LOGINكان اليوم التالي يومَ جمعة،
عطلةَ نهاية الأسبوع… اليوم الذي سيبدأ فيه أول دروسه في الجامع، بعد صلاة الجمعة. بعد أن رُفع الأذان، بدأت الجموع تتوافد إلى المسجد. كان أمير يسير برفقة والده، وعلى يساره راشد… ذاك الذي لم تتردّد والدته في السماح له بالحضور، إذ رأت في الأمر فائدة، وفرصةً ليتعلّم شيئًا من الدين… خاصةً أنه بلا مقابل. في بيت راشد، لم تكن القرارات دائمًا بيد والده. فكلما ارتفع صوته، كانت تتقدّم الأم، وتحسم الأمر بنظرةٍ واحدة. "يمّا… شوفي أبي!" كانت كفيلةً بأن تُنهي أي جدال. بدأت خطبة الجمعة. تحدّث الخطيب عن النبي، ثم تلا آية، وأخذ يشرحها. كان حديثه يتمحور حول أن الإنسان خُلق من تراب، وسيعود إلى التراب، وكيف ينبغي أن يرحل من هذه الدنيا… صالحًا. في تلك اللحظة، بدت على ملامح أمير رغبةٌ في الكلام… أو سؤالٌ يحاول أن يخرج. التفت قليلًا، وكأنه يستعدّ للنطق. لكن والده سبقه، وهمس له بنبرةٍ حازمة: "خليك مؤدّب… إنت بالجامع." فتراجع صوته… قبل أن يولد. ما إن أنهى الإمام خطبته، حتى صدح صوته في الناس معلنًا إقامة الصلاة. وقف المصلّون في صفوفٍ منتظمة، واستعدّوا لركعتي الجمعة. "الله أكبر… الله أكبر…" كان أمير يقف بينهم، جسده في الصف، وعقله في مكانٍ آخر. ما إن انتهت الصلاة، حتى بدأ جمعٌ من الناس بالخروج. تقدّم أمير ووالده وراشد نحو الإمام، حيث كان عمّه في المقدّمة. ألقى التحية وقال: "تقبّل الله يا شيخ." فردّ عليه بهدوء: "منا ومنك يا أستاذ." ثم أكمل الأستاذ فاضل: "هذا ابني كما اتفقنا، جاهز ليحضر أول درس معك، وهذا الولد رفيقه يرغب في الحضور معه إن أذنت يا شيخ." أجابه الشيخ: "طبعًا طبعًا… لا مشكلة." كان عمّ أمير، الذي يُدعى الشيخ صابر، ذا ملامح سمراء هادئة، كأن الأرض انعكست على وجهه. ليس ذلك النور الذي يصفه الناس عادةً لمن يتحدثون عن الشيوخ، لكن في حضوره سكينة خاصة لا تُفسَّر بسهولة. ربما لأنهم يرونه إمامًا. كان يرتدي جلابية رمادية، يبرز منها بياض لحيته الكثيفة التي امتزج فيها الشيب بوضوح الزمن. ما إن فرغ المسجد من المصلين، حتى بدأ الأطفال بمختلف الأعمار يتوافدون لحضور الدرس. كانوا يدخلون واحدًا تلو الآخر، يلقون التحية: "السلام عليكم…" ثم يتوزعون في أماكنهم، ويصطفون حول الشيخ صابر، وأمامهم أجزاء من كتاب القرآن الكريم. كان الشيخ صابر قد بدأ بإعطاء أمير أولى الدروس، لكنها لم تكن درسًا بالمعنى المتعارف عليه. فلم يكن يجمع الطلاب في شرحٍ واحد، بل كان يأخذ كل طالبٍ على حدة، يستمع إليه وهو يتلو ما طُلب منه حفظه من آيات، أو يراجع ما تلقّاه من شرحٍ سابق. بينما كان أمير يجلس أمامه، وعلى جانبه راشد، وبينهم طلبة جدد كما أُطلق عليهم، فتح الشيخ صابر أحد المصاحف، وبدأ يتصفحه بهدوء، حتى وصل إلى سورةٍ بعينها. شرع يتلو منها بصوتٍ ثابت، وكانت نظرات أمير لا تفارق وجهه وهو يستمع، حتى وصل الشيخ إلى موضعٍ محدد. ثم قال: "هذا ما أريد منكم أن تحفظوه للدرس القادم." ردّ راشد بصوتٍ هادئ: "تمام". لكن أمير استوقفه الطلب، ولم يستطع كتمان أفكاره، فقال: "طيب… ليش لازم أحفظ هالشي؟ شو الفائدة؟ وشو المعنى؟" نظر الشيخ إليه وقد اتسعت عيناه، وردّ بنبرة صدمة تميل إلى الغضب: "لأنه كلام الله، وهذا واجب وفرض على كل مسلم أن يحفظه." لكن أمير لم يكتفِ، وقال: "وشو معنى هالكلام؟ وشو بفهم منه؟ وليش لازم أقتنع إن كل شي مكتوب صحيح؟" هنا اشتدت ملامح الشيخ، وكأنه كتم غضبه بصعوبة، ثم قال: "يا أمير… كل ما في المصحف صحيح لأنه كلام الله، والله قال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. وهذا الدين مو جديد، عمره أكثر من ألف سنة، توارثته الأجيال. وإذا عندك شك، فمن خلقك إذًا؟ أليس الله؟" كان راشد يحاول تهدئة الموقف، وقال بخوف: "خلص يا أمير… هاد شيخنا، ما بصير هيك." لكن أمير قال: "أنت بدك تثبت وجود الخالق من كتاب بتقول إنه هو اللي أنزله؟ طيب وما أدراك إنه هو الخالق أصلًا؟" لم يتمالك الشيخ نفسه، ورفع عصاه كأنه سيضربه، لكن أمير أمسك بها وقال: "سوف أخرج… ولن أعود… أعدك، أنا لست منهم." ارتبك الشيخ للحظة، ثم بدأ يستغفر بصوت مرتفع: "الله يهدينا… الله يهدينا…" وردّد الطلبة خلفه: "آمين". ثم قال بانفعال: "لا تسمعون لكلامه! بدّه يخرب أفكاركم! بدّه يصير كافر وملحد! بدكم الجنة ولا النار؟" بدأ الطلبة يرددون خلفه: "اللهم أدخلنا الجنة…" أما راشد فكان يرتجف، ويتمتم: "أمير… مو هيك… أمير… مو هيك…" لكن الشيخ أمر بإخراجه، فتم سحبه من المكان وهو يكرر نفس الجملة. خارج المسجد، كان أمير ينتظر. ما إن خرج راشد حتى ركض نحوه، وأسنده بذراعه على كتفيه. قال راشد بعتبٍ مختلط بالخوف: "إنت مو مؤمن… ليش جيت لهون؟" أجابه أمير: "لأن أبي وأمي بدهم هيك… وما بقدر خالفهم. مو خوف، بس ما بحب زعلهم." ثم أضاف: "أبي يصر إني أصحى للفجر… بعمل حالي صليت وبرجع بنام… وبكمل يومي هيك، بس كرمال ما يزعلوا." عاد راشد، في حالته تلك، بين ارتجافٍ يسري في جسده، وشعورِ خوفٍ يتسلّل إلى كلّ جزءٍ منه. كأنّ شيئًا ما يلاحقه… يركض منه، يحاول أن يختبئ، لكنّه لا يختبئ… لأنّه يسكنه. يلتصق به، يضيق عليه، كقبضةٍ غير مرئية تشدّ على جسده. يرتجف… ليس من البرد، بل من شيءٍ لا يُرى. فتح الباب بسرعة، ودخل… كأنّه ينجو من شيءٍ خلفه. وما إن رأته أمّه، حتى شهقت: — شو صاير معك؟! — ليش هيك تيابك؟! شو في بجسمك؟! ارتفع صوتها… فارتجف أكثر. تراجع خطوةً إلى الخلف، كأن الصوت لم يكن سؤالًا… بل تهديدًا. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات اختنقت في صدره، وخرج صوته ضعيفًا… مكسورًا: — أنا خا… ئف. احتضنته أمّه، وأدخلته إلى الداخل. جلست بقربه، في صمتٍ ثقيل، تحاول أن تُسكّن العاصفة التي بداخله. بدأت تقرأ عليه القرآن بصوتٍ خافت، وتمسح على رأسه ببطء، كأنها تجمعه من الداخل. لكن الخوف… لم يزل. كان ما زال هناك، يلتفّ حوله بصمت، لا يُرى… لكنّه يُشعَر. كان والده ينظر إليه بصمت، وشيءٌ فيه كان يتآكل من الداخل… دون أن يُقال. ثم كسر الصمت، بصوتٍ حذر: — شو رأيك… ناخده لعند الدكتور؟ التفتت الأم بسرعة، وقالت بانفعالٍ مكتوم: — ليش الدكتور هلق؟ بنشغّل جنب راسو قرآن… ومنقرأ عليه… حاول أن يهدّئها، وقال: — طيب… يمكن ما يرتاح. على الأقل… يعطيه مهدّئ. اشتدّ صوتها، وارتجف فيه الغضب: — كلام الله يشفي ما في الصدور… رح يرتاح نفسيًا. اتركه… خليه يعرف ينام. لم يمضِ ذلك اليوم، وقبل أن يحلّ المساء، حتى بدأت الشائعات تنتشر. قيل إنّ أمير حاول ضرب الشيخ صابر، وقيل إنّه شتمه… وشتم الدين. تحوّل اسمه إلى حديث الناس، بين: "أمير عمل كذا…" و"أمير قال كذا…" عندها، قرّر والده أن يذهب ويتحدّث مع الشيخ صابر بنفسه، ليعرف ما حدث كما كان. التقيا بعد صلاة المغرب. لم ينظر الشيخ إليه مباشرة، بل قال بغضبٍ واضح: — شو هالتربية يا أخي؟ مو حرام عليك تضيّع ابنك هيك؟ ثم بدأ يسرد ما حدث. كان والده يستمع بصمت… ورأسه ينخفض شيئًا فشيئًا، حتى استقرّ نظره في الأرض. خجلٌ ثقيل استقرّ فيه… دون كلام. لم يكن ذلك الخجل من مواجهة أخيه، الشيخ صابر… بل من كلّ ما قيل عن أمير، ومن تلك الكلمات التي طعنت تربيته، وحمّلته ما لا يُحتمل. سكت الشيخ لحظة، ثم أردف مترددًا: — يعني… ما بعرف شو بدي قلك، بس رح قولك شي أنا شفته بعيني. رفع فاضل رأسه بسرعة: — شو يعني؟ قال الشيخ، بنبرةٍ خافتةٍ لكنها جازمة: — ابنك… مو بوعيه. تجمّد وجه فاضل، وقال بقلق: — كيف يعني؟ اقترب منه قليلًا، وخفّض صوته: — بقصد… يمكن متلبّس. شيطان داخل فيه. سكت لحظة، ثم أضاف: — ولازم تلحقه… ما تتركه هيك ضايع. ثم قال وكأنه يقدّم حلًا: — وإذا بدك… بعرف شيخ تقي، ممكن يساعدك. وكأنّ ما في داخله… لم يعد يُفسَّر بالعقل. كان ذلك الشيخ يقيم في قريةٍ مجاورة، ويعمل في العقارات… لا يملك مكتبًا، ولا لافتةً باسمه، بل يكتفي بأن يكون حلقة وصل بين البائع والمشتري، ويأخذ نصيبه من الصفقة… سمسرة. كان يُدعى الشيخ أبو صادق، اسمٌ يتردّد بين الناس بشيءٍ من الخوف… واليقين. يقولون إنّه “مكشوفٌ عليه”، يرى ما لا يُرى، ويفهم ما يعجز غيره عن تفسيره. وإذا اشتدّ الأمر… قصدوه، ليُخرج ما في الجسد من جنّ، ويفكّ ما عُقد من سحر. لم يكن ذلك الخجل من مواجهة أخيه، الشيخ صابر… بل من كلّ ما قيل عن أمير، ومن تلك الكلمات التي طعنت تربيته، وحمّلته ما لا يُحتمل. وكأنّ ما في داخله… لم يعد يُفسَّر بالعقل. لم يُجب الأستاذ فاضل على ما قاله الشيخ صابر. ظلّ صامتًا… ثم خرج، يمشي ببطء، كأنّه ينسحب إلى داخل نفسه… دون أن يلتفت. كان يمشي ببطء، كأنّ كل خطوة تسحبه أكثر إلى داخله. متكئًا على ما تبقّى من قواه، يحمل حزنه معه، كأنه جزءٌ منه. خرج من الباب، وسار بين بيوتٍ قديمة، في طريقٍ ترابي. وعلى يمينه… كانت مقبرة، كأنها تراقبه بصمت. بينما كان يسير، ظهر جاره خالد، يسير في الطريق نفسه. كانوا ينعتونه بـ"المثقّف"… لا مدحًا، بل كشتيمةٍ خفيّة، لأنه كان ينظر إلى الناس كأنّه يعرف كلّ شيء. اقترب منه، ووضع يده على كتف الأستاذ فاضل، الذي كان يضمّ ذراعيه إلى صدره كأنه يحاول أن يتماسك. وقال بصوتٍ خافت: — شو صاير معك يا أستاذ…؟ ردّ الأستاذ فاضل، دون أن يرفع نظره: — لا شي… لا شي. قال خالد بإصرارٍ هادئ: — لا… أكيد في شي. ليش هيك حالتك؟ احكيلي… يمكن أقدر أساعدك. ردّ فاضل، بصوتٍ خافت: — لا… ولا شي. سكت، كأنّ شيئًا عالقًا في صدره يرفض الخروج. ثم قال، وكأنه تراجع عن صمته: — يمكن… فيك تساعدني. قال خالد: — طبعًا… احكيلي، وإن شاء الله بساعدك. أجابه فاضل: — الحقيقة… مو أنا. بدي منك تساعد أمير. نظر إليه خالد باستغراب: — أمير؟ خير… شو صاير معه؟ قال فاضل، بصراحةٍ متردّدة: — بصراحة يا خالد… أكيد سمعت بالحكي اللي عم ينتشر عنه. أجابه خالد: — سمعت… بس بعرف ابنك، مستحيل يعمل هيك. أكيد في مبالغة. تردّد فاضل، ثم قال بحرج: — والله… في شي منه صح. ثم أكمل، بنبرةٍ أهدأ: — بدي منك تقعد مع أمير… وتحاول تفهمه. توقّف لحظة، ثم تابع: — تحكي له عن الدين، عن ثبات الإيمان… بطريقتك الهادية، اللي متعوّدين عليها منك. ثم قال: — خلّينا نكمّل عالبيت… ونحكي.بلا أي لونٍ من ألوان الدهشة... — كانت ميرايا ساكنة. — وكأنها آمنت... — أن الصدمة الحقيقية لم تعد فيما ستقوله. — بل فيما سيحدث... — بعد أن يعرفه. — نهضت بهدوء. — ومشت نحوه بخطواتٍ خفيفة. — حتى وقفت إلى جانبه. — وكان أمير... — ما يزال يحتضن الصندوق. — محاولًا فتحه. — مدّت يدها. — ووضعتهـا فوق غطائه. — ثم قالت بصوتٍ هادئ: — — هنا... — — يقطن كابوس دجين. — ارتفع بصر أمير إليها. — وتجمدت ملامحه. — ثم سأل بدهشة: — — ماذا تقصدين؟ — تنهدت ميرايا. — وقالت: — — لأنّه يخشاه. — — قتل صاحب هذا القصر... — — ليحصل عليه. — — لكنه... — — لم يستطع. — ساد الصمت. — ثم همست: — — لا تتخيل وحشًا... — — ولا روحًا... — — ولا كتابًا ملعونًا. — — إنه... — — سيف. — — سيفٌ مرصعٌ بالألماس. — ظل أمير يحدق فيها. — وقد ازدادت حيرته. — ثم قال: — — وما المخيف في ذلك؟ — — لم أفهم. — أغمضت ميرايا عينيها. — ثم قالت بصوتٍ خافت: — — لأن نصلَه... — — ي
"بعضُ الحقائق... لا تقتل الإنسان.بل تتركه حيًّا... وهو يبحث بين أنقاض نفسه عمّن كان يومًا." 👁️📖🔥كان الهواء ثقيلاً... — يبعث في النفس انزعاجًا غريبًا. — ويلتهم... — كلَّ ما كان يظنّه حقيقة. — ولا يترك خلفه... — إلّا سؤالًا واحدًا: — أيُّهما الوهم...؟ — وأيُّهما الحقيقة؟ — وهل كلُّ شعورٍ يسكن الإنسان... — يعني أنّه الحقيقة؟ — أم أنّ الشعور نفسه... — قد يكون أكبر الأكاذيب؟ — كانت تلك الأسئلة... — تتدفّق دفعةً واحدة إلى عقل أمير. — وهو مستلقٍ على السرير. — حتى دفعته إلى النهوض على عجل. — وقف. — وأخذ يحدّق في الفراغ طويلًا. — ثم همس بصوتٍ خافت: — — سأرى الحقيقة... — — بنفسي. — وحينها... — اتخذ قراره. — أن يفتح الباب... — للمرة الأخيرة. — ساد الهدوء أرجاء القصر. — حتى خُيّل إليه... — أنّ المكان قد مات منذ زمن. — لولا تلك الطيور... — التي اتخذت من زواياه المتصدعة أعشاشًا لها. — كانت ترفرف بين الحين والآخر. — فتبعثر القشّ تحتها. — ويختلط صوت أجنحتها... — بذل
كانت الطرقات تمتدّ... وكأنّها لا تعرف النهاية. كلّما تقدّما خطوة... انكشف جزءٌ آخر من المكان. وكأنّ سَدَم... لا تُظهر نفسها دفعةً واحدة. بدأت تظهر أشخاصٌ بملامح غريبة. وجوهٌ ساكنة... وعيونٌ تخلو من كلّ شيء. لكنّها... كانت تسلب من الناظر إليها أيّ شعور. إلّا الخوف. ذلك الخوف الذي يتسلّل فجأة... دون سببٍ مفهوم. كان أمير كلّما مرّ بأحدهم... اقترب من ميرايا أكثر. وكأنّه طفلٌ ضلّ طريقه... ولا يملك سوى أن يتشبّث بمن بقي معه. أما أشجار الطريق... فكانت خاليةً من أوراقها. لكنّها لم تكن يابسة. بدت وكأنّ أحدًا... انتزع منها روحها... وأبقاها واقفةً بذلك الثبات المخيف. نظر أمير حوله. ثم قال بصوتٍ متعب: — هل بقي الكثير؟ أجابته ميرايا بهدوء: — لا... — لقد اقتربنا. أغمض أمير عينيه للحظة. ثم همس: — أريد أن أغمض عينيّ... — حتى أستطيع الاحتمال. — — أشياءٌ مجهولة... — — وغريبة... — — تظهر في كل مكان. لم يكن البيت... يشبه ميرايا في شيء. — بل بدا كقصرٍ مهجور... نسيه الزمن. — نوافذه مفتوحة. — وكأنها بقيت كذلك...
نقطة الحيادهناك أماكن...لا يُقاس البعد عنها بالخطوات،بل بما تتركه في الروح حين تغادرها.سَدَمحين تصبح بلا رغبة...ولا ندم...ولا شوق...ولا ألم...وتغدو مجرّد لحمٍ يسير بأمر الزمن...فلا تقل إنّك حيّ.تأكّد فقط...أنّك هنا.حيث لا يموت الإنسان...بل يموت ما كان يجعله إنسانًا.أهلًا بك...في سَدَم، يا نِيراس.—ارتجف أمير فجأة.—واتّسعت عيناه.—ثم صاح:— سَدَم...!—— أتذكّرها...—— أتذكّرها جيّدًا!—تراجع خطوة.—ثم صرخ بغضب:— ماذا؟!—— أيّها الوغد...—— أتريد أن تُسلّمني إلى صفادك؟—— لن أسمح لك!—— سأقضي عليك!—واندفع نحوه.—لكنّ عتمور بقي ثابتًا.—وقال بهدوء:— اهدأ يا نِيراس.—— لو أردت تسليمك...—— لما جئت بك إلى هنا أصلًا.—قهقه أمير بسخرية.—ثم قال:— وهل تريدني أن أصدّقك مرّةً أخرى؟—— أما شبعت من الكذب؟—رفع عتمور رأسه.—وقال ببرود:— أنت غبي.—— ولو كنت تفهم...—— لما وقفت الآن تصرخ في وجهي.—اشتعل غضب أمير.—وقال:— أنا الغبي؟!—— يا تافه!—ابتسم عتمور ابتسامةً باهتة.—ثم قال:— أجل...—— لأنّك لم تفهم بعد.—— لم آتِ بك إلى سَدَم لأسلّمك.—س
ما تبقّى من أميربعضُ الحروب...لا تُخاض بين شخصين.بل بين اسمٍ...وذاكرة.---حتى وإن صدقت...وإن كان جسدك نِيراس...فإنّ روحك ما زالت أمير.ويجب عليّ أن أُنقذ آخر ما تبقّى من أمير...قبل أن تنزف روحه.جلس مكانه.ونظراته معلّقة بالمكان الذي اختفى فيه عتمور.وكان الصمت...يسري في داخله ببطء.حتى كاد يختنق بأفكاره.يحاول إنكار الحقيقة...لكنّه لم يستطع.ثم همس لنفسه:— مهلًا...— هل أنتظر عتمور؟— أم أخرج من هنا؟— وإن كان عتمور يخدعني...— فلن يغفر لي دَجين.دَجين...لكن دَجين لم يغفر لك أصلًا...إن كان قد سمع حديثكما فعلًا.ساد الصمت.ثم جاءه صوتٌ من أعماقه:— ومن تكون أنت؟— ألم تعرفني بعد؟— أم أنّك تحاول نسيان من تكون؟أغمض أمير عينيه.ثم صاح:— لم أعرفك!— من أنت؟!جاءه الصوت من جديد:— انظر إليّ...— ربّما ترى ملامحًا بعيدة...— ما زال شيءٌ منها يسكنك.ثم ضحك بخفوت.وقال:— وهل هذا...— ما تبقّى منك؟— اسمك أمير...— وهل يغيّر ذلك شيئًا...— إن بقي؟— لقد محوتَ كلَّ أثرٍ...— كان يمكن أن يعيدك إليّ.— ولكن انظر...— ها أنت تعود.ساد الصمت.ثم عاد الصوت يهمس:— أنا لستُ مجرّد اسم
الوهم—ليس كلُّ ما تتذكّره...—قد عاشه قلبك.—ساد هدوءٌ...—يبعث في النفس ريبةً لا تُفسَّر.—حتى بدا المكان...—وكأنّ الصمت قد تسلّل إلى جدرانه.—فصار كلُّ ما فيه...—يشبهه.—وكان أمير يشعر...—أنّ صوتًا غير مسموعٍ يقطع أنفاسه.—ويتردّد في داخله سؤالٌ واحد:—من أنا؟—ومن أكون؟—لكنّه تردّد في طرحه.—وكأنّ كلّ ما حدث...—جعل تصديق المستحيل أهون عليه من إنكاره.—رفع رأسه ببطء.—ونظر إلى عتمور.—ثم قال بصوتٍ مكسور:— أرجوك يا عتمور...—— كفى هذا الهراء.—— حقًّا...—— لم أعد أحتمل.—— أرجوك...—— أتوسّل إليك.—أغمض عتمور عينيه.—ثم قال بهدوء:— نِيراس...—— الإنسان يولد مرّتين.—— مرّةً حين تلدُه أمّه.—— ومرّةً حين يلدُه الألم.—— والمفارقة...—— أنّ اللحظتين كلتيهما مؤلمتان.—— وبعد الألم...—— يأتي تقبّل الحقيقة.—— ولو بعد سنين من الوهم.—خفض أمير رأسه.—ثم همس:— يا الله...—— لماذا يحدث كلّ هذا معي أنا؟—ساد الصمت.—ثم أردف بصوتٍ يكاد يختنق:— أمّي...—— أبي...—— هل كانوا جميعًا وهمًا؟—— ماذا...—— لا أصدّق...—— لا أصدّق.—— لا أستطيع
حين فتحت الباب… أدركتُ أنّني لم أكن وحدي.ليلٌ هادئ… وضوء قمرٍ خافت ينسلّ من بين الستارة. يصطدم بمصباحٍ في الغرفة— أبيض، باهت… يرفّ بين لحظةٍ وأخرى، كأنّه يوشك أن ينطفئ. — جلس أمير على كرسيه المعتاد، خلف الطاولة. شعر بثقلٍ كبير في رأسه… بين رجفةٍ، ونظراتٍ سريعة
بين توتّرٍ… وخوفٍ بدأ يفرض وجوده على جسده— لم يكن من تلك الكلمات، التي لم يفهمها أصلًا… لكنّه— لم يعد يدري ما الذي يحدث له. شعر بشيءٍ… يلتفّ حوله. يشتدّ أكثر، يسحبه إلى الداخل… يُحكم قبضته حول عنقه. كأنّ أحدًا— غيره… كان هناك. في الغرفة. — بدأت صورته… تتشكّل أم
لم يبدأ الأمر بصوتٍ واضح… بل بشيءٍ أشبه بفكرةٍلم تكن له.مدّ الشيخ يده ببطء… وأخرج شيئًا صغيرًا، أشبه بورقةٍ قديمة. لم تكن مجرد ورقة… بل بدت كأنها عاشت زمنًا أطول مما ينبغي. حوافّها مهترئة، ولونها مائلٌ إلى الاصفرار، كأنّها احتفظت بما كُتب فيها… ولم تنسَه. كانت بين أصابعه، تتحرّك بخفّة،
كان الشيخ أبو صادق يجلس في زاوية الغرفة… زاوية بدت وكأنها غارقة في سوادٍ مطلق، حتى النوافذ كانت مغلقة، لا تسمح لشيءٍ بالدخول… ولا حتى للضوء. كانت رائحة البخور… أو ربما شيءٌ أقرب إلى الكبريت، تملأ المكان، تثقل الهواء، كأنّ التنفّس فيه لم يعد طبيعيًا. على الجدار، فوق رأسه مبا







