LOGINانسحب آسر وليليان نحو ساحة الرقص وسط الموسيقى المتصاعدة،راقبتهما جيداء لثوانٍ، ثم زفرت ببطء.لأول مرة منذ ساعات طويلة، شعرت أن كتفيها أصبحا أخف.لا أسئلة.لا مواجهات.لا ذكريات تلاحقها بين الوجوه.الليلة ليست للماضي.الليلة لندى.استدارت نحو صديقتها التي كانت تتوسط القاعة بفستانها الأبيض، محاطة بدائرة من الصديقات والضحكات والكاميرات.كانت ندى تضحك من قلبها.تلك الضحكة التي عرفتها جيداء منذ سنوات الميتم الأولى.الضحكة نفسها التي كانت تظهر كلما نجحتا في سرقة قطعة حلوى إضافية من مطبخ الدار أو كلما هربتا من إحدى المشرفات الصارمات.ابتسمت جيداء دون أن تشعر.ثم اتجهت نحوها.ما إن وصلت حتى أمسكت إحدى الفتيات بيدها وهتفت:— أخيراً وصلتِ! أين اختفيتِ؟ردت جيداء ضاحكة:— كنت أؤدي واجباتي الرسمية كمنسقة طوارئ للعروس.شهقت ندى بتظاهر:— كاذبة! كانت تراقب فستاني كل عشر دقائق.— لأنكِ لا تتوقفين عن الحركة.— هذه ليلة زفافي! ماذا كنتِ تتوقعين؟— أن تتصرفي بعقلانية مرة واحدة على الأقل.انفجرت المجموعة كلها بالضحك.حتى فارس، الذي كان يقف على بعد أمتار، هز رأسه مستسلماً وهو يقول:— أؤكد أنها لم تتصرف ب
تداخلت أضواء القاعة الصاخبة مع ضحكات الحاضرين و نغمات الموسيقى التي ملأت الأركان، لكن المساحة المحيطة بجيداء بقيت أشبه بوقار بارد لا يجرؤ أحد على خدشه. كانت تقف بهدوء، مستندة بذراعها على حافة الشرفة، تراقب ندى و فارس بابتسامة صامتة، حتى شعرت بظلال تقترب من زاويتها الهادئة.لم تلتفت. كانت تعرف مشيته جيداً، و تعرف تلك الخطوات المتغطرسة التي لطالما ملأت ردهات قصر السيوفي.توقف آسر أمامها مباشرة، و بجواره كانت ليليان متمسكة بذراعه بقوة، ترتدي فستاناً أسود صارخاً يناسب بريق عينيها المتحديتين. غابت عن ملامح اسر الحادة تلك القوة المستبدة التي اعتاد مواجهتها بها. نظر إلى جيداء طويلاً، صامتاً، كأنه يتأكد من أن البرود الذي يراه في عينيها حقيقي و ليس مجرد درع زائف.تحركت ليليان خطوة للأمام، و كسرت الصمت بضحكة ناعمة، يقطر منها ود مصطنع و هي تتأمل ملامح جيداء المستقرة:— جيداء! أهلاً بكِ. لم نكن نتوقع رؤيتكِ الليلة في زفاف ندى.. تبدين جميلة وبسيطة كالعادة، رغماً عن كل الظروف الصعبة و الاضطرابات التي مررتِ بها مؤخراً بعد الطلاق.نظرت جيداء إلى ليليان بعينين هادئتين، و لم تتبد
مر اسبوعين و اخيرا حضر اليوم المنتظر حفل زفاف ندي و فارس كان اليوم مشمس و تخللته نسمات دافئه كانها تعلن الفرحه و السعاده علي العروسين فتحت قاعة الزفاف الفاخرة أبوابها لتستقبل صخب الليلة الكبرى. كانت الإضاءة الدافئة تتداخل مع نغمات الموسيقى الحية، و رائحة الزهور البيضاء الفواحة تملأ المكان الذي غص بنخبة من الحاضرين. بدت ندى في ثوبها الأبيض كالملكة سعيده وسط حلقة الرقص،تبتسم بعفويتها و طبيعتها المشاغبه و بجوارها فارس يفيض سعادة و فخراً، و عيناه تنبض حبا لشريكته و حبيبته بينما كانت جيداء تقف على مسافة قريبة منهما تراقب فرحة صديقة عمرها بابتسامة حقيقية بددت جانباً من تعب الأيام الماضية. ارتدت جيداء ثوباً بلون سماوي بسيطاً و أنيقاً، بدون اكتاف ليبرز بشرتها ناصعه البياض و تركت شعرها الاسود الطويل الذي يصل لخصرها منسدل بهدوء و وقفت عند زاوية هادئة قريبة من الشرفة المفتوحة لتتنفس بعض الهواء البارد، مستمتعة بهدوء مشاعرها و السكينة التي فرضتها على حياتها مؤخراً. لقد رحل ياسين من اسبوعين الان لم يحاول فيهم الاتصال بها حاولت اخراجه من عقلها ففي
مرت الايام و اوشك موعد زفاف ندي و فارس كانت ندى تقف أمام المرآة تدور ببطء حول نفسها بينما تنساب طبقات الفستان الأبيض حولها.رفعت ذراعيها قليلاً وقالت باعتراض مصطنع:— جيداء... إذا استمريتِ في تعديل الفستان بهذه الطريقة فلن أصل إلى حفل الزفاف قبل منتصف الليل.رفعت جيداء رأسها من مكانها عند طرف الثوب.— هذا لأنكِ لا تقفين ثابتة.— لأنني متوترة.— أنتِ تدورين منذ عشر دقائق.— هذه ليست دورة، هذه معاينة فنية.ضحكت جيداء أخيراً.— بالطبع.استدارت ندى نحوها بسرعة.— هل تضحكين عليّ؟— قليلاً.وضعت ندى يدها فوق قلبها بتأثر مبالغ فيه.— أخيراً! ها هي جيداء الحقيقية تعود للحياة.هزت جيداء رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.— لا تبالغي.— بل أبالغ. آخر مرة رأيتكِ تضحكين بهذا الشكل كانت قبل أشهر.ساد صمت قصير.ثم جلست ندى على الأريكة وهي تراقب صديقتها التي عادت لترتيب تفاصيل الفستان.— تعرفين؟
مرت خمسة أيام كاملة كأنها شهر بأكمله.خمسة أيام لم تمنح فيها جيداء نفسها فرصة واحدة للتوقف أو التفكير.كانت أول من يصل إلى الشركة كل صباح، حتى قبل أن تكتمل حركة الشوارع، وآخر من يغادر بعد أن تنطفئ أغلب أضواء المبنى.تحولت قاعة التصميم الرئيسية إلى عالمها الوحيد.مخططات ضخمة معلقة على الجدران.نماذج ثلاثية الأبعاد موزعة فوق الطاولات.أجهزة الحاسوب تعمل لساعات متواصلة.وأكواب القهوة الفارغة تتكاثر حول مكتبها كجنود سقطوا في معركة طويلة.في اليوم الأول كان الجميع يعتقد أن حماسها مؤقت.وفي اليوم الثالث بدأ المهندسون يتبادلون النظرات القلقة.أما في اليوم الخامس، فقد أصبح واضحاً للجميع أن جيداء لا تعمل فقط لإنهاء المشروع.كانت تهرب.تهرب من شيء لا يستطيع أحد تسميته.كانت تغرق نفسها في الأرقام والزوايا والحسابات الهندسية كما يغرق شخص في البحر حتى لا يسمع ضجيج العالم من حوله.كلما حاول عقلها استعادة تلك الليلة...تلك القبلة المفاجئة.ذلك ال
انفتحت أبواب المكتب فجأة دون سابق استئذان.ارتفع رأس جيداء عن المخططات الممددة أمامها، بينما توقفت ندى عن مراجعة بعض الملفات على الطاولة الجانبية.دخل زين العبد بخطوات سريعة ومتوترة، وكأن شيئاً ما كان يطارده منذ ساعات.لم يكن الرجل الذي اعتادت رؤيته دائماً.كان هناك شيء مختلف في عينيه.شيء يشبه القلق... أو الخوف.تبادلت ندى وجيداء نظرة سريعة.فهمت ندى الأمر فوراً.أغلقت الملف الذي بيدها ونهضت بهدوء.— سأذهب لتفقد الاجتماع مع قسم التنفيذ.لم ينتظر أحد منها تفسيراً إضافياً.خرجت من المكتب وأغلقت الباب خلفها برفق.ساد الصمت.وقف زين أمام المكتب مباشرة.كانت أنفاسه غير منتظمة قليلاً.وقال دون مقدمات:— جيداء... هل سمعتِ بخبر سفر ياسين؟رفعت جيداء حاجباً.— لا.— غادر البلاد الليلة الماضية.وضعت القلم جانباً بهدوء.— وماذا في ذلك؟حدق بها لثوانٍ.وكأنه يحاول التأكد من أنها ل







