تسجيل الدخوللهيب الانتقام
بقلم/ مني ثروت الفصل الثاني وقف منصور أمام النافذه، وقد انعكس ضوء المساء الشاحب علي ملامحه المتعبه، بينما بدت عيناه غارقتين في قلقٍ قديم لم يُطفئه الزمن، وبدأ يتحدث إلي اميمه بصوت منخفض، وحذر كمن يخشي ان تتسرب كلماته إلي الجدران نفسها قائلا: جاء اليوم لاسترد حقوقي يا اميمه، هل ستمنعيني؟ ثم اقترب منها بخطوات بطيئه، وقال بنبره مثقله: هل ظننتي أن الماضي قد دُفن مع سليم يا اميمه؟ انا هنا اليوم لتذكيرك بما حدث في الماضي. أخفضت أميمه عينيها، وارتجفت أناملها وهي تُشبك يديها بتوتر، بينما خيّم الصمت بينهما لثوانٍ قليله، ثم همست بصوتٍ مضطرب: وماذا أذا عرف سلمان الحقيقه، لن اتركك يا منصور، اذا أصاب أبني شيئاً، لقد تحملت اثقالاً في صدري لسنوات حتي لا افقد أبني، ماذا تريد منا الان، إذهب لا نريد رؤيتك بيننا مره أخري. زفر منصور بعمق، ومرر يده علي وجهه بإرهاق، ثم اقترب منها قائلا بصرامهٍ خافته: لن اعود يا اميمه، اتفهمين؟ ما حدث في الماضي يجب ان يُكشف الآن، هذا وقت كل شئ فكانت نظراته حادّة، رغم الارتباك المختبئ خلفها، وكأنه يحمل فوق كتفيه عبئاً أثقل من الاعتراف نفسه، بينما أدركت اميمه أن السر الذي يخبئانه، صار الآن الخطر الأكبر الذي يهدد العائله كلها. كانت ثريا تجلس إلي جوار نافذة غرفتها، تُحدّق في ظلام الحديقة بشرود، حتي لمحَت خليل يدخل من بوابة البيت، بخطوات مثقله وكأنّ الدنيا بأسرها فوق كتفيه، أسرعت تهبط إلي الحديقه، وما إن أقتربت منه حتي قالت بقلق: خليل... كيف حال سلمان الآن؟ رفع رأسه إليها ببطء، ثم جلس علي المقعد الحجري بالحديقه وهو يزفر بتعب: لا ليس بخير... يحاول التماسك امام الجميع، لكنني رأيت الانكسار في عينيه. جلست ثريا إلي جواره، وقد ازداد قلقها: وهل بقي وحده بعد انتهاء العزاء؟ أومأ خليل برأسه قائلا: اغلب الناس رحلوا، لكنه ظلّ واقفاً كأنه تائه.. وكأن شيئاً داخله انكسر ولن يعود كما كان. ساد الصمت لحظات، قبل ان يضحك خليل بسخريه مريره ويقول: الكارثه الاكبر أن أبي، وجدتي يريداني أن أتركه الأن. ألتفتت إليه ثريا بتعجب قائله: تتركه! ماذا تعني بذلك؟ مرر يديه في شعره بضيق، ثم قال: يريدان فضّ الشراكه بيني وبينه... وكأن كل ما بيننا مجرد تجاره تنتهي بكلمه. عقدت ثريا حاجبيها وهمست بعدم استيعاب: لكن سلمان صديق عمرك يا خليل لا تفعل هذا رجاءاً، فهو يحبك كثيرا وانت له بمثابه أخ ليس صديق فقط. أجابها بنبرة مختنقه بالغضب: وهذا ما لا يفهمه أحد هنا غيرك يا ثريا، سلمان لم يكن يوماً مجرد شريك... لقد كان أخًا لم تلده أمي. ثم نهض فجأه، وأكمل بصوت حاد: يريدونني أن أبتعد عنه في أصعب لحظه يمر بها، لكنني لن افعل.. حتي لو وقف الجميع ضدي. ظلّت ثريا صامته للحظات، قبل أن تسأله بخفوت: وأين هو الآن؟ أجاب خليل وهو يتنهّد بإرهاق: يجلس علي الجسر القريب من ارضنا.. أخبرني بأنه يريد ان يبقي بمفرده قليلاً. لم تُعلق ثريا، لكنها ظلّت شاردة بعد أن غادر خليل إلي غرفتة، وما إن تأكدت من هدوء البيت، حتي فتحت باب الحديقه بحذر، وانسلّت إلي الخارج دون ان يراها أحد. كان الليل ساكنّا علي نحوٍغريب، والهواء البارد يحرّك أطراف الاشجار بخفّه، حتي وصلت إلي الجسر الصغير المطلّ علي الماء هناك، رأته جالسًا وحده، يُلقي قطع الحجارة في النهر بشرود، ويتابع الدوائرالتي تتشكّل ثم تختفي، وكأنه يري حياته تتلاشي أمامه بالطريقه نفسها. تقدمت ببطء حتي وقفت خلفه، ثم نادته بصوتٍ خافت: سلمان... انتفض قليلاً والتفت بسرعه، قبل أن تتبدّل ملامحه إلي دهشه: ثريا؟! نهض واقترب منها بقلق وهمس: ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت؟ إن رآكِ أحد هنا فستقع مشكله.. هيا، سأعيدكِ إلي البيت وأمسك بيديها سحبت يديها، وهزت رأسها برفض، ثم جلست قائله بهدوء: لم آتِ ليعيدني أحد.. جئت لانني كنت أعلم أنك لن تبقي بخير وحدك. نظر إليها طويلًا، وكأن كلماتها أصابت شيئًا عميقًا داخله، ثم أشاح بوجهه نحو الماء وقال بصوتٍ متعب: أشعر وكأن الدنيا تضيق حولي يا ثريا… الجميع يرحل فجأة، وكل شيء يتغيّر دون أن أستطيع إيقافه. اقتربت منه أكثر وقالت برفق: أنت لست وحدك… مهما حدث. ساد بينهما صمت دافئ، لم يكن ثقيلًا هذه المرة، بل ممتلئًا بشيءٍ لم يجرؤ أيٌّ منهما على تسميته. رفع سلمان عينيه إليها ببطء، فوجد ضوء القمر ينساب على وجهها ويجعل عينيها تلمعان ببريقٍ أسر قلبه للحظة. أما ثريا، فشعرت بأنفاسها تتعثّر تحت نظراته الطويلة، وكأن العالم من حولهما اختفى، ولم يبقَ سوى تلك اللحظة. مدّ سلمان يده بتردد، ثم أمسك بكفّها برفق، كأنّه يخشى أن تفلت منه إن تشبّث بها أكثر. ارتجفت أناملها قليلًا، لكنها لم تسحب يدها، بل ظلّت تنظر إليه بصمتٍ مرتبك، وقد غمر قلبها شعورٌ لم تعرفه من قبل. همس سلمان بصوتٍ خافت امتزج فيه الحزن بشيءٍ من الطمأنينة: كلما كنتِ قريبة… أشعر أنني أستطيع النجاة. ابتسمت ثريا ابتسامة صغيرة مرتجفة، بينما انعكس ضوء القمر فوق الماء من حولهما، وكأن الليل نفسه كان شاهدًا على بداية شيءٍ أكبر من الكلمات. أشرقت شمس الصباح على البيت مثقلةً بصمتٍ متوتر، وكأن الليل لم يحمل معه سوى مزيدٍ من القلق. نزل خليل إلى الطابق السفلي بخطواتٍ بطيئة، ليجد والده وجدّته ينتظرانه في المجلس بملامح جامدة لا تحمل أيّ دفء. رفع والده بصره إليه وقال بلهجةٍ مباشرة: "حسنًا… ماذا فعلت بشأن الشراكة؟ هل أنهيت الأمر مع سلمان؟" تجمّد خليل في مكانه لحظة، ثم قال بثباتٍ حاول التمسك به: لن أفعل. لن أذهب إليه لأفسخ شيئًا. ضربت الجدّة بعصاها الأرض بضيق، بينما اشتعل الغضب في عيني والده الذي نهض واقفًا صارخًا: إلى متى ستظل أعمى؟! نحن نعرف مصلحتك أكثر منك! ارتفع صوت خليل للمرة الأولى في وجههما: بل أنتم تخفون عنّي شيئًا! منذ وفاة جدّه وكل شيء تبدّل فجأة، والآن تريدون مني أن أتخلى عن سلمان دون سبب مفهوم! وما إن أنهى كلماته، حتى دوّى صوت الصفعة في أرجاء المكان. ترنّح خليل خطوة إلى الخلف، واضعًا يده على وجهه في صدمة، بينما صاح والده بحدةٍ غاضبة: أخرج من هذا البيت! ولا أريد أن أرى وجهك حتى تعود بعدما تنفّذ ما أمرتك به! نظر خليل إليهما بعينين امتلأتا بالخذلان، ثم استدار وغادر البيت بخطواتٍ متعثّرة، وقلبه يشتعل غضبًا وانكسارًا في آنٍ واحد. ظلّ يسير بلا وجهة محددة، حتى وصل إلى أطراف القرية، حيث جلس رجلٌ عجوز تحت شجرةٍ قديمة يراقب الطريق بعينين غارقتين في السنين. وما إن لمح خليل في حاله لا تبدو بخير، حتى قال بصوتٍ هادئ: يبدو أنّ همّ الدنيا كلّه فوق كتفيك يا بني. تنهد خليل وجلس إلى جواره بتعب، ثم قال بمرارة: أشعر وكأن الجميع يخفون عنّي الحقيقة. سأله العجوز من يكونو الجميع، وماذا يريدون منك يا بُني تنهد خليل واكمل حديثه قائلا: يريدونني أن أقطع علاقتي بصديق عمري واخي الذي منذ ان كبرت لا أري غيره بجواري، دون أن أفهم السبب، لا تربطنا شراكه مثل ما يربطنا حب واخوه لم اراها من احد غيره. ساد الصمت لحظة، قبل أن يبتسم العجوز ابتسامة غامضة وهو يحرّك مسبحته بين أصابعه: بعض العلاقات يا ولدي لا يُراد لها أن تستمر… ليس بسبب الحاضر، بل بسبب ما دُفن في الماضي. عقد خليل حاجبيه والتفت إليه سريعًا: ماذا تقصد؟ أخفض الرجل عينيه وقال بصوتٍ مثقل: هناك أشياء اذا انكشفت… لتغيّر وجه هذه القرية كلّها. شعر خليل بانقباضٍ غريب في صدره، بينما تابع الرجل حديثه بنبرةٍ تحمل ما يكفي لإثارة الشكوك: أحيانًا، يكون إنهاء الشراكة محاولةً لإخفاء الحقيقة… لا لحمايتك منها. اتسعت عينا خليل باضطراب، وكأن الكلمات أصابت جزءًا كان يخشى تصديقه منذ البداية، بينما أدرك للمرة الأولى أن الأمر أكبر بكثير مما ظنّ. نظر خليل إلى الرجل العجوز باضطرابٍ واضح، ثم اقترب منه قائلًا بلهفة: أنت تعرف شيئًا… أليس كذلك؟ أخبرني، ماذا تخفي عائلتي؟ ولماذا يريدون إبعادي عن سلمان؟ ابتسم العجوز ابتسامة باهتة، وهزّ رأسه ببطء وهو يحرّك مسبحته بين أصابعه المجعّدة: لو كانت كل الحقائق تُقال بسهولة، لما عاش الناس أعمارهم يهربون منها يا بني. ازدادت حيرة خليل وقال بنفاد صبر: لا تُحدّثني بالألغاز! أنا أريد أن أفهم. رفع الرجل نظره إليه طويلًا، ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل ثقل السنين: اذهب واسأل جدّتك ووالدك… اسألهما لماذا ظلّا خائفين كل هذا العمر من سلمان العمري (الجد) تجمّد خليل في مكانه، واتّسعت عيناه بدهشة: خائفين من سلمان؟! ماذا تقول أنت؟ اقترب العجوز منه قليلًا، ثم همس بنبرةٍ غامضة: قل لداوود… إن الحقيقة لا بد أن تظهر يومًا، وإن المستور لن يبقى مستورًا إلى الأبد. ثم شدّ على عصاه وأضاف بمرارة: كلّ ما حدث… بدأ من وهيبة. كانت رأس الأفعى في كل هذا التخطيط. شعر خليل وكأن الأرض تميد تحته، وتمتم بعدم تصديق: جدّتي؟! ماذا فعلوا؟ وما الذي تعرفه أنت؟! لكن الرجل العجوز نهض ببطء، مستندًا إلى عصاه، ثم قال قبل أن يبتعد: الإجابات التي تبحث عنها ليست عندي يا بني… بل عند أبيك وجدّتك. انتظر! صاح خليل وهو ينهض خلفه، لا تتركني هكذا! أخبرني بالحقيقة! إلا أن العجوز لم يلتفت إليه، واكتفى بالقول بصوتٍ تلاشى مع خطواته: بعض الحقائق مؤلمة لدرجة أن أصحابها قضوا عمرهم كله يدفنونها… وبقي خليل واقفًا مكانه، وقلبه يضجّ بالأسئلة، بينما اسم سلمان صار يتردّد في رأسه بطريقةٍ مختلفة تمامًا عمّا كان يعرفه من قبل. استيقظت أميمة على غير عادتها متأخرة قليلًا، وقد أثقل الحزن ملامحها منذ وفاة والد زوجها. عدّلت حجابها سريعًا واتجهت إلى غرفة سلمان، لكنها ما إن فتحت الباب حتى عقدت حاجبيها بقلق. كانت الغرفة فارغة، والفراش كما تركه بالأمس. تمتمت بخوفٍ وهي تخرج مسرعة: سلمان.. ثم اتجهت إلى هند التي كانت ترتب بعض الأغراض في الصالة، وسألتها باضطراب: أين أخوكِ؟ ترددت هند قليلًا قبل أن تقول بخفوت: لم يعد إلى البيت منذ البارحة… اتسعت عينا أميمة بصدمة: ماذا؟! ولماذا لم تخبريني؟ أخفضت هند رأسها وقالت بتوتر: خشيت أن تقلقي أكثر… لكنني أرسلت ابن خالي محمود ليبحث عنه، وحتى الآن لم يعد بأي خبر. شعرت أميمة بانقباضٍ مؤلم في قلبها، وأخذت تدور بعينيها في المكان بتشتت، وكأن أسوأ الاحتمالات بدأت تهاجم عقلها. وفي تلك اللحظة، فُتح باب البيت ببطء، ودخل سلمان. التفتت إليه أميمة بسرعة، وهرعت نحوه بعينين ممتلئتين بالخوف: أين كنت يا سلمان؟ لقد أقلقتنا عليك! بدا عليه الإرهاق والشرود، وكأن الليل مرّ فوقه بأعوامٍ كاملة، ثم قال بهدوءٍ متعب: أنا بخير يا أمي… لكن صوته كان يحمل ما يناقض كلماته تمامًا. تأملته أميمة بقلق، بينما أردف وهو يتجنب النظر في عينيها: أريد أن أتحدث معكِ قليلًا. شعرت أميمة باضطرابٍ مفاجئ، وكأن قلبها التقط الخطر قبل أذنيها، فسارعت تقول محاولة التهرب: ليس الآن يا بني… هناك أناس سيأتون بعد قليل لتقديم العزاء. قاطعها سلمان بهدوءٍ حاسم: لن آخذ من وقتكِ كثيرًا… أرجوكِ، فقط استمعي إليّ. ترددت للحظة، ثم أومأت بصمت ودخلت معه إلى الغرفة. جلس سلمان أمامها، وكانت عيناه مثقلتين بأسئلةٍ أرهقته أكثر من السهر نفسه، ثم قال بصوتٍ خافت لكنه موجوع: أخبريني بالحقيقة يا أمي… بكل ما لا أعرفه. تسارعت أنفاس أميمة وهي تنظر إليه بصمت. تابع سلمان وقد بدأ التوتر يظهر في نبرته: هل كان جدي يخفي عني شيئًا؟ ولماذا طُرد عمي من البلدة منذ سنوات؟ ولماذا عاد في اليوم نفسه الذي مات فيه جدي؟ وما علاقة كل هذا بموت أبي؟ ثم اقترب منها قليلًا، وقد امتلأت عيناه بالألم: أرجوكِ يا أمي… أنا أحترق من كثرة التفكير. أشعر أن الجميع يعرف شيئًا إلا أنا. ارتجفت يد أميمة فوق طرف ثوبها، وشعرت بالخوف يزداد داخلها. لم يكن خوفها من الحقيقة نفسها، بل من اللحظة التي قد يخسر فيها ابنها كل ما عرفه عن عائلته. فقالت بسرعة، محاولة إخفاء ارتباكها: أنت تتوهم يا سلمان… الحزن يجعلك تربط الأمور ببعضها فقط. هزّ رأسه بعدم اقتناع، لكن أميمة تابعت بإصرار: لا توجد أسرار كما تظن، ووفاة والدك كانت قضاء الله وقدره… لا تُتعب نفسك بأفكار لا فائدة منها. غير أن عينيها المرتبكتين كانتا تخونانها، بينما داخلها يصرخ بالحقيقة التي أخفتها لسنوات… الحقيقة التي لا يعلمها أحد سوى هي والجدّ. حقيقة أن منصور وداوود كانا السبب في موت والده. لكن تلك الحقيقة… لم يكن وقتها قد حان بعد. تنهدت أميمة وهي تحاول إخفاء قلقها، ثم قالت برفق: اذهب وبدّل ثيابك أولًا، ثم تعال لتتناول شيئًا… أنت لم تأكل منذ الأمس. أشار لها سلمان بيده نافياً، وقال بصوتٍ مرهق: لا أريد شيئًا… سأدخل لأنام فقط. ثم اتجه إلى غرفته بخطواتٍ ثقيلة، وما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه وقال بجمود: لا أريد لأحد أن يوقظني… سأستيقظ وحدي. ساد البيت هدوءٌ ثقيل بعد دخوله، لكنّه لم يدم طويلًا. فبعد دقائق قليلة، سُمع طرقٌ سريع على الباب الخارجي، لتفتح هند فتجد خليل يقف بملامح متوترة وأنفاسٍ متلاحقة. قال بلهفة: أريد مقابلة سلمان… الأمر مهم. اقتربت أميمة منه وقالت بهدوء: إنه نائم يا خليل، الآن دخل غرفته لينام قليلاً وفي تلك اللحظة، وصل صوت خليل إلى سلمان من داخل الغرفة، فنهض بتعب وفتح الباب قليلًا، ثم قال بصوتٍ خافت: دعيه يدخل يا امي… تعال يا خليل، لا أريد مزيدًا من الصداع. دخل خليل إلى الغرفة، وأغلق سلمان الباب خلفه، ثم جلس على طرف الفراش وهو يمرر يده على وجهه بإرهاق قائلاً: قل ما لديك يا خليل لعل الامر خير. ظل خليل واقفًا للحظات مترددًا، ثم قال بصعوبة: بصراحة… هناك شيء يجب أن أخبرك به، رغم أنني أخشى أن يفسد كل شيء بيننا. ضحك سلمان بسخرية باهتة وقال: وما الشيء الذي بقي ليستطيع إفساد حياتنا أكثر مما حدث؟ تنفس خليل بعمق قبل أن يقول: أبي وجدّتي يريدان مني إنهاء الشراكة بيننا. ساد الصمت فجأة، وكأن الكلمات سقطت بثقلٍ فوق المكان. رفع سلمان رأسه إليه ببطء، وقد بدت الصدمة واضحة في عينيه: ماذا؟ ولماذا الآن؟ اقترب خليل منه قليلًا وقال بارتباك: هذا ما لا أفهمه… نحن معًا منذ سنوات، لم يحدث بيننا خلاف يومًا، فلماذا يريدون ذلك فجأة؟ يتبعلهيب الانتقامبقلم/ مني ثروتالفصل الخامس كرر خليل سؤاله إلي جدته، ولكنها لا تجدي نفعاً معه وتجاهلتله كعادتها، ثم نظرت إليه وهيبة بنظرةٍ باردة يغلفها الاستخفاف، لكنها لم تُجبه، بل التفتت إلى بروچ قائلة: اذهبي أنتِ الآن، أكملي عملك… وسنتحدث لاحقًا.أخفضت بروچ رأسها ثم انسحبت بهدوء من أمامهما.أما خليل، فقد ازداد ضيقه من تجاهلها الواضح له، وقال بنبرةٍ ممتزجة بالاستغراب والانزعاج: لماذا تتجاهلين سؤالي دائمًا؟ لا أفهم ما الذي يحدث معكِ.رفعت وهيبة رأسها إليه ببرودٍ تام، ثم قالت بنظراتٍ قاسية مهينة: لا شأن لك بما لا يخصك… اذهب إلى حيث كنت تذهب.اشتدت ملامح خليل انزعاجًا من طريقتها الجافة، فاستدار سريعًا متجهًا إلى خارج الحديقة.وما إن ابتعد عدة خطوات حتى نادته وهيبة بصوتٍ مرتفع: خليل… إلى أين أنت ذاهب؟توقف للحظة، ثم التفت إليها، لكنّه لم يُجبها بشيء.واكتفى بالنظر إليها بصمتٍ غامض، قبل أن يستدير مجددًا ويغادر المكان.انزعج سلمان كثيرًا حينما رأى منصور يقف أمامه مجددًا، فقال بضيقٍ واضح: إن كنتَ قد جئت بسبب حديث الميراث مجددًا، فذلك الأمر قد انتهى.نظر إليه منصور بسخريةٍ باردة وقا
لهيب الانتقامبقلم/ مني ثروتالفصل الرابعوبعد فترةٍ لم تكن طويلة، عاد كلُّ شيءٍ إلى طبيعته… أو هكذا بدا لهم.اختفى منصور تمامًا خلال تلك الأيام، فلم يظهر له أثر، ولم يصلهم عنه أي خبر، ومع مرور الوقت بدأت أميمة تشعر أنها قد نجت أخيرًا من تهديده بفضح ماضيهم القديم، وأن ذلك الخوف الذي لازمها طويلًا قد تلاشى.وفي صباحٍ هادئ، كانت أميمة تقف في المطبخ تُعدّ الفطور بعناية، بينما تعبق رائحة الطعام في أنحاء المنزل.وفجأة، شعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف.ابتسمت تلقائيًا، ثم أغمضت عينيها قائلة بحنان: يا قرة عيني… يا ولدي الحبيب.ضحك سلمان بخفة، ثم أمسك بيديها وقبّلهما قائلًا بإعجاب: ما أطيب رائحة الطعام يا أمي… أقسم إنني لن أتزوج حتى لا أُحرم من هذا الطعام اللذيذ.التفتت إليه أميمة مبتسمة، بينما أكمل هو مازحًا: أخشى أن تعجز زوجتي مستقبلًا عن إعداد الطعام كما تفعلين.ضحكت أميمة وقالت مداعبةً: ستنسى كل هذا الحديث حين تتزوج، ولن ترى سوى زوجتك.انعقد حاجبا سلمان سريعًا وقال باعتراض: مستحيل يا أمي، لا تقولي ذلك.وفي تلك اللحظة، دخلت هند إليهما وهي تقول بتذمرٍ مصطنع: يبدو أن الضحكات قد ع
لهيب الانتقام بقلم / مني ثروت الفصل الثالث ثم بدأ يقصّ عليه ما حدث مع الرجل العجوز، والكلمات التي قالها عن الماضي، وعن خوف العائلتين، وعن وهيبة وداوود والحقيقة المدفونة منذ سنوات. وكان سلمان يستمع بصمت، لكن ملامحه تغيّرت تدريجيًا، حتى قال فجأة: ذلك العجوز… نظر إليه خليل باستغراب: تعرفه؟ أومأ سلمان ببطء، ثم قال بشرود: قابلته من قبل… منذ فتره قصيره. عقد خليل حاجبيه: وماذا قال لك؟ أطلق سلمان ضحكة قصيرة خالية من الفرح، ثم قال: أخبرني يومها أن أقرب الناس إليّ قد يكونون أعدائي الحقيقيين… وأن هناك حياة كاملة أعيشها دون أن أفهم حقيقتها. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يضيف سلمان بنبرةٍ أثقل: ظننت أنه مجرد رجل يهذي بكلام غامض، لكن بعد كل ما يحدث الآن… بدأت أخشى أن يكون محقًا. نظر إليه خليل بقلق، بينما شعر كلاهما للمرة الأولى أن ما يجمع العائلتين ليس مجرد صداقةٍ قديمة أو شراكة عمل… بل شيءٌ أكبر وأكثر ظلمة مما تخيّلا. تنهد خليل وهو يمرّر يده في شعره بقلق، ثم قال: ماذا سنفعل الآن يا سلمان؟ أشعر أن كل شيء ينهار أمامنا. وقبل أن يجيبه سلمان، لمح بطرف عينه ظلًّا ي
لهيب الانتقامبقلم/ مني ثروتالفصل الثانيوقف منصور أمام النافذه، وقد انعكس ضوء المساء الشاحب علي ملامحه المتعبه، بينما بدت عيناه غارقتين في قلقٍ قديم لم يُطفئه الزمن، وبدأ يتحدث إلي اميمه بصوت منخفض، وحذر كمن يخشي ان تتسرب كلماته إلي الجدران نفسها قائلا: جاء اليوم لاسترد حقوقي يا اميمه، هل ستمنعيني؟ ثم اقترب منها بخطوات بطيئه، وقال بنبره مثقله: هل ظننتي أن الماضي قد دُفن مع سليم يا اميمه؟ انا هنا اليوم لتذكيرك بما حدث في الماضي. أخفضت أميمه عينيها، وارتجفت أناملها وهي تُشبك يديها بتوتر، بينما خيّم الصمت بينهما لثوانٍ قليله، ثم همست بصوتٍ مضطرب: وماذا أذا عرف سلمان الحقيقه، لن اتركك يا منصور، اذا أصاب أبني شيئاً، لقد تحملت اثقالاً في صدري لسنوات حتي لا افقد أبني، ماذا تريد منا الان، إذهب لا نريد رؤيتك بيننا مره أخري. زفر منصور بعمق، ومرر يده علي وجهه بإرهاق، ثم اقترب منها قائلا بصرامهٍ خافته: لن اعود يا اميمه، اتفهمين؟ ما حدث في الماضي يجب ان يُكشف الآن، هذا وقت كل شئفكانت نظراته حادّة، رغم الارتباك المختبئ خلفها، وكأنه يحمل فوق كتفيه عبئاً أثقل من الاعتراف نفسه، بينم
"لهيب الأنتقام"بقلم/ منى ثروتفي هذه الحكايه، لا تبدو الاسرار مجرد ماضٍ يُروي، بل هي جذور تمتد في صمت داخل كل بيت، تغير المصائر دون ان تُعلن عن نفسهابين الحب والصداقه، بين الشراكه، والخذلان، تتداخل الخيوط في عالم يظنه الابطال واضحاُ، بينما هو في الحقيقة اكثر تعقيداً مما يتصورون وليس بموت شخص مهم يغلق باب الحزن، بل تفتح أبواب اخري، ابواب لحقائق مؤجله، وأسئله لم يرد عليها يوماً ما، واسرار كان الصمت وحده حارسهافي تلك اللحظه يبدأ كل شئ حين يظن الجميع، ان النهايه قد جاءت، بينما الحقيقه لم تبدأ بعد. بينما ولد حبُّ لم يكن له ان يُولد، حبُّ نشأ بين سلمان وثريا، كأنه تحدٍ صامت لكل ما فرضته العادات والعداوه والإرث القديم، لكن القدر لم يكن رحيماً بهما، إذ حملت الايام لهم ما يفرق هذا الحبُّ الذي كان محاط بالخوف والحرمان. ومع انكشاف الاسرار تباعاً، يصبح السؤال الاثقل: هل يمكن للحب ان يتنصر حين يُحرم أصحابه من كل شئ، حتي من بعضهم؟ وهنا ستبدأ الأحداث بالالفه والعشق الي أن يتحول هذا العشق الي انتقام مميت، هذا ما سنعرفه في أحداث قصتنا، التي حدثت في أحد العثور القديمه حين كان







