينظر إليها أحد باحتقار.كان كل شيء مختلفًا عن المنزل الذي جاءت منه.صعد الرجل بضع درجات، ثم التفت إليها مبتسمًا.وقال:«غرفتك في الطابق العلوي، أول

  • لم يكُن اتفاقًا   فرحه لم تكتمل

    غادرت غُفران المقهى وهي تغالب ابتسامتها. كانت تشعر أن القدر ابتسم لها أخيرًا بعد سنواتٍ طويلة من الألم والخذلان. ضمت حقيبتها إلى صدرها، ولمست الخاتم الذي يزين إصبعها، ثم همست لنفسها بأن الأيام القادمة ستكون أجمل، وأن والديها سيفخران بها حين يعلمان أنها أصبحت معيدةً في الجامعة، وأن مستقبلها أصبح مشرقًا كما كانت تحلم دائمًا.كانت تسير بخطواتٍ سريعة، وكأنها تسبق الريح لتعود إلى منزلها وتزف إليهما الخبر السعيد، متخيلةً ردود أفعالهما ونظرات الفخر في أعينهما.لكن ما إن وصلت إلى المنزل حتى فوجئت بازدحامٍ غير مألوف. كان الباب مفتوحًا، والرجال والنساء يملؤون أرجاء المنزل، وبعض الوجوه لم ترها من قبل، بينما تعرّفت إلى أفراد عائلة والدها القادمين من الصعيد، أولئك الذين كانت تخشاهم منذ صغرها لما عُرفوا به من الشدة والصرامة.توقفت في مكانها، وقد تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، ثم وقعت عيناها على رجلٍ تجاوز الخمسين من عمره يجلس في صدر المجلس، وإلى جواره مأذون يحمل بين يديه دفتر عقد الزواج.وقبل أن تستوعب ما تراه، دوّى صوت والدها قائلًا:«ها قد وصلت العروس... كنا ننتظرك. هيا، استعدي لعقد قرانك، فزوجك في ان

  • لم يكُن اتفاقًا   قبل العاصفة

    أكملت غُفران مراسم التكريم وسط تصفيق الحاضرين، ثم نزلت عن المنصة وهي تضم شهادتها إلى صدرها كأنها تخشى أن تنتزعها الأيام منها كما انتزعت منها أشياء كثيرة من قبل.توالى الأساتذة في تهنئتها، وصافحها عددٌ من أعضاء هيئة التدريس، بينما قالت لها إحدى الأستاذات بابتسامة صادقة:«أبارك لكِ يا غفران. لقد كنتِ من أكثر الطالبات اجتهادًا، وأثق بأنك ستكونين إضافةً مميزةً للقسم.»انحنت غفران باحترام، وقالت وقد غلبها التأثر:«شكرًا لكم... ما وصلتُ إلى هذه اللحظة إلا بفضل الله، ثم بدعمكم وتشجيعكم.»ابتسمت الأستاذة وربتت على كتفها برفق قبل أن تنصرف.وقفت غفران للحظات تتأمل الشهادة بين يديها، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها.حدقت في الشاشة قليلًا...كانت تتمنى أن تجد رسالةً من والدها، أو مكالمةً من والدتها، أو حتى كلمةً قصيرة تقول:«مبارك يا غفران.»لكن شاشة الهاتف بقيت خالية.ابتسمت ابتسامةً باهتة، وأعادت الهاتف إلى حقيبتها.وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة قصيرة.«أنا في انتظارك عند البوابة الرئيسية.»كان المرسل...يوسف.ارتسمت ابتسامةٌ صادقة على وجهها، ثم أسرعت بخطواتها نحو الخارج.ما إن خرجت من بوابة الجامعة،

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status