Share

التاج والموقد

Author: Tawakalit
last update publish date: 2026-09-14 22:43:32

أشرق الصباح فوق جبال "شيني مون" بوميضٍ خاطفٍ ومبهرٍ يمزج بين الفضة والذهب الشاحب. وتدفقت أشعة الشمس عبر النوافذ المقوسة ذات الزجاج الملون في الجناح الملكي، لترسم أنماطاً دافئة على الأغطية الحريرية.

فتحتُ عينيّ ببطء، وشعرتُ بثقلٍ في جسدي ناتجٍ عن إرهاقٍ عميقٍ سرى في العظام، وهو شعورٌ لم أعرفه منذ سنوات. في الثواني الأولى، تملّكني ذعرٌ مفاجئ؛ ذلك الرعب البارد المألوف الذي كنتُ أشعر به عند الاستيقاظ متأخرةً عن نوبة العمل في مطبخ ثكنات العبيد. تهيأتُ لتلقي ركلةٍ قوية من حذاء حارسٍ غليظ أو سكبِ دلوٍ من الماء المثلج فوق رأسي.

لكن بدلاً من ذلك، شممتُ رائحة القهوة المحمصة، والتوت البري، والمعجنات الطازجة. اعتدلتُ في جلستي فجأة، وسحبتُ غطاء الفرو الثقيل -المصنوع من فراء ذئب الغابات الضخم- لأغطي به جسدي حتى الذقن. وتدفقت ذكريات الليلة الماضية إلى ذهني دفعةً واحدة: عظمة الترقوة المكسورة لدى "رايان"، وملك "اللايكان" وهو يجثو على ركبتيه، وحمام الخزامى الساخن، وعينا "كارل" الذهبيتان الثابتتان اللتان منحتااني شعوراً بالأمان.

نظرتُ حولي في الغرفة؛ كان باب غرفة المكتب الخاصة موارباً قليلاً.

وبعد بضع دقائق، انفتح الباب الثقيل على مصراعيه. دخل "كارل" إلى الغرفة الرئيسية مرتدياً سترةً بسيطة بلون رمادي داكن تبرز ضخامة صدره الهائلة، وسروالاً من الجلد الأسود وحذاءً طويلاً؛ لم يكن يرتدي تاجه ولا عباءته الملكية الثقيلة.

وبدون درعه الإمبراطوري، بدا أقل شبهاً بملكٍ أسطوريٍ بعيد المنال، وأقرب إلى مفترسٍ في حالة سكونٍ وهدوء. كان يحمل في يده كوباً فضياً يتصاعد منه البخار، وتوقف فجأة في مكانه بمجرد أن وقعت عيناه عليّ، واتسعت فتحتا أنفه قليلاً وهو يستنشق رائحتي.

قال بصوتٍ أجشٍ لكنه ناعمٌ ولطيفٌ بشكلٍ مفاجئ: "صباح الخير يا آفا".

ثم سأل: "كيف كان نومكِ؟"

قلتُ بتلعثم وأنا أسحب كمّ السترة ليغطي يديّ: "لقد... لقد نمتُ جيداً. بل جيداً جداً؛ لم أستيقظ عند الفجر. إذا أدركت كبيرة الطهاة أنني لم أكن في المطبخ لإشعال المواقد..."

قاطعني "كارل" بهدوء وهو يمشي نحو طاولة الطعام الصغيرة قرب النافذة ليضع الكوب عليها: "لقد أُعفيت كبيرة الطهاة من مهامها، ومعها كبير المشرفين على العمل وأربعة حراس شوهدوا وهم يعتدون عليكِ أثناء وجودكِ في الحلقة السفلية". كان قلبي يخفق بشدة ويضرب أضلاعي: "هل أشعر بالارتياح؟ هل قمتَ بفصلهم؟"

نظر إليّ كارل، ومرّت ظلال باردة ومميتة فوق ملامحه الحادة قبل أن تتلاشى وتحل محلها نظرة صبورة. "إنهم يقبعون حالياً في الزنازين الموجودة تحت الأرض بانتظار محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى للتاج؛ فإساءة معاملة فرد من العائلة المالكة -أو أي شخص يحظى بحماية الملك الشخصية- تستوجب عقوبة قاسية في مملكة الليكان".

أشار بيده نحو الطاولة التي كانت تزخر الآن بوليمة فاخرة: سمك السلمون المدخن، والبيض المسلوق، والأجبان الطازجة، والخبز الدافئ، وثمار التوت.

قال بنبرة رقيقة: "تعالي لتتناولي الطعام، فأنتِ بحاجة لاستعادة قوتك".

ترددتُ قليلاً، ثم أزحتُ الغطاء الفروي وأنزلتُ ساقيَّ من حافة السرير. كنتُ حافية القدمين، ولا أرتدي سوى سترة صوفية ناعمة بلون الكريم، كانت تنسدل برفق لتبرز تفاصيل جسدي. في "القمر الأحمر"، كان رايان يلحّ عليّ باستمرار لأخفي جسدي تحت فساتين ذات قصات مشدودة (كورسيه) بهدف "تنحيف قوامي"؛ أما هنا، فقد كان القماش الناعم يلتصق بامتلاء وركَيّ وانحناءة بطني دون أي خجل أو محاولة للإخفاء.

ولمحتُ كارل وهو ينظر إليّ.

لم تكن نظرته تحمل انتقاداً أو اشمئزازاً؛ بل كانت ثقيلة، وعميقة، ومشحونة برغبة جامحة ومتقدة جعلت الحرارة تسري في جسدي وتصبغ بشرتي بالاحمرار. لكنه سرعان ما أشاح بنظره بعيداً، مانحاً إياي مساحة من الخصوصية بينما كنت أمشي نحو الطاولة لأجلس.

سألتُ بصوتٍ خافت وأنا ألاحظ وجود إعدادات لمائدة شخص واحد فقط: "ألن تأكل؟"

قال كارل وهو يسند كتفيه العريضين إلى الحافة الحجرية للمدفأة ويضم ذراعيه إلى صدره: "لقد أكلتُ قبل ساعات أثناء دورية الصباح. وعلاوة على ذلك، أردتُ أن أمنحكِ بعض المساحة؛ فأنا أعلم أن وجودي قد يكون... طاغياً ومربكاً."

تمتمتُ وأنا أرتشف القهوة الغنية والحلوة: "لقد حطمتَ عظمة الترقوة لدى 'ألفا' بيديك العاريتين الليلة الماضية... وكلمة 'طاغٍ' لا تفي الأمر حقه."

انبعثت من صدر كارل ضحكة خافتة وعميقة؛ صوتٌ غنيٌّ ورنّانٌ أثار قشعريرة سرت في عمودي الفقري. قال: "لقد نجا 'رايان' بأقل الخسائر يا 'آفا'. ولو لم نكن مقيدين بقوانين الضيافة الخاصة بـ 'طقوس التزاوج الكبرى'، لما خرج من تلك القاعة ماشياً على قدميه."

وضعتُ كوبي جانباً ورفعتُ بصري لألتقي بعينيه الذهبيتين: "لماذا فعلت ذلك يا كارل؟ بصدق؟ فملك 'اللايكان' ليس بحاجة لإهدار رصيده السياسي في حماية 'أوميغا' منبوذة من قبيلة 'القمر الأحمر'."

توقف كارل عن الاستناد إلى المدفأة، وخطا ثلاث خطوات بطيئة ومدروسة نحو الطاولة، ليتوقف على بعد بوصات قليلة من مقعدي. كانت الحرارة المنبعثة من جسده تأسر الحواس؛ مزيجٌ من صقيع الجبال، ورائحة خشب الأرز، والقوة الخام.

جثا على ركبة واحدة بجوار مقعدي، ليصبح وجهه المهيب والمخيف في مستوى وجهي تماماً. ومن هذه المسافة القريبة، استطعتُ رؤية البقع الذهبية المتناثرة في عينيه الكهرمانيتين، والندبة الخفيفة التي تمتد عبر شفته السفلى. "لم أفعل ذلك بدافع الشفقة يا آفا،" همس بصوتٍ متهدجٍ تملؤه المشاعر، "لقد حكمتُ هذه المملكة وحدي طوال عشر سنوات. خضتُ الحروب، ودفنتُ إخوةً لي، وشاهدتُ النبلاء يتظاهرون بالولاء طمعاً في جزءٍ من تاجي. لقد أدركتُ -منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماي تلك القاعة الكبرى- أن رفيقتي موجودة في المكان؛ كان ذئبي يصرخ طلباً لكِ."

مدَّ يده ببطء -مانحاً إياي كل الفرصة للتراجع- ثم أزاح برفق خصلةً شاردةً من شعري الداكن خلف أذني. لامست أصابعه الخشنة والمتصلبة بشرتي، فأشعلت شرارةً من الكهرباء الخالصة سرت في عروقي، وشعرتُ بذئبتي تكاد تخرخر طرباً في داخلي.

وتابع كارل بنبرةٍ هادئة: "وحين نظرتُ إليكِ، لم أرَ ’أوميغا‘ (أنثى من أدنى المراتب)؛ بل رأيتُ ملكتي. رأيتُ امرأةً لا يمكن للقيود أن تكسر روحها، امرأةً يفرض جمالها هيبته على المكان، ويستحق قلبها أن يُعبد ويُقدَّس، لا أن يُخفى ويُوارى."

ترقرق الدمع في عينيّ. لسنواتٍ طوال، آمنتُ بأنني "خطأ"؛ كبيرة الحجم أكثر مما ينبغي، ضعيفة، صامتة، وعديمة القيمة... وها هو أقوى ذكرٍ في القارة يجثو على الأرضية الحجرية عند قدمي، ناظراً إليّ وكأنني الشيء المقدس الوحيد المتبقي في هذا العالم.

اعترفتُ بصوتٍ متهدج: "لا أعرف كيف أكون ملكةً يا كارل... كل ما أعرفه هو كيف أنجو."

ابتسم كارل؛ كانت ابتسامةً صادقةً تخطف الأنفاس، حوّلت ملامحه القاسية إلى وجهٍ فائق الوسامة والجاذبية.

قال بنبرةٍ حازمة: "إذن، دعينا أحميكِ بينما تتعلمين. لقد نجوتِ من الرماد يا آفا، والآن حان وقت الاشتعال."

وقبل أن أتمكن من الرد، تردد صدى طرقٍ قويٍ على أبواب الجناح.

نادى صوتُ حارسٍ بتوترٍ من الردهة: "جلالة الملك... لقد اجتمع المجلس الأعلى في قاعة العرش. يطالب ’ألفا رايان‘ ووالده بمقابلةٍ بخصوص ’حادثة‘ الليلة الماضية، وقد اصطحبوا معهم مبعوثي القارة."

تلاشت ابتسامة كارل، وحلّت محلها فوراً ملامح ملك "اللايكان" (الذئاب الضارية) المرعبة. نهض بسلاسة، فارعاً قامته التي تبلغ سبعة أقدامٍ لتطغى بهيبتها على أرجاء الغرفة.

التفتَ نحوي، مادّاً يده الكبيرة المليئة بالندوب. قال كارل: "حسناً يا مولاتي" - وعيناه الذهبيتان تتوقدان بحماسٍ قاتل - "هل نذهب لنُريَهم ما يحدث حين يزدرون الذهب ويدّعون أنه رصاص؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان   التاج والموقد

    أشرق الصباح فوق جبال "شيني مون" بوميضٍ خاطفٍ ومبهرٍ يمزج بين الفضة والذهب الشاحب. وتدفقت أشعة الشمس عبر النوافذ المقوسة ذات الزجاج الملون في الجناح الملكي، لترسم أنماطاً دافئة على الأغطية الحريرية.فتحتُ عينيّ ببطء، وشعرتُ بثقلٍ في جسدي ناتجٍ عن إرهاقٍ عميقٍ سرى في العظام، وهو شعورٌ لم أعرفه منذ سنوات. في الثواني الأولى، تملّكني ذعرٌ مفاجئ؛ ذلك الرعب البارد المألوف الذي كنتُ أشعر به عند الاستيقاظ متأخرةً عن نوبة العمل في مطبخ ثكنات العبيد. تهيأتُ لتلقي ركلةٍ قوية من حذاء حارسٍ غليظ أو سكبِ دلوٍ من الماء المثلج فوق رأسي.لكن بدلاً من ذلك، شممتُ رائحة القهوة المحمصة، والتوت البري، والمعجنات الطازجة. اعتدلتُ في جلستي فجأة، وسحبتُ غطاء الفرو الثقيل -المصنوع من فراء ذئب الغابات الضخم- لأغطي به جسدي حتى الذقن. وتدفقت ذكريات الليلة الماضية إلى ذهني دفعةً واحدة: عظمة الترقوة المكسورة لدى "رايان"، وملك "اللايكان" وهو يجثو على ركبتيه، وحمام الخزامى الساخن، وعينا "كارل" الذهبيتان الثابتتان اللتان منحتااني شعوراً بالأمان.نظرتُ حولي في الغرفة؛ كان باب غرفة المكتب الخاصة موارباً قليلاً.وبعد بضع د

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان   القفص المخملي

    كان الصمت داخل الجناح الملكي كياناً حياً نابضاً، مثقلاً بعبق خشب الصنوبر المشتعل وشذى الخزامى العذب، ومع ذلك كان خالياً تماماً من ذلك الخوف الذي استبد بحياتي لأشهر.جلستُ متجمدةً عند حافة السرير الوثير ذي المرتبة الحريرية، بينما كانت أصابع قدمي العاريتين تغوصان في سجادة الفرو الفاخرة والكثيفة التي تغطي الأرضية الحجرية الباردة.وفي الجانب الآخر من الغرفة الفسيحة الخافتة الإضاءة، ظل الملك كارل ساكناً تماماً في كرسيه الجلدي الضخم قرب الموقد. كان وهج النار المتأججة -بلونه الكهرماني- يتراقص على زوايا وجهه الحادة، مبرزاً الندوب العميقة التي تشق خط فكّه، وضخامة كتفيه العريضين التي تبعث على الرهبة.كانت كل غريزة -صُقلت عبر أشهر من الضرب والتجويع والسخرة في الأقبية المظلمة- تصرخ بي كي أتحرك؛ لأجد مخرجاً، أو ظلاً أختبئ فيه، أو لأهرب قبل أن يسقط القناع.ومع ذلك، كان ذئبي الداخلي -الذي ظل خاملاً ومحطماً وعلى وشك الموت لفترة طويلة- يصدر أزيزاً خافتاً. لقد سرت في أعماق صدري حرارة هادئة وخائنة، تنبض بتناغم تام مع حركة صعود وهبوط صدر ذلك المستذئب في الجانب الآخر من الغرفة.قال كارل بهدوء: "أنتِ تخططي

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان   ظل السيّد

    وقفت "إيلينا" متسمرة في مكانها عند الطرف الآخر من المائدة الرئيسية المحطمة، وقد تشتت ذهنها تماماً أمام المشهد المستحيل الذي يتكشف أمام عينيها؛ فملك "اللايكان" (Lycan) القاسي -الذي كانت مجرد ذكرى اسمه تجعل أقوى زعماء "الألفا" يرتجفون وهم يمسكون كؤوسهم- كان جاثياً على ركبتيه، ممسكاً بيدٍ قذرة تعود لـ "أوميغا" منبوذة. كان قلبها يقرع ضلوعها بإيقاع فوضوي ومُربك، مزيجٍ من الغيرة والحيرة والرعب المتصاعد. لم تستطع تكوين فكرة متماسكة، ناهيك عن وضع خطة؛ فقد هُدمت التسلسلات الهرمية لعالم الذئاب وأعيدت صياغتها بالكامل في لحظة خاطفة.كنتُ أنا أيضاً أرتجف بعنف مماثل، وصدري يعلو ويهبط بقوة تحت سترتي الملطخة بالشحم، بينما داهمتني وطأة اللحظة الخانقة بكل ثقلها.شعر "كارل" بالارتجاف الذي يسري في جسدي، فتلاشت ملامح الغضب القاتل المرعب عن وجهه وحلت محلها نظرة قلق خالص ومؤلم. مسح إبهامه العريض الخشن على ظهر يدي بعناية فائقة، وانخفض صوته إلى نبرة خافتة وأجشّة لامست بشرتي بذبذبات رقيقة.همس قائلاً: "سامحيني يا ذئبتي العزيزة".كانت عيناه الذهبيتان المتوهجتان تسبران أغوار عينيّ بضعفٍ إنسانيٍّ صادم وغير متوقع،

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان   ملك اللايكان

    كان الصمت الثقيل في القاعة الكبرى خانقًا، كأنه وتر مشدود على وشك الانقطاع وتمزيق المكان.جلستُ متجمدةً على أرضية الحجر الباردة، شفتاها الملونتان مفتوحتان في صرخة صامتة عبثية."رفيقة ملك المستذئبين؟"، بدت الكلمات وكأنها تُشوّه الهواء من حولي.تجولت عيناي المذعورتان بعنف بين وجهي الملطخ بالتراب، وخرقي الملطخة بالزيت، وذلك الجسد العملاق المُغطى بالظلال الذي يُهيمن على المكان. كان هذا مستحيلاً إحصائيًا، خللاً مروعًا في السيناريو المثالي الذي كتبته لحياتي. كان من المفترض أن ترتدي الإناث النحيلات، النقيات، ذوات المكانة الرفيعة التيجان، بينما يُفترض أن تتعفن الأوميغا الثقيلة، المهملة، في الظلام، منسيةً من قِبل الإله والذئب على حد سواء. كان وجه رايان بجانبي، وقد بدأ يتحول إلى لون أرجواني باهت وخطير، بينما اشتدت قبضة الملك كارل حول قصبته الهوائية."يا صاحب الجلالة"، تمتم رايان بصوت مختنق، وقدماه المنتعلتان بالحذاء تركلان الهواء بلا جدوى، وأظافره تمزق المخالب الحديدية التي تغرز في حلقه. تناثر اللعاب من شفتيه وهو يكافح بشدة من أجل التنفس واستعادة رباطة جأشه."يبدو أنك لا تفهم! إنها لا شيء! كانت

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان    قيود وظلال

    برزت ظلال جبال القمر اللامع كأنها أسنان من حجر السبج المسنن في سماء الغسق. منهكًا، شبه متجمد، بالكاد أركض على رمق من العناد، بالكاد عبرت حدود المنطقة الغربية حتى حاصرتني الأدغال.لم يبقَ لي حتى نفس لأصرخ. انقضت عليّ ثلاثة ذئاب ضخمة مارقة دفعة واحدة، دافعة بي إلى الثلج. مجردًا من حماية قطيعي السابق، منهكًا تمامًا، لم تدم مقاومتي أكثر من دقيقة. ربطوا معصميّ بحبل خشن من القنب، وجروني خلف خيولهم كالمواشي، مباشرة إلى قلب معقل القمر اللامع.مع بزوغ الفجر، لم أعد هاربًا أسعى للحرية، بل وُصمتُ بالعمل، مجرد عبد. إذا كان القمر الأحمر قد عاملني بتعالٍ خفي، فإن القمر اللامع كان قسوةً صريحةً لا تشوبها شائبة، وجعلني جسدي هدفًا لا يُقاوم لكل حارس ذي نزعة سادية."انظروا إلى هذه المخلوقة الضخمة!" سخر حارس يُدعى يوليوس في الصباح، وهو يضربني بمقبض سوطه ذي الطرف الحديدي مباشرةً على قفصي الصدري. ارتطمتُ بقوة بجدار حجري رطب للمطابخ تحت الأرض، وانفجر الهواء من رئتيّ."تحتاج إلى ضعف كمية الخبز لتتنفس، ولماذا؟ أوميغا تتحرك كدب جريح!""انتبه يا يوليوس!" ضحك حارس آخر، وهو يسكب دلوًا من ماء النهر المثلج فوق رأس

  • مرفوض من قبل ألفا، مقبول من قبل ليكان   عهود منقوضة

    عادةً ما كان عبير الخزامى وخشب الأرز الطازج يمنحني شعورًا بالهدوء، لكنه هذه الليلة لم يملأ الردهة إلا بحلاوةٍ خانقة. قمتُ بتسوية الجزء الأمامي من فستاني الكتاني المطرز، وأنا أتتبع بأصابعي خيوط الفضة الرقيقة حول حافته. كان هذا الفستان لباسًا تقليديًا يُرتدى قبل الزفاف، خيطته جدتي يدويًا تكريمًا للروابط العريقة بين قبائل الماشية.غدًا صباحًا، أجل، تحت ضوء القمر المكتمل، كان من المفترض أن أقف أمام الشيوخ وأُعلن ارتباطي بريان.حملتُ صينية خشبية صغيرة عليها كوبان من القصدير من عصير التفاح الدافئ المتبل. كان ريان يعمل حتى وقت متأخر من المساء، مُنجزًا الأعباء الإدارية لقبيلة القمر الأحمر، وكنتُ أرغب فقط في منحه لحظة هادئة قبل أن تبدأ فوضى الحفل.عندما وصلتُ إلى أبواب البلوط الثقيلة لجناح ألفا، وجدتها مفتوحة قليلًا. انسكب خيطٌ من ضوء الشموع الدافئ على بلاط الأرضية الداكن.تقدمتُ خطوةً إلى الأمام، بصوتٍ خافت، "ريان، لقد أحضرتُ..."، لكن الكلمات تجمدت في حلقي.انزلقت الصينية من بين أصابعي المتجمدة، وارتطم إطارها الخشبي بالحجر بصوت مكتوم، وتحطمت الأكواب، وانسكب عصير التفاح الساخن على الأرض وعلى م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status