INICIAR SESIÓNبعد يومين.
"إيفي، هل أحضرتِ خواتم النقل المكاني؟" سألتُ وأنا أضع قلنسوتي. أومأت إيفون برأسها، ثم أخرجت خريطة الحي الذي يتمركز فيه مزاد اللوتس. "علينا المرور من البوابة الخلفية للقصر، وهناك تنتظرنا عربة ستنقلنا إلى ذلك المزاد." قالت وهي تشير إلى بقعة محددة قرب النهر. "هذا سيكون صعبًا." قلت وأنا أعبس. "لذلك علينا بذل جهد مضاعف." قالت وهي تفتح مخرجًا سريًا كنا قد اكتشفناه معًا عندما كان عمرنا ست سنوات فقط، ومنذ ذلك اليوم بدأنا نتسلل عبره. "هيا بسرعة، ما دام إخوتي خارج القصر." قالت وهي تركض داخل النفق الذي انفتح أمامنا. تنهدت بعمق ثم تبعتها، وانغلق النفق خلفنا، تاركًا ظلامًا دامسًا. كلتانا تحمل دماء الوحوش التي ورثناها عن آبائنا، لذلك كانت رؤيتنا معززة، ولم نكن بحاجة إلى أي ضوء لنرى بوضوح. سرعان ما خففنا سرعتنا عندما اقتربنا من المخرج، ورأينا خيطًا من الضوء. "هيا بسرعة، فالعربة تنتظرنا." قلت وأنا أفعّل تقنية التخفي وأمسك بيدها. كانت عربة بسيطة بلا أي شعار تنتظرنا في الفناء الخلفي، ودون تردد ركبناها، فانطلقت بنا. "كيف سندخل المزاد إذًا؟" رفعت إيفون ورقة بين أصابعها وقالت: "بهذه." ثم ابتسمت وأكملت: "لقد رشوت أحد حراس المزاد البارحةفأعطاني بطاقة الدخول هذه ، لذلك سنستطيع المرور." "خطوة ذكية." قلت وأنا أرفع إبهامي لها بإعجاب. وصلنا بعد نصف ساعة إلى المزاد، وكانت العديد من العربات تتوافد إلى المكان، بينما انتشر الحراس عند المداخل يراقبون القادمين. أخرجت إيفون دفترًا صغيرًا، وراحت تدون فيه أسماء كل نبيل لمحته من المشاركين، كي تقاضيهم لاحقًا. أما أنا فاكتفيت باختيار أحد أسلحتي استعدادًا لأي طارئ. "آنستاي، لقد وصلنا." قال سائق العربة وهو يطرق على النافذة. تبادلت أنا وإيفون النظرات، ثم أخرجت كل منا حبة تغيير الشكل وتناولناها. تغير لون شعرنا وأعيننا إلى ألوان أقل لفتًا للانتباه، كما تغيرت ملامح أجسادنا لنبدو بالغتين بدلًا من مجرد مراهقتين. نزلنا من العربة، وتوجهنا مباشرة إلى المدخل الخلفي. وبعد أن أبرزت إيفون البطاقة التي حصلت عليها مسبقًا، سمح لنا الحارس بالدخول بسهولة، حتى بدا الأمر غير حقيقي. ما إن تجاوزنا المدخل حتى بدأنا نسير بين الممرات الطويلة بصمت. كانت القاعة الرئيسية تعج بالنبلاء والتجار، بينما ارتفعت أصوات المزايدات والضحكات في كل مكان، وكأن ما يجري هنا أمر طبيعي. خفضت رأسي أكثر حتى أخفت القلنسوة معظم وجهي. همست إيفون: "من المفترض أن يكون المستودع في الأسفل." أومأت لها، ثم ابتعدنا عن القاعة الرئيسية متظاهرَتين بأننا نبحث عن دورة المياه. كلما ابتعدنا، قلّ عدد الأشخاص وازداد عدد الحراس. استغللنا انشغالهم، ثم فعلت تقنية التخفي مجددًا، وأمسكت بيد إيفون. مررنا بجانبهم بهدوء دون أن يلاحظنا أحد. وصلنا إلى باب حديدي ضخم. أخرجت إيفون مفتاحًا سرقته من أحد الحراس عند المدخل، ثم أدخلته في القفل. صدر صوت خافت. انفتح الباب ببطء. دخلنا وأغلقناه خلفنا. كان المكان مختلفًا تمامًا. باردًا... وصامتًا... وتفوح منه رائحة الرطوبة والدم. تقدمت عدة خطوات، ثم تجمدت في مكاني. كانت أمامنا قاعة هائلة الحجم. اصطفت على جانبيها أقفاص حديدية ضخمة، تشبه أقفاص الحيوانات المفترسة. لكن... لم تكن بداخلها حيوانات. بل بشر. رجال... نساء... وأطفال. بعضهم كان جالسًا على الأرض بصمت، وبعضهم رفع رأسه نحونا بخوف، بينما انكمش آخرون في زوايا الأقفاص. شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي. همست إيفون بغضب مكتوم: "أقسم أنهم سيدفعون ثمن هذا." اقتربت من أول قفص. ما إن رآني من بداخله حتى تراجعوا إلى الخلف بخوف. رفعت يدي بهدوء. "لا تخافوا... جئنا لإخراجكم." ساد الصمت لثوانٍ. ثم بدأت ملامح الشك تختفي من وجوههم. أخرجت خواتم النقل المكاني من حقيبتي، ثم وجهتها نحو الأقفاص. بدأت الأختام المرسومة عليها تضيء واحدًا تلو الآخر. اختفى أول قفص داخل الحلقة المكانية. ثم الثاني. ثم الثالث. وفي الجهة المقابلة كانت إيفون تفعل الشيء نفسه بسرعة. خلال دقائق قليلة لم يبقَ أي قفص في القاعة. تنفست الصعداء. "انتهينا... فلنخرج." استدرت نحو الباب. لكن... توقفت قدماي. كان الباب مفتوحًا. وعشرات الحراس يقفون خلفه وقد أشهروا أسلحتهم في وجوهنا. وفي اللحظة التالية بدأ المزيد منهم يخرجون من الممرات الجانبية، حتى أحاطوا بنا من كل اتجاه. تقدمت إيفون خطوة إلى الخلف حتى أصبحت بجانبي. همست: "وقعنا في الفخ." دوّى صوت تصفيق هادئ داخل القاعة. شق رجل طريقه بين الحراس بخطوات بطيئة، وعلى وجهه ابتسامة باردة. كان يرتدي معطفًا أسود فاخرًا، تتدلى من أصابعه عشرات الخواتم المرصعة بالأحجار الكريمة. توقف أمامنا، ثم نظر إلى القاعة الفارغة. اختفت ابتسامته للحظة. ثم عاد يبتسم. "رائع..." قالها وهو يصفق مرة أخرى. "استطعتما سرقة بضاعتي كاملة أمام عيني." رفع رأسه ونظر إلينا مباشرة. "كنت أتساءل من يجرؤ على اقتحام مزاد اللوتس." اتسعت ابتسامته أكثر. "لكن يبدو أنني اصطدت سمكتين أكبر مما توقعت." أحكم الحراس قبضتهم على أسلحتهم. أما أنا... فوضعت يدي ببطء على مقبض سيفي، بينما تبادلت أنا وإيفون نظرة واحدة. لقد فشل التسلل... وبدأت المعركة.نهض ماكسيل عن الأرض بهدوء تام. نظر إلى بقع الدم التي تناثرت في القبو، ولم يشعر بأي ألم أو ضعف؛ فسلالة ملتهم العوالم التي تجري في عروقه تجعل من مثل هذه الارتدادات مجرد تفصيل بسيط لا يؤثر في كيانه. مسح طرف فمه بظهر يده، ثم سار بخطوات متزنة نحو الحمام الملحق بالقبو.وقف تحت الماء الساخن، وأغمض عينيه بينما كانت المياه تنهمر على جسده. كان يفكر في تلك الخيوط التي أطلقها نحو أوريليا. حدث نفسه: "الربط القسري ليس هو الطريق. أوريليا ليست مجرد جائزة أريد اقتناصها، بل أريدها أن تنظر إليّ بتلك النظرة التي تمنح الحب طعمه الحقيقي. القوة يمكنها أن تجلب الجسد، لكنها لا تملك القدرة على إجبار القلب على النبض بالحب."بقي صامتاً لفترة، يراقب قطرات الماء وهي تنزلق على ذراعيه، وشعور بالرضا يملأ داخله لأنه تراجع في الوقت المناسب. بالنسبة له، كبرياؤه كرجل ناضج وقوي يمنعه من تحويل من يحب إلى دمية مسلوبة الإرادة.خرج من الحمام، وجفف جسده، ثم ارتدى معطفاً خفيفاً فوق قميصه الأسود ليمنحه الراحة. وقف في منتصف الغرفة، وبحركة بسيطة من إرادته، قام بتفعيل قدرة الانتقال الآني. في لمح البصر، تلاشت جدران القبو المظلمة، ل
فتح ماكسيل صفحات الكتاب ببطء. كان يضغط بأصابعه على الورق الجاف، وعيناه تلاحقان السطور الحمراء المكتوبة بخط غريب. توقف عند فقرة معينة، وبدأ يقرأ الكلمات في سره. فكر في نفسه: "أوريليا الآن تبتعد عني. هي في حضن والدها، تشعر بالأمان الذي لا أستطيع منحه لها. هل تعتقد أن غاب سيحميها مني؟ لا أحد يملك هذه القدرة." أمسك حافة الصفحة بقوة حتى تجعد الورق تحت يده. بدأ يتحدث بصوت مسموع، كانت الكلمات تخرج ثقيلة وصعبة النطق. بدأ الهواء في القبو يتحرك بشكل دائري، وظهرت خيوط سوداء رفيعة جداً من منطقة صدره. انطلقت هذه الخيوط بسرعة، واخترقت الجدران الحجرية للقبو، واتجهت نحو الخارج، تحديداً نحو المكان الذي تتواجد فيه أوريليا. شعر ماكسيل بارتباط جسدي مع تلك الخيوط. كان يشعر ببرودة الجو في الخارج، وبدقات قلب أوريليا المتسارعة. اقترب من هدفها أكثر فأكثر. قال في داخله: "قليلاً بعد، وسأربط روحكِ بروحي. حينها، لن تستطيعي الابتعاد عني مهما حدث. ستكونين ملكي، وسأمحو من ذاكرتكِ كل من حاول أخذكِ مني." لكن، قبل أن تلمس الخيوط جسد أوريليا بلحظات، تذكر ماكسيل ملامح وجهها حين كانت ترتجف خوفاً منه. تذكر كيف كانت
"لقد استيقظتِ يا سيليا." نظرت إليه سيليا لثوانٍ بصمت، كانت تحاول استيعاب ملامحه الحادة وبروده الذي لا يطاق. لم تكن معتادة على أن ينظر إليها رجل دون أن تظهر على وجهه علامات الانبهار بجمالها، أو على الأقل التوتر من مكانتها. شعرت باستفزاز فوري، فاعتدلت في جلستها ورفعت رأسها بكبرياء، ثم قالت بصوت عالٍ ومتعجرف: "أنت! من سمح لك بالبقاء في غرفتي؟ اخرج حالاً! ولا تظن أن صمتك هذا سيثير إعجابي. اذهب ونادِ زوجي فوراً، أريد رؤيته الآن!" لم يبدِ لوكاس أي رد فعل عاطفي. لم يغضب ولم يتفاجأ، بل نظر إليها بنظرة خالية من أي تعبير، وكأنها مجرد قطعة أثاث في الغرفة. هذا الرد، أو بالأحرى عدم الرد، جعل سيليا تشعر بالغضب. تابعت بصراخ: "هل تسمعني؟! قلت اخرج ونادِ زوجي! ألا تعرف مع من تتحدث؟ أنا أميرة العالم الثاني، ولا أقبل أن يتم تجاهلي بهذا الشكل!" تنهد لوكاس ببرود، ثم استدار ليغادر الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بقول كلمة واحدة وهو يغلق الباب خلفه: "افعلي ما تشائين." بمجرد أن أُغلق الباب، انفجرت سيليا غضباً. أمسكت بالوسادة التي كانت بجانبها وقذفتها بكل قوتها على الأرض وهي تصرخ: "كيف يجرؤ؟! ك
كانت كلمات ذلك الصوت الغامض لا تزال تتردد في جنبات روح إيريس كصيحة تحذير أخيرة قبل وقوع الكارثة. لم تكن مجرد نصيحة، بل كانت نبوءة دموية جعلت أنفاسها تضيق وصدرها يعلو ويهبط بذعر. لم يكن أمامها وقت للتفكير أو التردد؛ فالثواني التي تمر الآن قد تكون هي المسامير التي تُدق في نعش الوجود.بيدين ترتجفان، استخرجت إيريس "ورقة اليشم" المقدسة، تلك الأداة السحرية النادرة التي تربطها بزوجها. ركزت طاقتها في الورقة، وبدأت تهمس بكلمات الاستدعاء العاجلة، بينما كان قلبها يقرع طبول الحرب داخل صدرها. لم تمر لحظات حتى انشق الهواء عن وميض أخضر باهت، ليظهر غاب أمامها بملامحه الإمبراطورية الصارمة وهيبته التي تفرض الصمت على كل ما حوله.نظر إليها غاب، وبمجرد أن وقعت عيناه على شحوب وجهها والاضطراب في عينيها، انقبض قلبه. لم تكن إيريس من النوع الذي يفقد توازنه بسهولة، وهذا ما جعله يشعر بخطر داهم."إيريس! ما الذي يحدث؟ لماذا استدعيتِني بهذه السرعة والحدة؟" سأل غاب بنبرة حملت مزيجاً من القلق والدهشة.لم تمنحه إيريس فرصة لاستيعاب الموقف، بل أمسكت بيده بقوة وهي تلهث، وعيناها تتوسلان إليه: "غاب، أرجوك.. لا وقت للشرح ال
بقيت أوريليا صامتة، تحدق في عينيه اللتين بدتا وكأنهما ثقبان أسودان يبتلعان كل ذرة من إرادتها. كان هناك شيء في نظراته يتجاوز مجرد القلق؛ كان نوعاً من التملك المظلم، وكأنها ليست مجرد إنسانة أنقذها، بل ممتلكاً ثميناً استعاده بعد ضياع.حاولت أوريليا استجماع شتات نفسها، وشعرت برغبة ملحة في الابتعاد عن هذا الجو الخانق. بدأت تحرك جسدها ببطء، محاولةً دفع الغطاء عنها للنهوض من مكانها. كانت أطرافها ترتجف، وعضلاتها تشعر بوهن شديد وكأن جسدها مصنوع من زجاج قابل للكسر."أريد... أريد النهوض،" همست بصوت متقطع، وهي تحاول الارتكاز على مرفقيها.لكن قبل أن تتمكن من رفع جسدها أكثر، شعرت بيده الكبيرة تضغط بلطف ولكن بحزم على كتفها، لتعيدها إلى الفراش. كانت لمسته دافئة، لكنها حملت تحذيراً غير منطوق. قال بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة: "لا تفعلي يا أوريليا. أنتِ متعبة للغاية، وجسدكِ لم يستعد عافيته بعد. أي حركة متهورة الآن قد تعيدكِ إلى نقطة الصفر."لم تكن أوريليا في حالة تسمح لها بالاستسلام. كان الذعر الذي عاشته في ذلك الفراغ الفضي لا يزال يسكن روحها، وشعرت أن بقاءها في هذه الغرفة، تحت هذه النظرات، هو نوع آخر
فتحت أوريليا عينيها ببطء، لكنها لم تجد السقف الذي اعتادت رؤيته، ولا جدران الغرفة التي تحيط بها. وجدت نفسها في مكان غريب، محاطة بسواد تام لا ينتهي، يتخلله عدد لا يحصى من النجوم الصغيرة التي تلمع ببرود. لم يكن هناك أرض صلبة تحتها، بل كانت تشعر وكأنها تطفو في فراغ مطلق. ساد صمت تام في المكان، لدرجة أنها بدأت تسمع دقات قلبها تتسارع بوضوح في أذنيها.حاولت أوريليا التحرك، لكنها لم تجد أي اتجاه واضح؛ فلا يوجد أعلى أو أسفل في هذا المكان. بدأت تلتفت حولها بذعر، وأخذت أنفاسها تصبح قصيرة وسريعة. شعرت بضيق في صدرها وهي تدرك أنها وحيدة تماماً في هذا المدى الشاسع. لم تتردد في الصراخ، حيث أطلقت نداءات عالية تردد صدى صوتها في الفراغ قبل أن يختفي:"ماكسيل؟! إيفون؟! أبي! أين الجميع!! أين أنا؟!"انتظرت رداً، لكن لم يجبها أحد. ظلت تتحرك في ذلك العدم بلا هدف، تسبح في الفراغ وهي تشعر بالضياع التام، حتى ظهر من بعيد بصيص من الضوء. اقتربت منه بحذر لتجد روحاً مموهة، كياناً لا يملك ملامح بشرية واضحة، ولكنه يشع نوراً فضياً قوياً يطرد الظلام من حوله. توقفت أوريليا مكانها، وخفق قلبها بقوة وهي تتراجع خطوة للخلف، ثم







