Masukطوال الطريق كانت تتخيل المشهد الذي انتظرته سنوات. تدخل المنزل...
يرفع والدها عينيه إليها..يبتسم بفخر...ويقول لها: "أحسنتِ يا غفران." كانت تتمنى كلمةً واحدة فقط. كلمةً تمحو كل السنوات التي شعرت فيها بأنها غير مرئية. وصلت إلى منزلها، فتوقفت لحظةً أمام الباب. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ابتسمت وهمست: "اليوم سيكون مختلفًا." دفعت الباب ودخلت. لكن ابتسامتها تلاشت تدريجيًا. لم يكن المنزل كما تركته صباحًا. كان مكتظًا بالنساء والرجال، والهمسات تملأ المكان، ورائحة البخور تعبق في الأرجاء، وكأن الجميع يستعد لاحتفالٍ لا تعلم عنه شيئًا. توقفت عند عتبة الباب. وتجمدت قدماها. ثم وقعت عيناها على رجلٍ وقور، تجاوز الخمسين من عمره، يجلس في صدر المجلس بهدوء، وإلى جواره المأذون يراجع بعض الأوراق. لم تفهم شيئًا. حتى دوّى صوت والدها في أرجاء المنزل: " ها قد وصلت العروس." التفتت إليه ببطء، وقد انعقد لسانها. ثم همست بعدم تصديق: "عروس؟" أجابها ببرود، وكأن الأمر لا يستحق النقاش: " نعم... ادخلي إلى غرفتك واستعدّي." ازدادت حيرتها. " أستعد... لماذا؟" نظر إليها نظرةً جامدة، ثم قال: " بعد قليل سيُعقد قرانك." شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها كالصاعقة. ارتجفت شفتاها. "عقد قراني؟!" لم يجبها والدها. بينما قال أحد أقاربها ضاحكًا: " لا داعي لكل هذا الذهول، كل شيءٍ قد تم الاتفاق عليه." أخذت تنظر حولها. لا أحد سألها عن يوم تخرجها. لا أحد نظر إلى الشهادة التي تحملها. لا أحد هنأها بتعيينها معيدةً في الجامعة. في نظر الجميع... لم تكن خريجةً متفوقة. بل كانت مجرد عروس. اقتربت منها والدتها وأمسكت بذراعها. "ادخلي يا غفران." نزعت يدها برفق، لكنها بحزم. " لن أدخل." ساد صمتٌ ثقيل. ثم قالت بصوتٍ مرتجف: " لن أتزوج." اشتعل الغضب في عيني والدها. وتقدم منها خطوةً وهو يقول بحدة: " ومنذ متى صار لكِ رأي؟" رفعت رأسها لأول مرة في حياتها. كان الخوف ينهش قلبها، لكن صوتها خرج ثابتًا: " هذه حياتي... ومن حقي أن أختارها. ثم إنني لا أريد الزواج الآن، أريد أن أُكمل عملي وأبني مستقبلي." لم يتركها تُكمل. ارتفعت يده، وصفعها بقوة، حتى مالت رأسها إلى الجانب. ساد الصمت. لم يتحرك أحد. ولم يعترض أحد. أمسكها من ذراعها بعنف، وسحبها إلى غرفتها، ثم دفعها إلى الداخل. وقبل أن يغلق الباب قال بلهجةٍ لا تقبل النقاش: " أمامك عشر دقائق... وعندما أعود، أريدك جاهزة." ثم أغلق الباب. جلست غفران على الأرض. وضعت يدها فوق خدها الذي ما زال يؤلمها. لكن الألم الحقيقي...لم يكن في وجهها. بل في قلبها. نظرت إلى شهادتها الملقاة على الأرض. ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة، وهمست: " حتى اليوم... لم يَرَها أحد." ساد الصمت داخل الغرفة. وفجأة انتفضت من مكانها. تناولت هاتفها بسرعة، وفتحت محادثة يوسف. كتبت بيدٍ مرتجفة: "يوسف... أنقذني." لم تمر سوى لحظات حتى جاء الرد: "ماذا حدث؟" كتبت له كل ما حدث.ثم رن هاتفها. أجابت وهي تحاول كتم بكائها:" يوسف." جاءها صوته ممتلئًا بالقلق: "غفران... اهدئي أولًا. أخبريني، هل أنتِ بخير؟" " لا... يريدون تزويجي الآن... بالقوة." ساد صمتٌ قصير. ثم قال بحزم: "استمعي إليّ جيدًا... لا تبقي هناك." " وماذا أفعل؟" "خرجي من المنزل." ارتجفت. " وكيف؟" " هل نافذة غرفتك تطل على الشارع الخلفي؟" نظرت إليها سريعًا فقالت: "نعم." " إذًا افتحيها، وانزلي بحذر. سأكون في نهاية الشارع خلال عشر دقائق." همست بخوف: "وإذا أمسكوا بي؟" قال بثقة:؛" لن أسمح بأن يصيبك مكروه." أغمضت عينيها. ولأول مرة منذ بداية هذا الكابوس...شعرت أن هناك من يقف إلى جوارها. انتظرت حتى خفتت الأصوات خارج غرفتها. ثم فتحت النافذة بحذر. نظرت إلى الأسفل. لم يكن الارتفاع كبيرًا. تنفست بعمق. ثم هبطت بحذرٍ حتى لامست قدماها الأرض. وأخذت تركض. كانت تركض بلا وجهة... إلا إلى الشخص الوحيد الذي وعدها ألا يتركها وحدها. بعد دقائق... وصلت إلى المكان الذي حدده يوسف. كانت أنفاسها متقطعة. ويداها ترتجفان. وما إن توقفت سيارة يوسف، حتى نزل منها مسرعًا. اقترب منها وهو ينظر إليها بقلقٍ شديد. " هل أنتِ بخير؟" لم تستطع الإجابة. انهمرت دموعها قبل كلماتها. قال برفق: "لا تخافي... أنتِ معي الآن." رفعت رأسها نحوه. " كنت أعلم أنك ستأتي." ابتسم ابتسامةً حزينة. " وهل أتركك وحدك في مثل هذا الموقف؟" سكت لحظة، ثم قال: "سنذهب الآن إلى مكانٍ آمن، وغدًا سأذهب إلى والدك وأتحدث معه بهدوء. لن أترك حقك يضيع." هزت رأسها بصمت. لكن قبل أن تتحرك...شقَّ سكون الليل صوتٌ غاضب: " غُفران!" تجمد الدم في عروقها. أغمضت عينيها. لقد عرفته من أول حرف. إنه صوت والدها. التفتت ببطء. فرأته يقف مع عددٍ من الرجال. كانت نظراتهم مشتعلة بالغضب. تقدم يوسف خطوةً إلى الأمام، ووقف أمامها دون تردد. قال والدها وهو يقترب: " إلى أين كنتِ تظنين أنكِ ذاهبة؟" لم تُجب.فوجَّه حديثه إلى يوسف: "ابتعد عنها." أجابه يوسف بهدوء:" لن أبتعد." صرخ والدها: " لا شأن لك بها." قال يوسف بثبات: " بل لي شأن... لأنها إنسانة، ومن حقها أن تختار حياتها." اقترب أحد الرجال منه مهددًا. لكن يوسف لم يتراجع. بل قال بصوتٍ واضح: "أنا أحب غفران، وأرغب في الزواج منها زواجًا شرعيًا، وسأتقدم إليها من باب بيتها، لكن ليس بهذه الطريقة." اشتعل غضب والدها. وأشار إلى الرجال. فتحركوا نحو يوسف. صرخت غفران بفزع: "لا... أرجوكم، لا تؤذوه!" لكن الرجال أحاطوا به. وأمسك أحدهم بثوبه. أدركت غفران أن الأمر سيتحول إلى شجار. وأن يوسف سيدفع الثمن بسببها. فاندفعت نحو والدها، وقالت بصوتٍ يملؤه الانكسار: " سأعود معكم." نظر إليها يوسف مذهولًا. "غفران... لا." هزت رأسها ببطء. ثم قالت وهي تنظر إلى والدها: " سأعود... لكن اتركوه، فهو لا ذنب له." نظر والدها إلى الرجال، ثم قال: " ابتعدوا عنه." فتراجعوا خطوة. اقترب يوسف منها وهمس: " لا تفعلي... سأجد حلًا." ابتسمت له ابتسامةً حزينة، وقالت بصوتٍ خافت: " يكفيني أنك حاولت." ثم أدارت وجهها للمرة الأخيرة نحوه. كانت عيناه ممتلئتين بالعجز، بينما كانت عيناها تعتذران عن قرارٍ لم تختره. استدارت وسارت خلف والدها بخطواتٍ ثقيلة. لم تكن عودتها استسلامًا... بل كانت الثمن الذي دفعته كي ينجو الإنسان الوحيد الذي وقف إلى جانبها عندما خذلها الجميع. في طريق العودة...لم تنبس غفران بكلمة. كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، تُحدِّق عبر النافذة الزجاجية، بينما كانت أضواء المدينة تمر أمام عينيها كأنها شريطٌ سريع لحياةٍ انتهت قبل أن تبدأ. قبل ساعاتٍ قليلة..كانت تحمل شهادة تخرجها، وتعيش أسعد لحظات عمرها. أما الآن...فكانت تُساق إلى مصيرٍ لم تختره. أغمضت عينيها. وعادت إليها كلمات يوسف: "لا تفعلي... سأجد حلًا." تنهدت بألم. لقد كانت تعلم أنه لن يستطيع الوقوف في وجه كل هؤلاء وحده. ولم تكن مستعدة لأن تراه يُؤذى بسببها. توقفت السيارة أمام المنزل. نزل الرجال أولًا، ثم أشار والدها إليها ببرود: " انزلي." نزلت بصمت. ودخلت المنزل من جديد...لكنها هذه المرة لم تكن الفتاة نفسها التي خرجت منه قبل ساعة. كان الجميع في انتظارها. لم يبدُ على أحدٍ منهم القلق أو الندم. وكأن ما حدث لم يكن سوى تأخيرٍ بسيط في مراسم الزواج. أما الرجل الوقور، فكان لا يزال جالسًا في مكانه بهدوء، يطالع الأرض بصمت. لم يكن في ملامحه شماتة. ولا انتصار. بل كان يبدو شاردًا، وكأن شيئًا يثقله. اقتربت غفران بخطواتٍ متثاقلة. وقف المأذون وهو ينظر إلى والدها، قائلًا: "هل نبدأ؟" أغمضت غُفران عينيها لثوانٍ. كانت تشعر أن العالم كله يبتعد عنها. وكأن الأصوات من حولها لم تعد تُسمع بوضوح. سمعت والدها يقول بلهجةٍ حازمة: "ابدؤوا." فتح المأذون دفتره، ثم بدأ في إجراءات العقد. أما الرجل الوقور، فظل جالسًا في مكانه، ملامحه هادئة على نحوٍ أثار حيرتها. لم ينظر إليها إلا مرةً واحدة... وكانت نظرةً خالية من الفرح، وكأنها تحمل اعتذارًا لم يُنطق به. جلس الشهود في أماكنهم. وساد صمتٌ ثقيل. تقدّم المأذون بالسؤال المعتاد، ثم التفت إليها منتظرًا إجابتها. كانت الكلمات تختنق في حلقها. شعرت أن الجميع يحدق بها. وأنها إن رفضت الآن...فلن يتركوا يوسف حيًّا. أغمضت عينيها، وانزلقت دمعةٌ صامتة على خدها. ثم خرج صوتها ضعيفًا، بالكاد يُسمع: "موافقة..." ما إن نطقتها، حتى شعرت وكأن جزءًا من روحها قد انكسر. أكمل المأذون باقي الإجراءات، ثم أغلق الدفتر. وبعد دقائق...انتهى كل شيء. وأصبحت زوجةً لرجلٍ لا تعرف عنه شيئًا. ارتفعت أصوات التهاني من الحاضرين. بينما بقيت غُفران واقفةً في مكانها، لا ترى شيئًا. كانت تحمل شهادة تخرجها بيد، ووثيقة زواجها بالأخرى. وفي داخلها...كانت تشعر أنها فقدت نفسها بين الورقتين. اقترب الرجل الوقور منها، وقال بصوتٍ هادئ: " هيا " رفعت رأسها إليه. لم تجب. سارت خلفه بخطواتٍ ثقيلة، بينما كانت تشعر أن كل خطوةٍ تبعدها أكثر عن الحياة التي حلمت بها. خرجت من المنزل. ولم يلتفت أحدٌ إلى أنها خرجت دون أن تودع أمها. ودون أن ينظر إليها والدها مرةً واحدة. ركبت السيارة بصمت. جلس الرجل إلى جوارها، بينما انطلقت السيارة تشقُّ الطريق في هدوء. مرّت دقائق طويلة... لم ينطق فيها أحد. كانت تنظر من نافذة السيارة، تراقب أضواء المدينة وهي تتلاشى خلفها. وقبل ساعات فقط...كانت تحلم بمستقبلٍ صنعته بجهدها. أما الآن...فكانت تُساق إلى مستقبلٍ لم يُترك لها حقُّ اختياره. ولأول مرة في حياتها...شعرت أن الحرية قد تُسلب من الإنسان وهو ما يزال حيًّا. توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابةٍ حديديةٍ ضخمةٍ انفرجت ببطءٍ فور اقترابها، ثم اندفعت إلى الداخل عبر طريقٍ تحيط به الأشجار من الجانبين. رفعت غُفران رأسها تنظر من خلف زجاج النافذة. كان المكان أشبه بقصرٍ أكثر منه منزلًا. حديقةٌ واسعة، ونوافير مياه، وإضاءةٌ هادئة تنعكس على الواجهة الرخامية الفخمة. لم تشعر بالانبهار...بل بالاغتراب. همست في نفسها: «ما الذي أفعله هنا؟» توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. نزل الرجل أولًا. ثم فتح السائق الباب لها باحترام. " تفضلي يا سيدتي." ترجلت من السيارة بخطواتٍ مترددة. كانت تشعر وكأنها دخلت عالمًا لا تنتمي إليه. اصطف عددٌ من العاملين لاستقبال الرجل، ثم انحنوا باحترام. "أهلًا بعودتكم، سيد محمود." اكتفت بالنظر إليهم في صمت. دخلت خلفه إلى الداخل. كان كل شيءٍ مرتبًا بعناية، والسكون يملأ أرجاء المنزل. صعد محمود الدرج ببطء، ثم توقف أمام إحدى الغرف. فتح الباب وقال بصوتٍ هادئ: " هذه غرفتك." نظرت إليه باستغراب. ثم قال: "أعلم أنكِ مرهقة... ارتاحي الليلة، وغدًا سنتحدث في كل شيء." أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة. دخلت الغرفة، ثم أُغلق الباب خلفها برفق. وقفت في منتصف الغرفة للحظات. كانت الغرفة واسعة، يغمرها الضوء الخافت، وأثاثها يحمل طابعًا هادئًا. لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك. ألقت شهادتها فوق الطاولة، ثم جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى السرير. ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وأخذت تحدق في الفراغ. لم تبكِ. كانت الصدمة أكبر من الدموع. همست بصوتٍ منكسر: " في الصباح كنت أحتفل بتخرجي...وفي المساء أصبحت زوجةً لرجلٍ لا أعرفه. كيف انقلبت حياتي بهذه السرعة؟" أغمضت عينيها. ومر شريط ذلك اليوم أمامها. قاعة التخرج، تصفيق الأساتذة، شهادة الامتياز، إعلان تعيينها معيدة، ثم منزلها، صفعة والدها، هروبها، يوسف، وعقد القران. فتحت عينيها فجأة. وتذكرت يوسف. لا تعلم ماذا حدث له بعد أن غادرت. أمسكت هاتفها بسرعة. كان مغلقًا. نفدت بطاريته تمامًا. أغلقت عينيها مرةً أخرى وهي تتمتم: " يا رب... احفظه." ثم بقيت على حالها حتى غلبها الإرهاق، فاستسلمت لنومٍ متقطِّع، لم يكن راحةً، بقدر ما كان هروبًا من واقعٍ لم تستطع استيعابه.صعدت غُفران إلى غرفتها بعدما انتهت من تناول العشاء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. جلست إلى مكتبها، وأخرجت الحاسوب المحمول وبعض الأوراق، ثم بدأت تُراجع ما تبقى من المحاضرات التي ستلقيها على طلابها في اليوم التالي.كانت تُعدّل بعض الملاحظات، وتضيف أمثلة جديدة، حتى لا يشعر الطلاب بالملل، فقد أرادت أن تكون مختلفة منذ يومها الأول.مرّت الساعات سريعًا، ولم تنتبه إلى الوقت إلا عندما شعرت بثقلٍ في عينيها.أغلقت الحاسوب، ورتبت أوراقها بعناية، ثم اتجهت نحو سريرها.وما إن وضعت رأسها على الوسادة، حتى ترددت في أذنيها كلمات السيد محمود:«آدم سيعود مع نهاية هذا الشهر.»أغمضت عينيها، لكن الاسم ظل يتردد داخل عقلها.لم يتبقَّ سوى عشرة أيام...عشرة أيام فقط تفصلها عن الرجل الذي أصبح زوجها على الورق، دون أن تعرف عنه شيئًا، ودون أن يعرف هو بوجودها أصلًا.تنهدت وهي تتقلب في فراشها يمينًا ويسارًا.ماذا ستكون ردة فعله عندما يعلم بالحقيقة؟هل سيرفضها؟هل سيكرهها؟أم سيحملها مسؤولية أمرٍ لم يكن لها يد فيه؟أسئلة كثيرة أخذت تتزاحم داخل رأسها، حتى غلبها النعاس أخيرًا، واستسلمت للنوم.في صباح اليوم التالي...رنّ المن
خرجت غفران من بوابة الجامعة بعد انتهاء يومها الأول، وقد شعرت بشيءٍ من الرضا. كان اليوم مرهقًا، لكنه منحها إحساسًا بأنها ما زالت قادرة على الوقوف من جديد.وما إن خطت بضع خطوات، حتى سمعت صوتًا مألوفًا يناديها.«غفران!»توقفت في مكانها، ثم التفتت ببطء.كان يوسف يقف أمامها، وقد بدت على وجهه آثار الإرهاق، وكأنه لم ينم منذ أيام.اقترب منها بخطوات مترددة، وقال بصوتٍ يملؤه العتاب:«لماذا حظرتِ رقمي؟ ولماذا لم تتركي لي فرصة لأفهم ما حدث؟»خفضت غفران بصرها، ثم قالت بهدوء:«لأن كل ما بيننا قد انتهى يا يوسف.»هز رأسه رافضًا كلامها.«لا... لم ينتهِ شيء. أخبريني فقط أنكِ تريدينني، وسأواجه الدنيا كلها من أجلك. لن أتركك مهما حدث.»أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحت حقيبتها ببطء.أخرجت العلبة المخملية، ووضعتها في يده.نظر إليها في دهشة.فتحها...فرأى الخاتم الذي أهداه لها.قال بصوتٍ مرتجف:«غفران... ماذا تفعلين؟»رفعت عينيها إليه، وقد امتلأتا بالدموع.«لم يعد لهذا الخاتم مكان في يدي.»تجمد في مكانه.وأكملت بصوتٍ متماسك، رغم انكسار قلبها:«لقد أصبحت زوجة رجلٍ آخر. ولا أريدك أن تؤذي نفسك بسببي مرةً أخرى. أرجوك
أغلقت غفران باب غرفتها بهدوء، ثم جلست على طرف السرير، وقد أثقل التعب جسدها، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بلا توقف.أخرجت هاتفها من حقيبتها، وما إن فتحته حتى وجدت رسالة جديدة من يوسف.ترددت لحظة قبل أن تضغط عليها، ثم بدأت تقرأ:«غفران... هل أنتِ بخير؟ أخبريني فقط أنكِ بخير. أقسم لكِ أنني لن أترككِ، وإن اضطررت فسآتي إليكِ لنرحل من جديد. لن أسمح أن أخسرك، ولن أتخلى عنكِ مهما حدث.»شعرت بغصةٍ تخنقها، وأغمضت عينيها بقوة.كانت تعلم أن أي محاولة جديدة منه قد تعرضه للخطر مرة أخرى، وقد كادت تفقده بالأمس.تنهدت طويلًا، ثم أمسكت الهاتف وكتبت:«أنا بخير... وقد أصبح لكلٍّ منا طريقه. لقد تزوجت، ولم يعد يحق لي أن أكون معك. ما كان بيننا كان جميلًا، لكن القدر لم يكتب له الاكتمال. أرجوك، انسني، وابدأ حياتك من جديد. أتمنى لك مستقبلًا سعيدًا.»ظلت تنظر إلى الرسالة لثوانٍ، قبل أن تضغط زر الإرسال.وما إن أرسلتها، حتى سارعت إلى حظر رقمه.ألقت الهاتف جانبًا، ثم أجهشت بالبكاء.كانت تعلم أنها لم تحظره لأنها كرهته...بل لأنها أرادت أن تحميه.وبعد دقائق طويلة، مسحت دموعها ونهضت من مكانها.وقفت أمام خزانة ا
ما إن انتهى المأذون من عقد القران، حتى شعرت غفران بأن كل شيء قد انتهى.لم تعد تسمع الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى دموعها التي حجبت عنها الوجوه.اقترب الرجل الخمسيني منها بهدوء، ثم قال:«هيا.»تحركت خلفه كمن يسير بلا روح، بينما كانت نظرات الشفقة تلاحقها من بعض الحاضرين.استقلت السيارة إلى جواره، ولم ينبس أيٌّ منهما بكلمة طوال الطريق.كانت تنظر من النافذة، تتأمل الطرقات التي تبتعد بها عن حياتها القديمة، وتتساءل في صمت:«كيف انقلب أسعد أيام حياتي إلى أكثرها قسوة؟»وبعد قرابة الساعة، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة.ارتفعت البوابة ببطء، لتكشف عن قصرٍ فخم تحيط به الحدائق من كل جانب.اتسعت عينا غفران في دهشة.لم تكن قد رأت مكانًا بهذه الفخامة من قبل.ترجل الرجل أولًا، ثم تبعته بهدوء. وقال: «تفضلي.»دخلت خلفه، فاستقبلهم عددٌ من الخدم.انحنوا جميعًا باحترام، ثم أخذ أحدهم حقيبتها.ازدادت دهشتها.لم يرفع أحدٌ صوته عليها.لم يأمرها أحد.لم ينظر إليها أحد باحتقار.كان كل شيء مختلفًا عن المنزل الذي جاءت منه.صعد الرجل بضع درجات، ثم التفت إليها مبتسمًا.وقال:«غرفتك في الطابق العلوي، أول
غادرت غُفران المقهى وهي تغالب ابتسامتها. كانت تشعر أن القدر ابتسم لها أخيرًا بعد سنواتٍ طويلة من الألم والخذلان. ضمت حقيبتها إلى صدرها، ولمست الخاتم الذي يزين إصبعها، ثم همست لنفسها بأن الأيام القادمة ستكون أجمل، وأن والديها سيفخران بها حين يعلمان أنها أصبحت معيدةً في الجامعة، وأن مستقبلها أصبح مشرقًا كما كانت تحلم دائمًا.كانت تسير بخطواتٍ سريعة، وكأنها تسبق الريح لتعود إلى منزلها وتزف إليهما الخبر السعيد، متخيلةً ردود أفعالهما ونظرات الفخر في أعينهما.لكن ما إن وصلت إلى المنزل حتى فوجئت بازدحامٍ غير مألوف. كان الباب مفتوحًا، والرجال والنساء يملؤون أرجاء المنزل، وبعض الوجوه لم ترها من قبل، بينما تعرّفت إلى أفراد عائلة والدها القادمين من الصعيد، أولئك الذين كانت تخشاهم منذ صغرها لما عُرفوا به من الشدة والصرامة.توقفت في مكانها، وقد تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، ثم وقعت عيناها على رجلٍ تجاوز الخمسين من عمره يجلس في صدر المجلس، وإلى جواره مأذون يحمل بين يديه دفتر عقد الزواج.وقبل أن تستوعب ما تراه، دوّى صوت والدها قائلًا:«ها قد وصلت العروس... كنا ننتظرك. هيا، استعدي لعقد قرانك، فزوجك في ان
أكملت غُفران مراسم التكريم وسط تصفيق الحاضرين، ثم نزلت عن المنصة وهي تضم شهادتها إلى صدرها كأنها تخشى أن تنتزعها الأيام منها كما انتزعت منها أشياء كثيرة من قبل.توالى الأساتذة في تهنئتها، وصافحها عددٌ من أعضاء هيئة التدريس، بينما قالت لها إحدى الأستاذات بابتسامة صادقة:«أبارك لكِ يا غفران. لقد كنتِ من أكثر الطالبات اجتهادًا، وأثق بأنك ستكونين إضافةً مميزةً للقسم.»انحنت غفران باحترام، وقالت وقد غلبها التأثر:«شكرًا لكم... ما وصلتُ إلى هذه اللحظة إلا بفضل الله، ثم بدعمكم وتشجيعكم.»ابتسمت الأستاذة وربتت على كتفها برفق قبل أن تنصرف.وقفت غفران للحظات تتأمل الشهادة بين يديها، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها.حدقت في الشاشة قليلًا...كانت تتمنى أن تجد رسالةً من والدها، أو مكالمةً من والدتها، أو حتى كلمةً قصيرة تقول:«مبارك يا غفران.»لكن شاشة الهاتف بقيت خالية.ابتسمت ابتسامةً باهتة، وأعادت الهاتف إلى حقيبتها.وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة قصيرة.«أنا في انتظارك عند البوابة الرئيسية.»كان المرسل...يوسف.ارتسمت ابتسامةٌ صادقة على وجهها، ثم أسرعت بخطواتها نحو الخارج.ما إن خرجت من بوابة الجامعة،







