로그인طوال الطريق كانت تتخيل المشهد الذي انتظرته سنوات. تدخل المنزل...
يرفع والدها عينيه إليها..يبتسم بفخر...ويقول لها: "أحسنتِ يا غفران." كانت تتمنى كلمةً واحدة فقط. كلمةً تمحو كل السنوات التي شعرت فيها بأنها غير مرئية. وصلت إلى منزلها، فتوقفت لحظةً أمام الباب. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ابتسمت وهمست: "اليوم سيكون مختلفًا." دفعت الباب ودخلت. لكن ابتسامتها تلاشت تدريجيًا. لم يكن المنزل كما تركته صباحًا. كان مكتظًا بالنساء والرجال، والهمسات تملأ المكان، ورائحة البخور تعبق في الأرجاء، وكأن الجميع يستعد لاحتفالٍ لا تعلم عنه شيئًا. توقفت عند عتبة الباب. وتجمدت قدماها. ثم وقعت عيناها على رجلٍ وقور، تجاوز الخمسين من عمره، يجلس في صدر المجلس بهدوء، وإلى جواره المأذون يراجع بعض الأوراق. لم تفهم شيئًا. حتى دوّى صوت والدها في أرجاء المنزل: " ها قد وصلت العروس." التفتت إليه ببطء، وقد انعقد لسانها. ثم همست بعدم تصديق: "عروس؟" أجابها ببرود، وكأن الأمر لا يستحق النقاش: " نعم... ادخلي إلى غرفتك واستعدّي." ازدادت حيرتها. " أستعد... لماذا؟" نظر إليها نظرةً جامدة، ثم قال: " بعد قليل سيُعقد قرانك." شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها كالصاعقة. ارتجفت شفتاها. "عقد قراني؟!" لم يجبها والدها. بينما قال أحد أقاربها ضاحكًا: " لا داعي لكل هذا الذهول، كل شيءٍ قد تم الاتفاق عليه." أخذت تنظر حولها. لا أحد سألها عن يوم تخرجها. لا أحد نظر إلى الشهادة التي تحملها. لا أحد هنأها بتعيينها معيدةً في الجامعة. في نظر الجميع... لم تكن خريجةً متفوقة. بل كانت مجرد عروس. اقتربت منها والدتها وأمسكت بذراعها. "ادخلي يا غفران." نزعت يدها برفق، لكنها بحزم. " لن أدخل." ساد صمتٌ ثقيل. ثم قالت بصوتٍ مرتجف: " لن أتزوج." اشتعل الغضب في عيني والدها. وتقدم منها خطوةً وهو يقول بحدة: " ومنذ متى صار لكِ رأي؟" رفعت رأسها لأول مرة في حياتها. كان الخوف ينهش قلبها، لكن صوتها خرج ثابتًا: " هذه حياتي... ومن حقي أن أختارها. ثم إنني لا أريد الزواج الآن، أريد أن أُكمل عملي وأبني مستقبلي." لم يتركها تُكمل. ارتفعت يده، وصفعها بقوة، حتى مالت رأسها إلى الجانب. ساد الصمت. لم يتحرك أحد. ولم يعترض أحد. أمسكها من ذراعها بعنف، وسحبها إلى غرفتها، ثم دفعها إلى الداخل. وقبل أن يغلق الباب قال بلهجةٍ لا تقبل النقاش: " أمامك عشر دقائق... وعندما أعود، أريدك جاهزة." ثم أغلق الباب. جلست غفران على الأرض. وضعت يدها فوق خدها الذي ما زال يؤلمها. لكن الألم الحقيقي...لم يكن في وجهها. بل في قلبها. نظرت إلى شهادتها الملقاة على الأرض. ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة، وهمست: " حتى اليوم... لم يَرَها أحد." ساد الصمت داخل الغرفة. وفجأة انتفضت من مكانها. تناولت هاتفها بسرعة، وفتحت محادثة يوسف. كتبت بيدٍ مرتجفة: "يوسف... أنقذني." لم تمر سوى لحظات حتى جاء الرد: "ماذا حدث؟" كتبت له كل ما حدث.ثم رن هاتفها. أجابت وهي تحاول كتم بكائها:" يوسف." جاءها صوته ممتلئًا بالقلق: "غفران... اهدئي أولًا. أخبريني، هل أنتِ بخير؟" " لا... يريدون تزويجي الآن... بالقوة." ساد صمتٌ قصير. ثم قال بحزم: "استمعي إليّ جيدًا... لا تبقي هناك." " وماذا أفعل؟" "خرجي من المنزل." ارتجفت. " وكيف؟" " هل نافذة غرفتك تطل على الشارع الخلفي؟" نظرت إليها سريعًا فقالت: "نعم." " إذًا افتحيها، وانزلي بحذر. سأكون في نهاية الشارع خلال عشر دقائق." همست بخوف: "وإذا أمسكوا بي؟" قال بثقة:؛" لن أسمح بأن يصيبك مكروه." أغمضت عينيها. ولأول مرة منذ بداية هذا الكابوس...شعرت أن هناك من يقف إلى جوارها. انتظرت حتى خفتت الأصوات خارج غرفتها. ثم فتحت النافذة بحذر. نظرت إلى الأسفل. لم يكن الارتفاع كبيرًا. تنفست بعمق. ثم هبطت بحذرٍ حتى لامست قدماها الأرض. وأخذت تركض. كانت تركض بلا وجهة... إلا إلى الشخص الوحيد الذي وعدها ألا يتركها وحدها. بعد دقائق... وصلت إلى المكان الذي حدده يوسف. كانت أنفاسها متقطعة. ويداها ترتجفان. وما إن توقفت سيارة يوسف، حتى نزل منها مسرعًا. اقترب منها وهو ينظر إليها بقلقٍ شديد. " هل أنتِ بخير؟" لم تستطع الإجابة. انهمرت دموعها قبل كلماتها. قال برفق: "لا تخافي... أنتِ معي الآن." رفعت رأسها نحوه. " كنت أعلم أنك ستأتي." ابتسم ابتسامةً حزينة. " وهل أتركك وحدك في مثل هذا الموقف؟" سكت لحظة، ثم قال: "سنذهب الآن إلى مكانٍ آمن، وغدًا سأذهب إلى والدك وأتحدث معه بهدوء. لن أترك حقك يضيع." هزت رأسها بصمت. لكن قبل أن تتحرك...شقَّ سكون الليل صوتٌ غاضب: " غُفران!" تجمد الدم في عروقها. أغمضت عينيها. لقد عرفته من أول حرف. إنه صوت والدها. التفتت ببطء. فرأته يقف مع عددٍ من الرجال. كانت نظراتهم مشتعلة بالغضب. تقدم يوسف خطوةً إلى الأمام، ووقف أمامها دون تردد. قال والدها وهو يقترب: " إلى أين كنتِ تظنين أنكِ ذاهبة؟" لم تُجب.فوجَّه حديثه إلى يوسف: "ابتعد عنها." أجابه يوسف بهدوء:" لن أبتعد." صرخ والدها: " لا شأن لك بها." قال يوسف بثبات: " بل لي شأن... لأنها إنسانة، ومن حقها أن تختار حياتها." اقترب أحد الرجال منه مهددًا. لكن يوسف لم يتراجع. بل قال بصوتٍ واضح: "أنا أحب غفران، وأرغب في الزواج منها زواجًا شرعيًا، وسأتقدم إليها من باب بيتها، لكن ليس بهذه الطريقة." اشتعل غضب والدها. وأشار إلى الرجال. فتحركوا نحو يوسف. صرخت غفران بفزع: "لا... أرجوكم، لا تؤذوه!" لكن الرجال أحاطوا به. وأمسك أحدهم بثوبه. أدركت غفران أن الأمر سيتحول إلى شجار. وأن يوسف سيدفع الثمن بسببها. فاندفعت نحو والدها، وقالت بصوتٍ يملؤه الانكسار: " سأعود معكم." نظر إليها يوسف مذهولًا. "غفران... لا." هزت رأسها ببطء. ثم قالت وهي تنظر إلى والدها: " سأعود... لكن اتركوه، فهو لا ذنب له." نظر والدها إلى الرجال، ثم قال: " ابتعدوا عنه." فتراجعوا خطوة. اقترب يوسف منها وهمس: " لا تفعلي... سأجد حلًا." ابتسمت له ابتسامةً حزينة، وقالت بصوتٍ خافت: " يكفيني أنك حاولت." ثم أدارت وجهها للمرة الأخيرة نحوه. كانت عيناه ممتلئتين بالعجز، بينما كانت عيناها تعتذران عن قرارٍ لم تختره. استدارت وسارت خلف والدها بخطواتٍ ثقيلة. لم تكن عودتها استسلامًا... بل كانت الثمن الذي دفعته كي ينجو الإنسان الوحيد الذي وقف إلى جانبها عندما خذلها الجميع. في طريق العودة...لم تنبس غفران بكلمة. كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، تُحدِّق عبر النافذة الزجاجية، بينما كانت أضواء المدينة تمر أمام عينيها كأنها شريطٌ سريع لحياةٍ انتهت قبل أن تبدأ. قبل ساعاتٍ قليلة..كانت تحمل شهادة تخرجها، وتعيش أسعد لحظات عمرها. أما الآن...فكانت تُساق إلى مصيرٍ لم تختره. أغمضت عينيها. وعادت إليها كلمات يوسف: "لا تفعلي... سأجد حلًا." تنهدت بألم. لقد كانت تعلم أنه لن يستطيع الوقوف في وجه كل هؤلاء وحده. ولم تكن مستعدة لأن تراه يُؤذى بسببها. توقفت السيارة أمام المنزل. نزل الرجال أولًا، ثم أشار والدها إليها ببرود: " انزلي." نزلت بصمت. ودخلت المنزل من جديد...لكنها هذه المرة لم تكن الفتاة نفسها التي خرجت منه قبل ساعة. كان الجميع في انتظارها. لم يبدُ على أحدٍ منهم القلق أو الندم. وكأن ما حدث لم يكن سوى تأخيرٍ بسيط في مراسم الزواج. أما الرجل الوقور، فكان لا يزال جالسًا في مكانه بهدوء، يطالع الأرض بصمت. لم يكن في ملامحه شماتة. ولا انتصار. بل كان يبدو شاردًا، وكأن شيئًا يثقله. اقتربت غفران بخطواتٍ متثاقلة. وقف المأذون وهو ينظر إلى والدها، قائلًا: "هل نبدأ؟" أغمضت غُفران عينيها لثوانٍ. كانت تشعر أن العالم كله يبتعد عنها. وكأن الأصوات من حولها لم تعد تُسمع بوضوح. سمعت والدها يقول بلهجةٍ حازمة: "ابدؤوا." فتح المأذون دفتره، ثم بدأ في إجراءات العقد. أما الرجل الوقور، فظل جالسًا في مكانه، ملامحه هادئة على نحوٍ أثار حيرتها. لم ينظر إليها إلا مرةً واحدة... وكانت نظرةً خالية من الفرح، وكأنها تحمل اعتذارًا لم يُنطق به. جلس الشهود في أماكنهم. وساد صمتٌ ثقيل. تقدّم المأذون بالسؤال المعتاد، ثم التفت إليها منتظرًا إجابتها. كانت الكلمات تختنق في حلقها. شعرت أن الجميع يحدق بها. وأنها إن رفضت الآن...فلن يتركوا يوسف حيًّا. أغمضت عينيها، وانزلقت دمعةٌ صامتة على خدها. ثم خرج صوتها ضعيفًا، بالكاد يُسمع: "موافقة..." ما إن نطقتها، حتى شعرت وكأن جزءًا من روحها قد انكسر. أكمل المأذون باقي الإجراءات، ثم أغلق الدفتر. وبعد دقائق...انتهى كل شيء. وأصبحت زوجةً لرجلٍ لا تعرف عنه شيئًا. ارتفعت أصوات التهاني من الحاضرين. بينما بقيت غُفران واقفةً في مكانها، لا ترى شيئًا. كانت تحمل شهادة تخرجها بيد، ووثيقة زواجها بالأخرى. وفي داخلها...كانت تشعر أنها فقدت نفسها بين الورقتين. اقترب الرجل الوقور منها، وقال بصوتٍ هادئ: " هيا " رفعت رأسها إليه. لم تجب. سارت خلفه بخطواتٍ ثقيلة، بينما كانت تشعر أن كل خطوةٍ تبعدها أكثر عن الحياة التي حلمت بها. خرجت من المنزل. ولم يلتفت أحدٌ إلى أنها خرجت دون أن تودع أمها. ودون أن ينظر إليها والدها مرةً واحدة. ركبت السيارة بصمت. جلس الرجل إلى جوارها، بينما انطلقت السيارة تشقُّ الطريق في هدوء. مرّت دقائق طويلة... لم ينطق فيها أحد. كانت تنظر من نافذة السيارة، تراقب أضواء المدينة وهي تتلاشى خلفها. وقبل ساعات فقط...كانت تحلم بمستقبلٍ صنعته بجهدها. أما الآن...فكانت تُساق إلى مستقبلٍ لم يُترك لها حقُّ اختياره. ولأول مرة في حياتها...شعرت أن الحرية قد تُسلب من الإنسان وهو ما يزال حيًّا. توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابةٍ حديديةٍ ضخمةٍ انفرجت ببطءٍ فور اقترابها، ثم اندفعت إلى الداخل عبر طريقٍ تحيط به الأشجار من الجانبين. رفعت غُفران رأسها تنظر من خلف زجاج النافذة. كان المكان أشبه بقصرٍ أكثر منه منزلًا. حديقةٌ واسعة، ونوافير مياه، وإضاءةٌ هادئة تنعكس على الواجهة الرخامية الفخمة. لم تشعر بالانبهار...بل بالاغتراب. همست في نفسها: «ما الذي أفعله هنا؟» توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. نزل الرجل أولًا. ثم فتح السائق الباب لها باحترام. " تفضلي يا سيدتي." ترجلت من السيارة بخطواتٍ مترددة. كانت تشعر وكأنها دخلت عالمًا لا تنتمي إليه. اصطف عددٌ من العاملين لاستقبال الرجل، ثم انحنوا باحترام. "أهلًا بعودتكم، سيد محمود." اكتفت بالنظر إليهم في صمت. دخلت خلفه إلى الداخل. كان كل شيءٍ مرتبًا بعناية، والسكون يملأ أرجاء المنزل. صعد محمود الدرج ببطء، ثم توقف أمام إحدى الغرف. فتح الباب وقال بصوتٍ هادئ: " هذه غرفتك." نظرت إليه باستغراب. ثم قال: "أعلم أنكِ مرهقة... ارتاحي الليلة، وغدًا سنتحدث في كل شيء." أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة. دخلت الغرفة، ثم أُغلق الباب خلفها برفق. وقفت في منتصف الغرفة للحظات. كانت الغرفة واسعة، يغمرها الضوء الخافت، وأثاثها يحمل طابعًا هادئًا. لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك. ألقت شهادتها فوق الطاولة، ثم جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى السرير. ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وأخذت تحدق في الفراغ. لم تبكِ. كانت الصدمة أكبر من الدموع. همست بصوتٍ منكسر: " في الصباح كنت أحتفل بتخرجي...وفي المساء أصبحت زوجةً لرجلٍ لا أعرفه. كيف انقلبت حياتي بهذه السرعة؟" أغمضت عينيها. ومر شريط ذلك اليوم أمامها. قاعة التخرج، تصفيق الأساتذة، شهادة الامتياز، إعلان تعيينها معيدة، ثم منزلها، صفعة والدها، هروبها، يوسف، وعقد القران. فتحت عينيها فجأة. وتذكرت يوسف. لا تعلم ماذا حدث له بعد أن غادرت. أمسكت هاتفها بسرعة. كان مغلقًا. نفدت بطاريته تمامًا. أغلقت عينيها مرةً أخرى وهي تتمتم: " يا رب... احفظه." ثم بقيت على حالها حتى غلبها الإرهاق، فاستسلمت لنومٍ متقطِّع، لم يكن راحةً، بقدر ما كان هروبًا من واقعٍ لم تستطع استيعابه.بعد نحو أربعين دقيقة...توقفت السيارة أمام المبنى الرئيسي لشركة السيوفي العالمية.ترجل آدم بهدوء.استقام السائق في وقفته وهو يغلق باب السيارة خلفه.في الداخل...كان الموظفون قد بدأوا يومهم منذ وقت.وما إن لمحوه يعبر البوابة الزجاجية، حتى انتبه الجميع لوجوده.وقف موظف الاستقبال أولًا."صباح الخير، سيد آدم."تبعه اثنان من الموظفين كانا يعبران الردهة." صباح الخير، سيد آدم."اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، دون أن يبطئ خطواته.كانت عيناه تتحركان في المكان بسرعة. لا يتأمل...بل يلاحظ.لوحة الإعلانات لم تُحدَّث منذ الأمس.أحد الشاشات الإعلانية في الردهة تعرض نسخةً قديمة من العرض التسويقي.تفاصيل صغيرة...لكنها لم تكن تمر أمامه دون أن تُسجَّل في ذهنه.فتح له أحد الموظفين باب المصعد.ضغط آدم زر الطابق الأخير. ظل المصعد يصعد في صمت.ولم يرفع آدم عينيه عن الجهاز اللوحي الذي كان بين يديه.كان يراجع ملاحظاته على العرض الخاص بالمشروع.توقفت أبواب المصعد. خرج بخطواتٍ ثابتة.كانت سكرتيرته تنتظره أمام مكتبه."صباح الخير، سيد آدم." ناولته جهازًا لوحيًا آخر، وقالت باحترافية:"جدول اليوم. اجتماع مجلس الإدارة بعد ع
دخل آدم إلى الحمام. ترك الماء البارد ينساب فوقه طويلًا، ثم خرج بعد دقائق وقد استعاد هدوءه المعتاد. ارتدى بدلته بعناية، ثبّت ساعة يده، ثم غادر جناحه بخطواتٍ ثابتة. في الوقت نفسه... كانت غُفران قد نزلت إلى الطابق السفلي. وجدت محمود يجلس وحده إلى مائدة الإفطار، يحتسي قهوته ويطالع بعض الأوراق. رفع رأسه فور أن رآها. وابتسم ابتسامةً هادئة. " صباح الخير يا غُفران." أومأت برأسها وجلست في هدوء." صباح النور." طوى محمود الأوراق التي أمامه، ثم نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول: "كنت أنوي أن أحدثك بالأمس، لكن الوقت لم يكن مناسبًا." رفعت بصرها إليه في انتظار أن يكمل. قال بهدوء: "الضيف الذي أخبرتكِ عنه... وصل بالفعل.ثم أردف بعد لحظة قصيرة إنه آدم زوجك." اتسعت عيناها قليلًا في دهشةٍ صامتة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. قالت ببرود:" حقًا؟" أومأ محمود برأسه." نعم." ساد بينهما صمتٌ قصير. ثم نظرت غُفران إلى ساعة يدها. وأغلقت حقيبتها. "لقد تأخرت على الجامعة سأذهب الآن." قال محمود بهدوء:"حسنًا... أتمنى لكِ يومًا موفقًا." نهضت من مقعدها. وما إن استدارت متجهةً نحو الباب... حتى سمعت وقع
حلَّ الليل على القصر. واحدًا تلو الآخر...انطفأت الأضواء، لم يبقَ مضاءً سوى جناحين. جناحها...وجناحه. كانت غُفران ما تزال مستيقظة.الكتاب مفتوح أمامها، وعيناها معلقتان بالصفحة نفسها منذ دقائق. لم تكن تقرأ. كانت تستعيد تلك النظرة. ذلك الرجل... لم تعرف اسمه، لكنها كانت متيقنة من شيء واحد. أنه يعرفها، وأنه...لم يكن سعيدًا برؤيتها. أغلقت الكتاب، ثم نهضت، أطفأت المصباح، ولم تُبقِ سوى ضوءٍ خافت يتسلل من الأباجورة القريبة. وقبل أن تتجه إلى فراشها...توقف بصرها عند باب الغرفة. لا تدري لماذا... راودها شعورٌ بأنها لم تعد وحدها في هذا المنزل. أُغلق الباب خلفه بهدوء. ساد الصمت. تقدَّم بخطواتٍ بطيئة حتى وقف أمام النافذة الممتدة على طول الجدار. في الخارج... كانت الحديقة غارقة في سكون الليل. أما في الداخل...فكان كل شيء على النقيض. عقد يديه خلف ظهره، وثبَّت بصره في نقطةٍ بعيدة، دون أن يراها حقًّا. كان يستعيد المشهد كله، كلمات والده...نظرته...وصمته، حتى تلك الفتاة... لم تغب صورتها عن ذهنه.لم يعرفها، ولم يسأل عنها. لكنه لم يستطع أن يتجاهل أنها أصبحت، في لحظةٍ واحدة، جزءًا من معادلةٍ لم يخت
انفتح باب المكتب بعنف. خرج آدم بخطواتٍ سريعة، حتى بدا وكأن الهواء من حوله قد تغيّر. كان الغضب ظاهرًا في ملامحه، لكنه لم يكن من ذلك النوع الذي يعلو صوته... بل من النوع الذي يجعل الصمت أكثر قسوة. تبعه عمر دون أن ينطق. في أسفل الدرج... كانت غُفران قد خطت لتوها إلى داخل القصر. رفعت رأسها على وقع الخطوات. توقفت، وتوقف هو الآخر، لم تكن بينهما سوى أمتار قليلة. رفع آدم بصره إليها. تأملها للحظة.لم يبدُ على وجهه أي انفعال. لكن نظرته كانت باردة... باردة إلى حدٍ جعلها تشعر وكأنها موضع اتهام، لا موضع لقاء. انزلقت عيناه عليها في هدوء، من دون عجلة، ثم أعاد النظر إلى وجهها. لم يقل كلمة، ولم يمنحها فرصة لتقول شيئًا، مرّ من جوارها، وحين أصبح بمحاذاتها، لم يلتفت. تابع طريقه كأن وجودها لا يستحق التوقف. أما غُفران، فبقيت مكانها، عقدت حاجبيها في حيرة، لم تعرف ذلك الرجل. لكن نظرته...لم تكن نظرة غريب، بدت وكأنها تحمل حكمًا سبق صدوره. التفتت خلفه للحظة، ثم صرفت بصرها، وصعدت إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها. خلعت معطفها، ثم اتجهت إلى الحمام، تركت الماء ينساب فوقها طويلًا، كانت تحاول أن تغسل عنها إره
داخل مقرِّ شركة السيوفي العالمية... كانت الحركة في أروقة الشركة تسير بإيقاعٍ منضبط، وكأن المكان يستعد لعودة نبضٍ غاب عنه طويلًا. توقف عمر أمام مكتب الاستقبال، ثم قال لأحد الموظفين: " تأكد من جاهزية قاعة الاجتماعات، وأعد إرسال جدول اليوم إلى جميع الإدارات... لا أريد أي تعديل بعد وصول السيد آدم." " حاضر، أستاذ عمر." ابتعد الموظف مسرعًا. وفي اللحظة نفسها، انفتحت أبواب المصعد. خرج آدم بخطواتٍ هادئة، مرتديًا بدلته السوداء. ساد صمتٌ عابر، ثم تعالت التحيات. "صباح الخير، سيد آدم." اكتفى بإيماءةٍ قصيرة، لم يكن من أولئك الذين يتوقفون عند كلمات الترحيب. كان يرى أن الوقت الذي يُهدر في المجاملات... يُسرق من العمل. دخل مكتبه، ولم تمضِ دقيقة حتى دخل عمر، يحمل ملفًا سميكًا، وضعه أمامه. " هذه تقارير الأداء الخاصة بآخر عامين." فتح آدم الملف. قلب عدة صفحات بسرعة، ثم توقف فجأة. سحب أحد التقارير جانبًا. رفع رأسه. "من أعدَّ هذا النموذج؟" " فريق هندسة البرمجيات." ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم قال بهدوء: " الفكرة جيدة... لكن نموذج التنبؤ مبنيٌّ على بياناتٍ ثابتة." اقترب عمر. "تقصد أ
إستعادت الشاشة ضوءها أخيرًا. تتابعت الإشعارات فوق بعضها حتى كادت تغطي خلفية الهاتف. رسائل، واتصالات فائتة،كلها من اسمٍ واحد. يوسف. حدقت في الشاشة لثوانٍ، ثم تنهدت بخفوت. فتحت نافذة المحادثة. ترددت أصابعها قليلًا قبل أن تكتب: "أنا بخير... لا تقلق." تأملت الرسالة لحظة. ثم ضغطت زر الإرسال. لم تنتظر ردًا. أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا، كأنها أغلقت معه كل ما يربطها بالعالم الخارجي. اتجهت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا. كانت الحديقة تمتد أسفلها في هدوءٍ يكاد يكون مستفزًا. الأشجار ساكنة، النافورة تواصل انسيابها، والعاملون يتحركون في نظامٍ معتاد، كأن شيئًا لم يحدث. أما هي... فكانت تشعر أن حياتها كلها خرجت عن مسارها في ليلةٍ واحدة. كيف يمكن لإنسان أن يستيقظ وهو يعرف الطريق الذي رسمه لنفسه...ثم ينام، فلا يبقى من ذلك الطريق شيء؟ أغمضت عينيها. وفجأة... عاد إليها صوتٌ تعرفه جيدًا. "أنتِ لا تعتمدين على الذكاء وحده يا غُفران، تعتمدين على الانضباط. وهذه ميزة لا تُكتسب بسهولة." كان ذلك في آخر فصل دراسي. عندما استدعاها رئيس القسم إلى مكتبه بعد إعلان النتائج. كانت تقف أمامه يومها، تحمل ملف







